محمد عوام
قبل أن أقرأ ما كتبه أستاذنا العلامة أحمد الريسوني حفظه الله عن العزوف الكبير عن التصويت الانتخابي، وما ينطوي عليه من عقوبة. خطر لي في البال هذا السؤال: هل دخل المغرب سن اليأس الانتخابي؟ وما أسباب ذلك؟
دعونا بداية نلقي الضوء على مصطلح سن اليأس، الذي نجلبه من مجاله الفقهي، لنوظفه في مجال السياسة، لعلة جامعة بينهما، وهو الانقطاع، ذلك انقطاع دم الحيض، تتربص فيه المرأة عددا من الأيام، حتى تيأس من رجوع الطمث. أما في مجالنا السياسي الانتخابي فالمقصود به بلوغ فئة عريضة من الشعب مبلغا عظيما من اليأس في المنظومة الانتخابية، وعدم جدواها الإصلاحية، في ظل أوضاع بئيسة فاسدة واستبدادية، يلوح منها عدم الاكتراث بمأساة الشعب، وما يعيشه من ويلات وأزمات ونكبات.
على أن سن اليأس بالنسبة للمرأة أمر طبيعي، لا دخل للبشرية فيه، هو قضاء الله وقدره، يجري على بنات حواء قاطبة، تشبها بأمهم. أما سن اليأس الانتخابي فهو أمر اصطناعي، صنعته منظومة الفساد والاستبداد والتحكم، لمقاصد سياسية واقتصادية. فسنا اليأس الطبيعي والاصطناعي، يتحدان في العلة، وهي اليأس.
فلئن كانت لدخول المرأة سن اليأس أسباب متعلقة بالتغيرات البيولوجية التي يعرفها جسد المرأة، قد أفاض في بيانها علماء الطب، فلا جرم أننا في حاجة إلى خبراء السياسة، وعلماء الاجتماع، ودهاقنة المحللين الصحافيين الكبار، ليحللوا لنا أسباب دخول المغرب سن اليأس الانتخابي، حتى تتضح الصورة أكثر، وتكون الأمور مبينة.
وفي غياب دراسات جادة، تتكفل بها مراكز دراسية موضوعية وذات مصداقية، لا بأس أن نقف على جملة من الأسباب التي أدخلت المغرب اليأس، وجعلت المغاربة يعزفون عن التصويت. وهي:
أولا: سياسة التحكم التي من وراء توجيه الانتخابات، فمنذ أول انتخابات والسياسة المتبعة العمل على القضاء على أي حزب معارض، وتحجيم دوره والتضييق عليه، مما جعل الدولة تفكر منذ ذلك الحين في تفريخ أحزاب إدارية تابعة لها، تحظى بالعناية والرعاية وكافة الدعم. فأحدثت الدولة حزب الجبهة في الماضي، وحزب الأحرار والأصالة والمعاصرة، والدستوري،… وقد فرضت على الناس لا سيما في البوادي التصويت لصالح حزب الجبهة في الماضي رغما عنهم. كما يحكي الناس عن تحفيز أعوان السلطة للناس ليصوتوا لصالح تلك الأحزاب.
ولا تزال سياسة التحكم والتدخل مستمرة إلى يومنا هذا، حيث تعطى التعليمات من خلف الحجاب لدعم الأحزاب الإدارية الفاسدة، وفسح لها المجال لتبرز من جديد في المشهد السياسي، علما أن لا مصداقية لها. ثم استمرار التحكم في التضييق على الأحزاب المناضلة وذات مصداقية. وأكبر دليل على ذلك واقعة الصاك الطنجاوية، وهي فضيحة بجلاجلها.
ثانيا: انتشار المال الحرام، وشراء الأصوات، وهذا معلوم في وسط الشعب، فكل الناس يتحدثون عن الأحزاب الفاسدة التي استعملت المال الحرام، لكن يبقى السؤال أين مراقبة السلطة؟ لأننا نعلم من طبيعة السلطة المغربية أن أعينها مفتوحة، تراقب بأبصار حادة، وعقول متيقظة، فكل شاذة وفادة إلا وتصلها من رجالاتها، فلم نسمع عن محاكمات المستعملين المال الحرام في الانتخابات. مما يجعل الشعب فعلا يدخله اليأس، فيصبح لا يثق في أي شيء، لأنه يرى بأُمّ عينيه الأحزاب الفاسدة هي التي تتصدر الانتخابات، فتظل الأوضاع على ما هي عليه إن لم تزدد سوءا ونكدا.
