محمد الدكالي، خبير في الشؤون الأفريقية
سييرا ليون ((1994-1995-1997- 1998)
تعرفت على شخصية استثنائية في سيراليون في تسعينيات القرن الماضي، طبيب روسي اسمه جِنادي أليكسفتش درفييف من سيبيريا، تخصص في الجراحة وتخرج سنة 1961من كلية نوفوسيبيرسك (Novosibirsk). قدم إلى سيراليون بعد انهيار الاتحاد السوفييتي سنة 1991 بحثا عن العمل مثل عديد من الأطباء والطيارين والمهندسين الروس ومن أوكرانيا وبولاندا ودول أوروبا الشرقية. عمل خلال النصف الثاني من التسعينيات الماضية في مستشفى لمنظمة “العون المباشر” في المركز متعدد الخدمات في مدينة “ماكيني” الواقعة في شمال سيراليون. اعتنق د.جنادي الإسلام مع زوجته بعد أن أهداه طبيب مصري زميل له في مستشفى المركز، نسخة من ترجمة لمعاني القرآن الكريم وكتابا حول الإسلام واختار إسم محمد جينادي.
أصف شخصية هذا الرجل بالاستثنائية، ليس فقط لكونه أسلم وحسن إسلامه، ولكفاءته العالية في العمليات الجراحية، ولسمو أخلاقه، بل لأنه أبان عن شجاعة إنسانية غير عادية عندما أصر على مواصلة عمله في المستشفى، في ظروف أمنية خطيرة جدا خلال ما سمي بالحرب الأهلية في سيراليون (1991-2003)، التي قتل فيها حسب تقديرات متباينة، ما بين 75 ألفا و200 ألف من الناس من كل الأعمار وبشكل خاص من النساء والأطفال وكبار السن، ودفعت بمليونين إلى اللجوء خارج البلد وأربعة ملايين من النازحين داخل سييراليون.
وقبل أن أحكي عن هذه الجوانب في شخصية محمد جنادي، لنلق نظرة عجلى على سييرا ليون، أي (جبال الأسود) كما سمّها المستكشفون الغزاة البرتغاليون. بلد موقعه في غرب أفريقيا، مجاور لغينيا وهو امتداد لها جغرافيا وتاريخيا وسكانيا، وله كذلك حدود مع غانا وبوركينا فاسو. بيئيا هو امتداد لأقصى غرب السّفانا العظيمة في مناطقه الشرقية، ثم تمتد الغابة شبه الاستوائية إلى الواجهة الأطلسية. البلد غني بموارده الطبيعية والزراعية ومعظم سكانه يعملون في القطاع الزراعي وغالبيته للاكتفاء الذاتي، ويبقى الماس ثروته المتميزة التي جرّت عليه وحشية شركات الماس العالمية.
تاريخ حديث مميّز
أكثر من نصف عدد سييراليون مسلمون وحوالي 20% من أصحاب الديانا الوثنية وأقل من هذه النسبة مسيحيون. وصل الإسلام إلى بلادهم بواسطة التجار والدعاة منذ القرن الخامس عشر الميلادي، وترسخ في الشمال لينتشر بعد ذلك في باقي مناطق البلاد. ساهم مسلمو سييراليون في حركات الجهاد ضد الاستعمار الأوروبي في غرب أفريقيا، ومن أبرز رموز مقاوماتهم ألمامي (الإمام) سولوكو (1820-1906) وباي بوريه وباي شيربرو (1830-1912)، وكلهم تحالفوا للقتال ضد الاستعمار الإنجليزي، أي في نفس المرحلة التي قاد فيها ألمامي ساموري توري الجهاد ضد الفرنسيين في غينيا والإنجليز في سييراليون.
أما التاريخ الحديث للمسيحيون فله قصة غريبة. كانت سييراليون أحد المنافذ العديدة على الواجهة الأطلسية لتصدير العبيد إلى القارة الأمريكية من طرف البرتغاليين ثم الإنجليز. وعند إلغاء قانون الرّق سنة 1807، كان هناك آلاف من سكان سييراليون وليبيريا المجاورة يعيشون في بريطانيا والولايات المتحدة، من اللذين جنّدهم الإنجليز في حربهم ضد الثورة الأمريكية. من جهة أخرى انزعج الإنجليز من ظاهرة اختلاط هولاء الأفارقة بالنساء الإنجليزيات وتزايد حالات الزواج منهن، فقررت بريطانيا في القرن 19 إعادة أولئك الأفريقيين من بريطانيا والولايات المتحدة، إلى ليبيريا وسييراليون تحت شعار العودة إلى الأوطان.
