محمد عوام
منذ زمن غير يسير وأنا أتابع الشأن العام لبلادي المغرب، وما يعرفه من تقلبات وتحولات، لا سيما فيما سمي بالعهد الجديد، فكلما أنعمت النظر، إلا وازددت خشية من جراء ما يعتمل فيه من عوامل الهدم والخسف والضعف، ازداد ذلك سوءا حينما جاء التطبيع يجر إلينا أذياله وخيباته وخسائره، حتى أصبحت الدولة المغربية رهينة بأيدي الصهاينة. فقد ولجوا من باب القضية الوطنية الصحراء المغربية، فطبلوا وزمروا وروجوا ودوخوا، ولم يكن ذلك منهم سوى تمويه للدهماء، حتى يصدقوا كذبهم، ويقعوا في حبالهم، إذ انكشف القناع عندما يجعل النتن هو خريطة المغرب خلفه مبتورة الصحراء، ثم جاء النذير الأمريكي ليؤكد أن القضية لا يزال أمامها مشوار طويل، فسقطت القضية بين أيدي المطبعين، فلزموا الصمت وبلعوا ألسنتهم.
على أن المشكل الخطير أن هذه الدبلوماسية العرجاء الجوفاء رهنت الوطن في أيدي عتاة المجرمين الصهاينة، ففسح لهم المجال، وفتحت أمامهم الأبواب في كل المجالات والميادين بما فيها العسكرية والأمنية، وما أصبحنا سوى خدم عندهم. وتظهر هذه الحفاوة والعناية بالصهاينة أن تجد وزير الأوقاف والشؤون الإسلامية أحمد توفيق مرفوقا بوالي فاس يهرولان إلى افتتاح المتحف الثقافي اليهودي، في جو بئيس كئيب، عليه من الذل والإهانة ما لا يخفى. ولست أدري بماذا يملؤون هذا المتحف، وبخاصة إذا علمنا أن حرفة اليهود الكذب والتزوير، فهم قوم بهت كما ورد في الحديث النبوي؟!!! كما شاهدنا من قبل بعض الزوايا التي زارها الصهاينة بحضور المستشار الملكي أندري أزولاي عراب الصهاينة وممثلهم في المغرب، الذي حظي بوسام الرئاسي الإسرائيلي. ناهيك عن التمدد الصهيوني عبر مجموعة من الشركات منها الشركات الفلاحية (نتافيم).
وها نحن اليوم نستيقظ على فضيحة مدوية، من وزير الثقافة المغربي بنسعيد أحد عشاق الصهاينة، حيث عين أحد دعاة التطبيع مديرا لمركز التكوين المهني بسيدي قاسم وهو لا يزال في بداية مشواره الوظيفي، وإذا كنت في المغرب فلا تستغرب.
إني لا أخشى من الصهاينة، فلا ريب أنهم إلى زوال واندثار، ولكن أشد ما أخشاه على بلدي الصهيوني الوظيفي، من بني جلدتنا، ويتكلم بلساننا، لكن قلبه مع معشوقته إسرائيل. فالصهيوني الوظيفي العميل الخائن هو حمار تركبه إسرائيل لتحقق به مآربها، وتصل إلى أغراضها. وإنه لمن البؤس والوقاحة أن أصبح هؤلاء يتكلمون في العلن، ويطلون على الناس بلا خجل، بوجوههم المسودة، وقلوبهم المريضة الموصدة التي أشربت الصهيونية بما تحمله من حقد وكراهية للوطن والإسلام.
أمام هذا الوضع البئيس نحن في حاجة إلى مقاومة جدية، مقاومة الصهيونية الاحتلال الناعم للمغرب، نحتاج إلى ثورة الأمير مولاي اليزيد بن محمد العلوي رحمه الله، الذي ثار في وجه غطرسة واستبداد اليهود بسبب سياسة والده السلطان محمد بن عبد الله، التي خلفت استياء في صفوف الرعية، حيث استولى اليهود على التجارة، وأصبحوا يعرفون بتجار السلطان، فأذاقوا المغاربة مرارة العيش، ومنحت لهم امتيازات، فسيطروا وهيمنوا، حتى قال الشاعر واصفا هذا الوضع المحزن:
بنو قريظة قد نالوا مرادهم
من الأمير وحازوا غاية الأرب
لا عيب فيه سوى تفضيله لهم
على بني المصطفى وجملة العرب
وهل يوجد عيب أكبر وأشد وأنكى من هذا؟ فأين الولاء والبراء؟
مما جعل الأمير مولاي اليزيد رحمه الله يكن لهم حقدا، فأطلق يد مواجهتهم في ملاحات تطوان ومكناس والرباط ومراكش، مستغلا السخط الشعبي، لكن سرعان ما عادوا إلى ما نهوا عنه بعد وفاته.
فهل نحن اليوم أمام غطرسة اليهود وتمدد هذا الأخطبوط، وسيطرته على مفاصيل الدولة في حاجة إلى ثورة أميرية، تقلم أنياب الأفعى اليهودية، التي أصبح المغرب مهددا في وجوده بسببها؟
نعم نحن في حاجة إلى ثورة أميرية ومقاومة للصهيونية لأن الخراب لم يعد على الباب، وإنما ولج إلى الداخل من غير حجاب. كما نحن في حاجة إلى مقاومة التطبيع بكل أشكاله وألوانه، وإيقاظ الشعب المغربي، وتبيين الأخطار المحذقة به، فإن لم نفعل ذلك، لا إخال المغرب سيظل على ما هو عليه، وإنما سنكون -لا قدر الله- أمام تنفيذ ما سماه الصهاينة بخطة المغرب، القاضية بإنشاء وطن لليهود يمتد نحو الجنوب، وهو ما عبر عنه الدكتور ويحمان بأنهم يحضرون لنقل إسرائيل إلى المغرب.
ستبدي لك الأيام ما كنت جاهلا
ويأتيك من الأخبار ما لم تزود
الآراء الواردة في هذا المقال تعبر عن آراء كاتبها ولا تمثل بالضرورة التوجه التحريري لجريدة إيطاليا تلغراف





