قصص من أفريقيا العميقة (4) زوجة على السريع شمال غينيا 1995

 

 

  

 

محمد الدكالي

 

 

سنبقى إن شاء الله في غرب أفريقيا، عبر القصص، ومنه سنعبر إلى وسطها، ثم إلى شرقها وجنوبها تباعا.

هذه المرة من شمال غينيا الذي يتفوق على جبال سويسرا، ليس بالعلو، بل بالجمال. تكاد الخضرة تكون هي اللون الوحيدالسائد، وشمس مضيئة وجو معتدل بدرجة حرارة تتراوح بين 18 و28درجة معظم أيام السنة، وأودية جارية ومراعي وغابات لا تكاد تنتهي، خيراتها وفيرة أهمها حليب البقر والرّايب، وقد اشتهرت به بلدة دابولا في شمال البلد أكثر من غيرها.

لشمال غينيا، المعروف باسم فوتا جالو، قصة عجيبة في تاريخ الحضارة الإسلامية الأفريقية. سكانها من القبائل الفلاّنية الذين قدموا مع أبقارهم، من فوتا تورو، موطنهم الأصلي في شمال شرق السينغال، ومن فوتا جالو سينساحون مع أبقارهم شرقا عبر القرون إلى مالي والنيجر وبوركينا فاسو وتشاد،  ثم إلى دارفور غرب السودان وصولا إلى سواحل البحر الأحمر، وغربا إلى سييراليون وليبريا وساحل العاج، إلى نيجيريا. في التراث الفلاّني المحكي المتوارث، شعر جميل حول البقر في المراعي، واستئناس الرعاة بها وبما تضفيه على حياتهم من خير وبركة.

للفلاّنيين رصيد كبير في تاريخ الثقافة الإسلامية وفي التاريخ السياسي لأفريقيا المسلمة. في أواخر هذا التاريخ السياسي، قاد الأحفاد الفلاّنيون حركات جهاد واسعة ومؤثرة ضد الفرنسيين في مالي والسينغال، ومن أبرز قادتهم التاريخيين، الحاج عمر بن سعيد الفوتي  (1796-1864) وهو من كبار العلماء، كما أسس هؤلاء الأحفاد مملكة صوكوتو (1804 إلى 1903) على يد العالم المجدد عثمان دان فوديو (1754-1814) في شمال نيجريا وجنوب النيجر وشمال الكاميرون، الذي واجه استبداد بعض السلاطين وجاهد ضد الإنجليز وكان مواليا للدولة العثمانية. حفيده المباشر هو أحمدو بيللو(1910-1966)، أول رئيس وزراء شمال نيجيريا الاتحادية وأبرز الشخصيات السياسية المناضلة لاستقلال نيجيريا من الاستعمار الإنجليزي، اغتيل في انقلاب عسكري بإيعاز من الكيان الصهيوني لمواقفه القوية تجاه قضية فلسطين ولوقوفه في وجه التمدد الصهيوني في أفريقيا.

  

الشهيد أحمدو بيللو

هذا تاريخ حقيقي، أما قصتي مع الفلاّنيين فهي صغيرة جدا جدا ومن نوع مختلف تماما.

تبدأ القصة مع حفل تدشين مدرسة ابتدائية ومسجد وبئر في قرية شمال  مدينة كينديا التي تبعد 140 كلم عن العاصمة كوناكري. المجتمعات المحلية الأفريقية، أينما ذهبْتَ، تنظر باهتمام وتقدير كبيرين للمشاريع التنموية التي تقوم بها المنظمات الإنسانية الإسلامية، وتحرص على إظهار احتفاءها واعتزازها بمثل هذه المساهمات والمناسبات.

كان الحضور كبيرا، نساء ورجالا من القرى المجاورة، كانوا بضع مئات تحت ظلال أشجار ضخمة وأغلبهم من الفلاّنيين. في الصدارة، جلس وجهاء المنطقة ومعهم أعضاء من مكتب منظمة “العون المباشر” (Direcg Aid) في غينيا، حيث سيتناوب الوجهاء والأئمة على إلقاء كلمات ترحيبية تكون في العادة طويلة، احتفاء بالمشروع وتأكيدا على تقديرهم لمساهمات أهل الخير من الكويت ودول الخليج، ويستمر الاحتفاء بالخطب ساعتين أو أكثر.