كانت عودة غريبة في نتائجها، حيث كان كثير من هؤلاء العائدين ذوي تعليم وثقافة غربية بحكم عيشهم مرحلة العبودية في أوساط الإنجليز والأمريكيين لأجيال. تركزت العودة في مراكز ومدن الساحل أكثر منها في الداخل، وأطلق إسم “ليبيريا” (بلد الحرية) على البلد المجاور وعاصمته “مونروفيا”، بينما أطلق على العاصمة الجديدة في سييراليون إسم “فري تاون” (المدينة الحرة) وقد أسستها الإنجليزسنة 1778. كانت عودتهم تعني تركيبة سكانية غير متجانسة ثقافيا ودينيا، وهم يحملون أفكارا عن الحرية والقانون والديموقراطية والانتخابات، وكان أجدادهم قد اعتنقوا المسيحية في المَهاجر، كذلك كان الأمر بالنسبة للعائدين منهم من جامايكا منذ القرن 18. كانت أهم تأثيرات هذه العودة، ظهور تركيبة اجتماعية وثقافية وسياسية جديدة في سييراليون وليبيريا، فقد شهد البلدان في أوساط المسيحيين تأسيس أحزاب سياسية بتأثيرات الخلفيات الثقافية والسياسية التي حملها معهم العائدون القادمون من البيئتين الإنجليزية والأمريكية، وكانت هناك محاولات لتأسيس نظام سياسي أنجلوساكسوني الطابع أفريقي المظهر، على الأقل من حيث الشكل، بالترشّح والتصويت لمنصب الرئاسة وعضوية البرلمان. لكن هذه المحاولات لم تنجح بشكل كبير وبقيت محصورة في أوساط العائدين في الدرجة الأولى، ولم تُحدث تلك المحاولات تغييرا يذكر في الثقافة الاجتماعية والسياسية للمجتمعات المحلية، لأن المسلمين كانوا أصلا في حالة مواجهة مع الاستعمار الإنجليزي، كما أن الطبيعة القبلية والشعور بالانتماء إلى الأمة الإسلامية كانا غالبين في تلك المجتمعات المحلية وأقوى من أماني العائدين.
أوضاع مرعبة
لتكوين فكرة عن الأوضاع المرعبة التي سادت في البلد في تلك السنوات، وعمل في أثناءها د.محمد جنادي، أستطرد شيئا ما في القصة.
كان واضحا خلال زياراتي لسييراليون، أن رقعة الحرب تتسع تدريجيا من جنوب شرق البلاد حيث تتركز مناجم الماس ومنها انتقلت إلى الوسط والشمال لتشمل سائر البلد. كان هدف الميليشيات المسلحة المتقاتلة، السيطرة على أكبر قدر من المناطق الغنية بالماس وعلى العاصمة. في مرحلة لاحقة من بداية الحرب بين الميليشيات، أصبح الوضع في العاصمة فريتاون مرعبا بسبب القتال والقتل العشوائي وعجز الجيش الحكومي أمامها، وكان فريق العمل في مقر مكتب “العون المباشر” في فريتاون، بموظفيه المحليين والخارجيين، يعيشون وسط حصار حقيقي داخل المقرّ. كان من بين الموظفين الخارجيين، جزائريون ومغاربة وتونسيين ومصريين، وكان من بينهم مهندس عراقي كردي.
في تلك الفترة العصيبة كان موظفو منظمات الأمم المتحدة مثل يونيسيف ومنظمة الصحة العالمية، وسائر المنظمات غير الحكومية الدولية الغربية (INGO’s) قد غادروا سييراليون، ولم يبق في فريتاون سوى منظمة “العون المباشر”. بعد انقلاب عسكري سنة 1997، اضطر إثره مديرها آنذاك السيد بن الشيخ (جزائري)، ومعه عبد العزيز مقداد وسعيد التيجاني (مغربيان) للخروج من البلد برا إلى الحدود مع غينيا وسط الغابات، وكانوا قد أرسلوا أسرهم إليها جوا، بينما اتجهوا برا في سيارتين للمنظمة ومعهم الحواسيب والملفات المهمة كملفات الأيتام، ووسائل الاتصال، لكن المتمردين اعترضوهم في منتصف الطريق في قلب الغابة وكادوا يطلقون عليهم الرصاص، لكنهم أحجموا لكونهم مسلمين ويعملون في منظمة إنسانية وأعادوهم إلى العاصمة. عاودوا المحاولة لكن بطريق بري آخر أصعب مسالكا عبر أقصى الشمال الغربي، بعد أن ساعدهم الحاج حسن وهو تاجر لبناني (سنّي) من الجالية اللبنانية، الذي تعاون طويلا مع “العون المباشر”، وكانت محاولة الخروج من البلد هذه المرة على ظهر شاحنة، وقدتمكنوا بفضل الله من ذلك. لكن د.محمد جنادي رفض أن يغادر وبقي في مستشفى مركز ماكيني يعمل ومعه بعض الموظفين المحليين.
