من أدب الرحلات، قصص من أفريقيا العميقة من جنوب السينغال إلى القاهرة مشياً

 

 

 

محمد الدكالي

 

 

زيغنشور (1993)

كانت أولى رحلاتي لبلدان الساحل إلى السينغال، وكان علي أن أتوجه من داكار العاصمة إلى مدينة “زيجنشور” ((Ziguénchor عاصمة إقليم الجنوب “كازامانس” ( (Casamance، حيث يوجد مكتب منظمة العون المباشر التي كنت أعمل معها. تقع المدينة على المحيط الأطلسي وميناؤها هو الثاني من حيث الأهمية في السنغال بعد العاصمة. تحدّ الإقليم من الشمال غامبيا التي تكاد تشطر السنغال إلى شطرين من وسطه بحكم امتدادها على ضفتي نهر غامبيا، وكانت مستعمرة ألمانية ثم انتزعها منهم الإنجليز، ومن الجنوب غينيا وغينيا بيساو، ومن الشرق مالي. هذا الإقليم الجنوبي غني بموارده الزراعية والغابية والصيد البحري والسياحة. سكانه من عدةقبائل أهمها قبيلة “ديولا “(Diola)، وهم سكان الإقليم الأصليون ولهم امتدادات في غامبيا المجاورة، إلى جانب الفُلاّنيين من فوتا تورو شمال شرق السينغال، و الـ”مالينكي” وأصولهم من مالي المجاورة. أما الديانات فهناك الآن أقلية مسيحية من قبيلة ديولا، ونسبة منها رفضوا المسيحية وبقوا على دياناتهم الوثنية، أما المسلمون من القبيلة فقد صاروا أغلبية تدريجيا منذ المرحلة الاستعمارية الفرنسية، وهم حديثوا عهد بالإسلام نسبيا مقارنة بإخوانهم المسلمين الذين وصلهم الإسلام في مرحلة أولى، منذ أواخر القرن الهجري الأول من المغرب عبر بلاد شنقيط (موريتانيا)، وترسخ فيهم مع المرابطين والموحدين.

شهد هذا الإقليم منذ 1982، حركة انفصالية شهرت السلاح في وجه الحكومة السنغالية، عرفت بإسم “الحركة الديموقراطية لتحرير كازامانس”، ونادت بالانفصال بدعوى التهميش الذي يتعرض له الإقليم من طرف “الشمال المسلم”. وفي واقع الأمر، كان الهدف من الانفصال بتحريض ودعم من فرنسا، إضعاف البلدان الأفريقية المسلمة في منطقة الساحل، وإغراقها في صراعات داخلية لا تنتهي، لتتسنى لها استمرارية السيطرة على الموارد الطاقية والمعدنية الضخمة في هذه البلدان، التي تكاد تصل نسبة المسلمين فيها إلى 100%. هذا بالضبط ما حدث ويحدث منذ الاستقلال في نهاية الخمسينيات الماضية، في كل بلدان الحزام الإسلامي العظيم، الممتد من الواجهة الأطلسية غربا إلى البحر العربي والبحر الأحمر، أي السينغال، مالي، النيجر، تشاد، السودان والصومال. كانت الحركة الانفصالية تنصب كمائن للجيش السنغالي أزهقت أرواح كثير من الجنود والمدنيين، واستهدفوا في مرحلة معينة أئمة المساجد والدعاة وارتكبوا في حقهم فظائع.

زرت مكتب العون المباشر في زيجنشور وتعرفت على مديره السيد سعيد با، وهو من الصفوة المثقفة السنغالية، يتقن العربية أفضل من كثير من أساتذتنا الجامعيين، والفرنسية بطلاقة تامة واطلاع كبير على الأوضاع في البلدان العربية، كما تعرفت على موظفي المكتب وكلهم من أبناء البلد وكلهم يتكلمون بالعربية. ولكي أدخل البيت من بابه كان لزاما القيام بزيارة لمحافظ الإقليم في مكتبه، ويقع في بناية قديمة على الطراز الاستعمار الفرنسي في وسط المدينة التي ما تزال تحافظ على تخطيطها الأصلي منذ أن بناها الفرنسيون في أربعينيات القرن الماضي، بينما تنتشر الأحياء الشعبية في جميع أطرافها. كان استقبال المحافظ لنا مؤدبا وودودا وهو مسلم، وحرص على تثمين الأنشطة التي يقوم بها “العون المباشر” في الإقليم وأبدى استعداده لتقديم كل التسهيلات الممكنة.