جانب من الحضور

افتتاح والصلاة في المسجد

حضر معنا في الحفل شخصية استثنائية وهو المهندس الحاج عبد الرحمن با، فلاّني، تخرج من مدرسة فرنسية عليا، وكان وقتها مؤسس ومدير الوكالة المستقلة لدعم المقاولات الصغرى. كان في الخمسينات، أحدبا، صاحب خلق رفيع وذا كفاءة مهنية عالية، اشتهر باستقامته وسط فساد كبير في مؤسسات الدولة.

تجاذبت أطراف الحديث مع بعض أولئك الوجهاء، وكان ج. عمر با وسيطا يترجم بيننا. تحدثت من باب الاستئناس بمُحدّثيّ والتقرّب إليهم، عما أعرفه عن أدوار الفلانيين ومساهماتهم في الثقافة الإسلامية الأفريقية القديمة، وفي الدعوة والجهاد، وهو ما أثار استغرابهم وسرورهم في نفوسهم خُفية، قلت لهم في الأخير، “وددت لوتعلمت اللغة الفلاّنية لأتعرف على تراثكم بشكل أفضل”، ثم أضفت ممازحا، ” لكن هذا يتطلب أن أتزوج بفلاّنية”.

بعد انتهاء الحفل والاحتفاء وبدأنا الاستعداد للعودة، جاءني ج. عمر با وعلى وجهه ابتسامة خفيفة وقال لي، “الجماعة اختاروا لك فتاة فلانية لتتزوج بها، وهي جاهزة الآن”. أصابني الذهول وانعقد لساني للحظات، كان من المستحيل أن يخطر في بالي شيء كهذا. الأمر كبير جلل، فأنا أعرف أن إخوتنا المسلمين الأفريقيين كرماء جدا وهذا طبع متأصل فيهم، لكنني لم أتصور أن أجد نفسي في موقف كهذا. كانت هذه المبادرة تعبيرا عفويا وصادقا عن مشاعر تقدير إخوتنا الوجهاء والأئمة لأخيهم العربي الذي جاءهم زائرا، وأنا متأكد من أنهم تشاوروا وتداولوا الأمر بجدية كاملة، وأنه كانت هناك عدة اقتراحات، وأنا متأكد أن الفتاة ستكون بنت ستة عشر أو سبعة عشر عاما، وفي الغالب جميلة، فقد اشتهرت الفلاّنيات بالجمال.

كانت هذه واحدة من أكثر لحظات الحرج والارتباك التي عرفتها قي حياتي. لا يمكنني قبول الفكرة لأن الله أعطاني زوجة مثالية، عليها الرحمة والرضوان، ولي منها أولاد، كما لا يمكنني الرفض، فالموضوع جدّي جدا لدى أولئك الناس الطيبين الكرماء، ومن سوء الأدب أن أعتذر لهم، فقد أخذوا مزحتي على محمل الجد. يا رب لطفك، اللهم استر. وفي لحظة عجز تام، قلت لصديقي ج. عمر با، “أرجوك، أنا فعرضك كما يقول المصريون، أنقذني بالطريقة المناسبة مع جماعتك، الله يجزيك كل خير”. ابتسم الرجل ابتسامة أعرض وأشار برأسه أنه سيفعل.

ساعتها حرصت على ألا ألتقي بأي من من أولئك الوجهاء والأئمة الفضلاء الكرماء، وتسللت لواذا إلى السيارة وأنا أدعو الله ألا أجد نفسي أمام أحد منهم، والحمد لله لم يحصل ذلك. أثناء العودة، أحسست كما لو أنني خرجت سالما معافى من مغامرة كبيرة. اللهم لك الحمد والشكر. كان درسا بليغا علّمني أن للمزاح حدودا مع إخواننا الأفريقيين، رغم أن روح الدعابة عندهم سارية في طباعهم.

  


شاهد أيضا

شاهد أيضا