نعم تتحمل الفئة الشعبية المرتشية مسؤوليتها، في مساعدة المفسدين على الولوج إلى المؤسسات التشريعية والجماعية، فتكون شريكة لها في الفساد، كما تبوء مثلَها بالاثم. وقد لعن الله الراشي والمرتشي كما ورد في حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم. ويدخل معهما في اللعن كل من ساعدهما على ذلك.
ثالثا: عدم الالتزام بالقانون المنظم للانتخابات: من المعلوم أن القوانين هي القواعد الضابطة والمنظمة لسير الدولة في كل المجالات. وقانون الانتخابات ينظم لنا سير عملية الانتخابات، ويرتب على أي خروقات عقوبات زجرية. وقد صادق البرلمان المغربي على هذا القانون. لكن مع الأسف ألفينا أن بعض رؤساء المكاتب يرفضون تسليم محاضر الفرز، التي تدون فيها نتائج الأحزاب المتنافسة والمترشحة، ضدا على القانون. مما يبعث على التشكيك في مصداقية الانتخابات برمتها. فغياب المحاضر دليل على عدم الجدية في حصول انتخابات شفافة وذات مصداقية ونزيهة، بل رفض إعطاء المحاضر أكبر دليل على التزوير.
وانتخابات 2021 التي اغتيل فيها حزب العدالة والتنمية بدم بارد، وأطيح به، فقد اشتكت قياداته ومناضلوه من عدم تسليم المحاضر، وهذا يبعث على الشك والريبة في 13 مقعدا التي حصل عليها. وقد سمعنا هذه السنة الأستاذ عبد الإله بنكيران الأمين العام لحزب العدالة والتنمية يصرح بتواصله مع وزير الداخلية لفتيت يشتكي من بعض المكاتب التي رفضت تسليم المحاضر. كل هذه الخروقات القانونية، والتعسف في استعمال السلطة، المتمثلة في صرف المراقبين والتماطل عليهم في الحصول على المحاضر، يفضي إلى اليأس، ويجعل عموم الناس لا يطمئنون على مستقبلهم في ظل انتخابات تلعب بها أيادي خفية.
رابعا: سياسة الاستغناء على حساب البؤساء: السياسة تدور مبدئيا حول جلب المصالح، والتفاني في خدمة الشعب، والقيام بمصالحه، وتحسين وضعيته الاجتماعية والصحية والتعليمية، والنهوض بالدولة اقتصاديا وعمرانيا…إلخ. فهذا هو المقصد من المشاركة السياسية، وهذا دور المترشحين. غير أن ما جرى به العمل الفاسد، على خلاف مذهب مالك، استغناء الطبقة السياسية، وحصولها على الامتيازات المغرية، متنكرة بذلك لكل وعودها، فتصبح الانتخابات والمشاركة السياسية برمتها عند هؤلاء سوقا للمتاجرة والمرابحة. وعند الطبقة الشعبية البئيسة ازديادا في الفقر والهشاشة وسوء أوضاعها الصحية والتعليمية والمعيشية…مما يزيدها تيئيسا واستنكافا عن التصويت. لأنهم يرون أن الوعود لم تتحقق، وإنما صارت في عداد المتلفات، والذي تحقق أمامهم هو استغناء الطبقة السياسية الفاسدة.
والحق أن الذي أفسد العمل السياسي في دولنا بصفة عامة، هو الفساد والاستبداد، وتجار السياسة الفاسدون، ولا أدل على ذلك من أن تسمع ملايير تنهب، وأراضي تسرق، وثروات تستنزف وتبدد، ولا حسيب ولا رقيب، والفاسدون يصولون ويجولون، غير آبهين بأحد، لأنهم في مأمن من أي متابعة ومحاسبة. هذا الوضع لا جرم أنه أدخل المغرب سن اليأس، ولا أدل على ذلك من نسبة المشاركة الرسمية الهزيلة.
إذن نحن نعيش مرحلة سن يأس الانتخابات المغربية، وسن اليأس يعقبه الموت، ونقصد به انعدام التصويت والمقاطعة التامة. وهنا مكمن الخطر، الذي هو بمثابة إنذار للنظام السياسي الحاكم. فقتل الأحزاب الوطنية الصادقة والمخلصة، وإبقاء الأحزاب الإدارية الفاسدة، هو نذير شؤم، يجعل الناس يائسين من كل إصلاح، وعندها تصبح البلاد مفتوحة على كل الاحتمالات.
ونسأل الله اللطف في قضائه وقدره
الآراء الواردة في هذا المقال تعبر عن آراء كاتبها ولا تمثل بالضرورة التوجه التحريري لجريدة إيطاليا تلغراف