حرص مدير المكتب السيد سعيد با على أن أزور الحاج أبو بكر صو رحمه الله، ويقع بيته قريبا من مكتب المنظمة، استقر في زيجنشور منذ سنة 1950 بعد عودته من الأزهر كما ذكر لي، وكان من كبار أعيان المدينة وقاضيها للأحوال الشخصية والمواريث منذ عقود إلى أن تقاعد رحمه الله. السيد أبو بكر صو نموذج أصيل للنخبة المسلمة المثقفة من الجيل خلال المرحلة الاستعماريةّ وما بعدها، ليس في السنغال فحسب، بل في عموم بلدان الساحل وغرب إفريقيا.

هذا الجيل من الصفوات المسلمة العالمة والمثقفة خلال المرحلة الاستعمارية، فرنسيا كان أو إنجليزيا، لها أدوار تاريخية في الحفاظ على الهوية الإسلامية في بلدانها، وقد تعرضت ليس للاحتلال العسكري فقط، بل شهدت تحدّيات ومُهددات خطيرة تستهدف الهوية والثقافة العربية الإسلامية نفسها في تلك البلدان، بالتمكين للثقافة الغربية عبر التعليم والثقافة والإعلام، منذ قرن وإلى الآن، تماما مثل ما حدث ويحدث في المغرب وسائر البلدان العربية والإسلامية.

كان مدخل بيته يفضي إلى حوش واسع، وفي جانب منه مسجد صغير يؤدي فيه السيد أبو بكر صواته الخمس مع المؤمنين القريبين من بيته، وبجوار المصلى فصل لتحفيظ القرآن الكريم والدروس الدينية واللغة العربية لأطفال الحي من الجنسين، ثم سكناه المتواضعة. كان صاحب المجمع الصغير يتحمل نفقات مدرسيه، مع تأمين وجبات الغذاء، والصيانة. أخبرني الحاج أبو بكر صو، أنه كان يشرف على أكثر من ثلاثين مدرسة قرآنية في الإقليم لم يعد موجودا منها آنذاك سوى المدرسة الموجودة في بيته بسبب ضعف الإمكانات.

،كان في استقبالنا في باب الجزء الذي خصصه لسكناه وقد تجاوز الثمانين وقتها. طويل القامة قوي العود دقيق القسمات كما هو الغالب لدى الفلاّنيين، كبرى القبائل في السينغال، وهم منتشرون في  بلدان الحزام الإسلامي العظيم، في السنغال وغينيا وبيساو ومالي والنيجر وتشاد إلى السودان حيث يعرفون باسم “الفلاّته ، كما ينتشرون في عموم بلدان غرب إفريقيا في سيراليون ونيجيريا وساحل العاج، ضمن هجرات قديمة وحديثة.

استقبلنا الرجل المهيب مرحبا مع ابتسامة عريضة. كان يلبس جلابة مغربية ويعتمر على رأسه طربوشا مغربيا المعروف بالطربوش الملكي كالذي كان يعتمره الملك الراحل محمد الخامس. أدخلنا إلى غرفة جلوس واسعة وفيها أثاث بسيط. لفتت انتباهي صورة له وهو في شبابه وأخرى لسيدة بيضاء عربية معلقتان على الحائط.

كان الرجل يتكلم بصوت خافت لكنه مسموع، بلغة عربية فصيحة، وكان بصره متجها إلى جواري مباشرة على عادة الأفارقة المسلمين، فهم يعتبرون الحديث مع أي زائر مع تركيز النظر في عينيه نوعا من قلة الأدب. سألني في البداية عن د. عبد الرحمن السميط  الذي التقى به سابقا في زيارة له للإقليم، وأثنى بكلمات وجيزة ودون أي إطناب أو مجاملة مصطنعة على الدور الهام لمظمة العون المباشر بالنسبة لسكان الإقليم عامة ولمسلميه خاصة، وكيف أن المشاريع التي تنفذها المنظمة كبيرة الأهمية، لأنه لا يوجد أي دعم من طرف البلدان العربية للإقليم في مجال التنمية الاجتماعية، حيث تتركز تدخلات المنظمات الخيرية الخليجية في شمال ووسط السنغال.