بعد ذلك بسنة، وقع انقلاب ثان، وعادت المنظمة للعمل في البلد رغم الأوضاع الخطيرة، فقد حدث أن هاجم مسلحون فندقا نزل فيه عبد العزيز مقداد وطلبوا منه مالا، فلما لم يجدوا معه شيئا يذكر أطلقوا عليه النار لتستقر رصاصة تحت إبطه، وفي ظروف إسعاف بدائية في مستوصف المركز، أخرج الطبيب الرصاصة مع انعدام الأدوية، وعانى من الإصابة طويلا إلى أن انتقل إلى غينيا وعولج في مستشفى هناك. أتذكر كذلك أن عبد العزيز مقداد أرسل إلى المقر الرئيسي للمنظمة في الكويت، تقريرا معززا بالصور عن الجرائم والفظائع التي كانت الميليشيات تقترفها في حق السكان البسطاء الآمنين في القرى، وكان من بين الصور، واحدة لكومة من الأطراف المقطوعة حيث كان أفراد العصابات يتستمتعون بقطع أيدي النساء والأطفال والشيوخ، وصورة أخرى لكومة من الآذان المقطوعة والأنوف المجذوعة !!آلاف من المعوقين أسفرت عنهم تلك الحرب البشعة، وآلاف من النساء والفتيات المغتصبات من مختلف الأعمار. لنعد الآن إلى د.محمد جنادي.

الطبيب المجاهد
كالعادة، كان من ضمن برنامج زيارتي الثالثة لسييراليون سنة 1997، تفقّد المكتب الفرعي في مركز مدينة ماكيني التي تبعد 190 كلم شمالا عن العاصمة فريتاون، وهو أكبر مراكز “العون المباشر” في البلد، ويتكون من مدرسة ابتدائية وإعدادية ومستشفى وملجأ للأيتام ومركز لتأهيل النساء ومسجدا ومساكن للأطباء وإدارة المكتب الفرعي.
تقع ماكيني وسط شمال البلاد، والطريق إليها متعب جدا لرداءته. لكن ما جعل الرحلة هذه المرة تختلف عن سابقاتها هو مظاهر الحرب التي وصلت إلى شمال البلاد. كل القرى التي مررنا بها وتقع في مناطق غابية، كانت مهجورة ومحروقة، فقد كانت المجموعات المسلحة تستهدف سكان القرى الآمنين بالقتل والاغتصاب والتشويه بأشكال يصعب تصور وحشيتها. كانت تلك المناطق خالية تماما من سكانها، فمن نجوا من القتل تفرقوا في الغابات والمحظوظون من المستضعفين من الولدان والنساء والرجال وصلوا إلى مخيمات النازحين في مناطق مختلفة.
وصلنا إلى المركز سالمين برحمة من الله سبحانه، إذ كان خطر التعرض لهجمات جماعات القتل في الطريق واردا ولكن الله سلّم.
بدا واضحا أن المركز يعمل بطاقته الأدنى بسبب ظروف الحرب، باستثناء المستشفى الذي كان لا يتوقف عن العمل. كان د.محمد جنادي هو دينامو المستشفى الذي لا يتوقف عن العمل ليلا ونهارا، وكان آنذاك في الخمسينات من عمره ويقيم داخل المركز باستمرار مع زوجته، يجري العمليات الجراحية ويعالج المرضى ويوزع الأدوية ويتفقد احتياجات الأيتام.
أتذكر جيدا أن د. محمد جينادي رفض أن يغادر المستشفى بعد أن اضطر الموظفون الأجانب في مكتب سييراليون إلى مغادرة البلد في تلك السنة، وبقي مرابطا هناك، وأظهر تفانيا وشجاعة غير عادية، فكلما نفذ الدواء والمستلزمات الطبية في المستشفى، كان يذهب في سيارة المركز وحده إلى العاصمة فريتاون، في ظروف القتل والجرائم مخاطرا بنفسه في الطريق، ليحمّلها بالأدوية والمستلزمات الطبية، ثم يعود بها إلى المستشفى في “ماكيني”. كانت زوجته تساعده بصبر وتفان، سيدة هادئة تعمل في صمت وذات خلق وأدب جمّ. سألته ذات مرة عمّا جذبه إلى الإسلام، فقال لي أنه وجد انسجاما بين دراسته العلمية وما ورد في كتاب الله عز وجل، وعالمية رسالة الإسلام، ومبدأ الأخوة الإسلامية. تعجبت كيف فهم هذا الرجل الإسلام بسكل واضح وعميق، من القرآن وعبر الأنموذج النبوي الشريف، بينما يغرق كثير من المسلمين في خلافات لا أول لها ولا آخر في فهم دينهم. كان الرجل صموتا يستغرقه عمله في النهار والليل، ولم يطلب قط أية تعويضات أو زيادة في راتبه رغم ظروف عمله الخطيرة.
أورد هذه الشذرات من الحقائق حتى يدرك القارئ حجم الجرائم التي تسببت فيها شركات الماس في سيراليون، وفي ليبيريا وأنغولا وموزمبيق التي شهدت مآس مماثلة، وهذا سيكون موضوع القصة القادمة إن شاء الله، وأن هناك جنودا مجهولين كثيرين في مختلف أنحاء أفريقيا يعملون بتفانٍ وفي ظروف صعبة جدا، بيئيا وأمنيا ومعيشيا، وهم يقومون بأعمال رائعة في مناطق منسية من القارة.