رحلة لطاب العلم

حدثنا الرجل الوقور طويلا حول تجربته في مصر التي هاجر إليها في ثلاثينيات القرن الماضي ليلتحق بالأزهر طلبا للعلم، هو حلم حقيقي لأعداد لا تحصى من الأفريقيين المسلمين آنذاك وحتى الآن. من الصعب، بالنسبة لنا نحن العرب، أن نتصور مقدار تعلق الأفارقة المسلمين بالبلدان العربية وبحلم الدراسة فيها، فشعورهم بالانتماء للأمة الإسلامية قوي جدا ويسكن أعماقهم، ولم يفتر هذا التعلق إلى الآن رغم المحاولات الدؤوبة للاستعمار القديم والجديد لتقطيع آصرتهم بالأمة، خاصة في مجال الثقافة العربية والإسلامية.

حكى لي الحاج ابو بكر صو كيف بدأت رحلته على الأقدام من السنغال إلى مصر وهو في بداية العشرينات من عمره، بعد أن حفظ القرآن كما هو شائع في إفريقيا المسلمة، وتلقي العلوم الدينية الشائعة آنذاك في المراكز التعليمية التقليدية في بلده ، وهي أساسا من التراث الإسلامي المغربي، ومن نتائجها التلقائية، التّعلّم الجيد للغة العربية بقواعدها. استغرقت رحلته ثلاث سنوات عبر مالي و النيجر و تشاد ودارفور إلى الخرطوم صعودا إلى القاهرة. ويمكننا أن نتصور الصعوبات البالغة والمخاطر التي يمكن أن تكتنف رحلة مثل هذه في ذلك الوقت. لم يكن عنده مال فكان يعمل في الزراعة وفي مجالات أخرى وهو في طريق سفره الطويل، نظير ما يؤمّن قوته. كانت سياحته في تلك البلدان أثناء السفر سياحة في بيئته الطبيعية الإفريقية المسلمة. لم يواجه أية مشكلات في إقامته لأشهر في كل محطة نزل بها، في القرى و المدن، سوى صعوبات السفر على الأقدام على امتداد آلاف الكيلومترات، فكلها كانت شبيهة ببيئته، في مالي والنيجر وتشاد ودارفور والخرطوم، وبلاد النوبة بين السودان ومصر وصعيدها إلى القاهرة. في كل هذه البلدان نشأت وتطورت الحضارة الإسلامية الأفريقية منذ قرون عديدة.

عندما بدأ يتحدث عن وصوله إلى القاهرة، بعد ثلاث سنوات من المشي، شعرت أنه كان يحبس دمعات وهو يصف فرحته الغامرة عندما وصل إليها. عمل في أعمال بسيطة لتأمين إيجار غرفة متواضعة في القاهرة القديمة، ولم يستطع في البداية أن يلتحق بمعهد من المعاهد الأزهرية المتوسطة إذ لم يكن يتوفر على أية شهادة تخوله الالتحاق بجامعة الأزهر للحصول على شهادة العالِمية، حلمه الكبير. ثم قيّض الله له من سهل له الالتحاق بجامعة الأزهر وكانت شفاعته حفظه للقرآن الكريم ومعرفته الجيدة باللغة العربية وبرصيد المعارف الإسلامية التي تلقاها على يد المشايخ في بلده، فالثقافة العربية الإسلامية الأصيلة في إفريقيا المسلمة هي ثقافة متوارثة منذ قرون ولها ديناميكياتها الخاصة بها. تجب الإشارة هنا إلى أن تعليم قدر كبير من هذه المعارف يتم عن طريق المنظومات الفقهية المعروفة في بلاد المغرب كمنظومة ابن عاشر في الفقه أو منظومات اللغة العربية، وهذا التلاقح الثقافي والعلمي لا يزال شائعا إلى الآن. وبالنسبة للسنغال، فقد كانت بلاد شنقيط (موريتانيا حاليا) هي الجسر بين المغرب والسينغال، والرئة العلمية والثقافية الأهم التي يتنفس بها مالي والسينغال وغينيا منذ قرون.

بعد أن أكمل دراسته في الأزهر، عاد إلى بلده بغنيمتين، شهادة العالِمية التي كانت معلقة على الحائط في إطار جميل قديم، وزوجته المصرية، هي الحاجة أمينة عبد الحميد التي كافحت معه منذ عودته إلى السنغال واستقراره في الجنوب. لم تنقطع صلة الرجل وزوجته بمصر، فقد كانا يسافران إليها كلما أتاحت ظروفهما ذلك. في وقت الغذاء، دخلت علينا الحاجة أمينة رحمها الله وسلمت علينا بترحاب كبير بلهجتها المصرية المحبّبة، وكان واضحا أنها كانت سعيدة بهذه الزيارة، فأحضرت لنا طبقا كبيرا من طعام سنغالي مشهور اسمه  تيبوجيين Tibougiéne و هو طبق أصيل قوامه الرّزّ بالسمك المجفف المطهو مع الخضار بخلطة توابل لذيذة جدا، وسلطة وفواكه.

كان همّ الرجل عندما ذهب إلى مصر ثم عودته يتركز حول مسألة التعليم وتعزيز الهوية الإسلامية للأجيال الصاعدة، فقد كرس حياته كلها لهذا الغرض. وفي واقع الأمر يشكّل هذا الهاجس جوهر اهتمامات النخب المسلمة الأفريقية، أينما ذهبت في إفريقيا السوداء، وهذا ليس بالأمر الجديد ولا الطارئ، بل هو انتماء ضارب في أعماق المجتمعات الإفريقية المسلمة منذ قرون، وهو أساس الهوية عند المسلمين الأفريقيين. ومع أن الحاج أبو بكر صو كان حذرا في حديثه معي عند التطرق إلى أوضاع إقليم كازامانس الذي كانت تعصف به اضطرابات مسلحة دموية من حين لآخر من طرف الحركة الانغصالية لأكثر من 10 سنوات قبل ذلك الوقت، والتي لم تكن بريئة من تهمة الارتباط بأطراف فرنسية، إلا أن الرجل كان يبدو مطمئنا تجاه مستقبل الإسلام في جنوب السنغال. لبّى هذا الرجل الفذّ نداء ربه في 16/6/2026، فاللهم اغفر له وارحمه وتجاوز عنه في الصالحين.

أختم هذه القصة بقصة أخرى لها علاقة بأهل ديولا، تُظهر حيوية الإسلام  كدين وثّاب، كما وصفه الخبير الضليع فانسان مونتاي (Vincent Monteil) رحمه الله في كتابه الشهير “الإسلام الأسود”(L’Islam noire)، وكان مما ذكره في هذا الكتاب الذي صدرت طبعته الأولى سنة 1973، معلومات ثمينة عن انتشار الإسلام في هذه القبيلة. رأيت في زيارتي الأولى لجنوب السينغال مسجدا لم يكتمل بناؤه في أحد أحياء زيغنشور، فقط الأساسات والأرضية والأعمدة، وبقي كذلك لسنوات، ورأيت الخنازير التي تعود لسكان مسيحيين في الحي ترعى في القمامة حول المسجد. بادرت منظمة “العون المباشر” لإكمال بناء المسجد وتأثيثه وترصيف حواليه بمساهمات من أهل الخير في الكويت. ثم حدث ما لم يكن في الحسبان، فقد حصل خلاف شديد حول إمامة المسجد بين مسلمي ديولا، وإخوانهم من الأئمة والدعاة الفلاّنيين ( أصولهم من شمال شرق السينغال)، والسّونينكيين (أصولهم من مالي المجاورة). الأوّلون احتجوا بأنهم الأحق بالإمامة لأنهم أهل الإقليم الأصليين، بينما احتج إخوانهم الآخرون بأنهم الأعلم بالإسلام وأنهم هم الذين نشروا الإسلام في قبيلة ديولا. بهذه المناسية، كان من أساليب الدعوة لدى الأئمة والدعاة في كازامانس، استقطاب عديد من أبناء ديولا في المدارس الإسلامية التي أسسوها هناك بحكمة وكياسة، فنشأ جيل جديد من المسلمين في أوساط ديولا بهذه الطريقة.

بقي المسجد مغلقا لحوالي سنتين كنتيجة لهذا الخلاف، إلى أن جاء وفد من أهل الكويت ودعاتهم بملادرة من د. عبد الرحمن السّميط رحمه الله أمين عام “العون المباشر”، واجتمعوا بالفريقين المتشاكسين، وتوصلوا إلى اتفاق طرحه الوفد الزائر، وهو تقاسم الإمامة بين الفريقين أسبوعيا، فرضي به جميعهم، وكان هذا في سنة 1997 حسب ما أذكر. والحمد لله الذي تتم به الصالحات.

 

 


شاهد أيضا
تعليقات
الآراء الواردة في التعليقات تعبر عن آراء اصحابها وليس عن رأي جريدة إيطاليا تلغراف.
تعليقات الزوار
Loading...
Global site tag (gtag.js) - Google Analytics