الدكتور محمد الخمسي
من يعتقد أن مهمة الحكومة المقبلة ستكون سهلة فهو واهم وهماً شديداً. فالحكومة التي ستتشكل بعد الاستحقاق الانتخابي لن تبدأ من أرض هادئة، بل فوق أرض تبدو ساكنة فيما يخفي باطنها كثيراً من الجمر. والمشكلة أن هذه الضغوط ليست ملفات منفصلة، وإنما منظومة مترابطة، يؤثر بعضها في بعض، بحيث قد يؤدي تعثر ملف واحد إلى مضاعفة الضغط في ملفات أخرى.
1 ـ الضغط الاستراتيجي والجيوسياسي
في مقدمة الاستحقاقات يأتي تنزيل الحكم الذاتي وما يحيط به من تحولات إقليمية ودولية. فهذا المسار يحتاج إلى يقظة جماعية وفريق حكومي منسجم وإيقاع مؤسساتي منتظم وكفاءات حقيقية، فضلاً عن جبهة داخلية قوية قادرة على إسناد الخيارات الاستراتيجية للدولة. ولن يكون كافياً امتلاك الموقف السياسي، بل المطلوب تحويله إلى قدرة مؤسساتية ودبلوماسية واقتصادية ومجتمعية مستدامة.
2 ـ الضغط الدولي وتقلبات الطاقة
تعمل الحكومة المقبلة في عالم شديد الاضطراب، يصعب معه بناء استراتيجية جامدة على افتراضات مستقرة. تقلبات الطاقة والتحولات الجيوسياسية واختلالات سلاسل الإمداد تجعل الحاجة أكبر إلى سيناريوهات متعددة وسياسات مرنة قادرة على التكيف. وهذا الضغط الخارجي سيتقاطع مباشرة مع النمو والتضخم والمالية العمومية والقدرة الشرائية.
3 ـ ضغط التشغيل والبطالة
يبقى التشغيل أحد أكثر الملفات قابلية للتحول إلى ضغط اجتماعي مباشر. فهناك شباب حاصلون على شواهد جامعية ولا يجدون موقعاً مناسباً في سوق الشغل، إلى جانب فئات أوسع تفتقر إلى الحد الأدنى من شروط الاندماج الاقتصادي. والمشكلة أن وتيرة خلق فرص الشغل لا تبدو متناسبة مع حجم الانتظارات. لذلك لم تعد البطالة مجرد مؤشر اقتصادي، بل أصبحت قضية مرتبطة بالاستقرار الاجتماعي وبالثقة في المستقبل.
4 ـ ضغط الوعود الانتخابية
ستجد الحكومة نفسها أمام وعود انتخابية معلنة ومدونة ومحددة أمام المواطنين. وهنا يبدأ اختبار المصداقية: كيف يمكن تحويل الوعود إلى سياسات قابلة للتنفيذ في ظل محدودية الموارد وتراكم الاختلالات؟ فالانتخابات تمنح الشرعية السياسية، لكنها لا تمنح الحكومة موارد غير محدودة ولا تختصر الزمن اللازم للإصلاح. ومن هنا قد تصبح الفجوة بين سقف الانتظارات وقدرة التنفيذ أحد مصادر الضغط الأساسية.
5 ـ الضغط المائي والبيئي والقروي
الجفاف المتعاقب وتراجع التساقطات وندرة المياه جعلت الأمن المائي قضية استراتيجية لا تحتمل التأجيل. ولا تتوقف آثار ذلك عند الماء، بل تمتد إلى الفلاحة والأمن الغذائي والهجرة الداخلية والاستقرار القروي. فالعالم القروي يعيش هشاشة مركبة، وإذا لم يُستثمر في قدرته على الصمود فقد يتحول الضغط المائي والاقتصادي إلى موجات هجرة إضافية نحو المدن، فتنتقل الأزمة من المجال القروي إلى المجال الحضري.
6 ـ ضغط الأمن الغذائي وإعادة التوازن الفلاحي
أعادت الحملة الانتخابية النقاش حول التوازن بين الإنتاج الموجه إلى التصدير وحاجات السوق الوطنية. والسؤال ليس رفض التصدير، وإنما كيف يمكن تحقيق معادلة تجمع بين المردودية الاقتصادية والأمن الغذائي والاستدامة المائية وحماية القدرة الشرائية؟ فارتفاع أسعار المواد الغذائية واللحوم جعل الأمن الغذائي جزءاً من النقاش حول السيادة الاقتصادية والاجتماعية، وليس مجرد قضية فلاحية قطاعية.
7 ـ ضغط غلاء المعيشة والأجور
التضخم وارتفاع الأسعار وضعف القدرة الشرائية مقارنة بمستوى الأجور سيجعلان الحوار الاجتماعي أكثر صعوبة. ومع ضعف قدرة بعض الوسائط التقليدية على التأطير والتفاوض، يمكن أن يتحول الشارع إلى إحدى قنوات التعبير عن الاحتجاج. وتزداد المعادلة تعقيداً مع مطلب مراجعة الأجور والحد الأدنى، لأن تحسين الدخل يحتاج في النهاية إلى اقتصاد قادر على خلق القيمة والإنتاجية، لا إلى قرارات معزولة عن قدرة الاقتصاد.
8 ـ ضغط التعليم والصحة والتقاعد
ستواجه الحكومة ثلاثة ملفات اجتماعية كبرى في قلب علاقة المواطن بالدولة: التعليم الذي يحتاج إلى إصلاح يرفع جودة المدرسة ومخرجاتها، والصحة التي تحتاج إلى تغطية فعلية وخدمات عمومية ذات جودة وكلفة علاج أكثر إنصافاً، ثم التقاعد الذي لا يمكن اختزاله في الحسابات التقنية لأنه يرتبط بعقد اجتماعي بين الأجيال. وهذه الملفات هي الاختبار العملي لفكرة الدولة الاجتماعية؛ فالدولة الاجتماعية تُقاس بما يلمسه المواطن في حياته اليومية، لا بمجرد المؤشرات والتصنيفات.
9 ـ ضغط الفوارق المجالية والطبقة الوسطى
لا يقل تقليص الفجوة بين المدن والقرى وبين الجهات أهمية عن بقية الملفات. فقد أصبحنا أمام مجالات تختلف بصورة كبيرة في مستوى التجهيز والخدمات وفرص الاستثمار. وفي الوقت نفسه تعرضت الطبقة الوسطى لضغوط متزايدة، وهي ليست مجرد فئة دخل، بل إحدى آليات الاستقرار الاجتماعي وأحد المصاعد الأساسية للترقي الاقتصادي والثقافي. وكلما ضعفت اتسعت المسافة بين الفئات وازدادت هشاشة النسيج الاجتماعي.
10 ـ ضغط المالية العمومية وحكامة التنفيذ
كل هذه الاستحقاقات تصطدم في النهاية بسقف الموارد المالية وبالمديونية وبقدرة الدولة على ترتيب الأولويات. لذلك فإن التحدي الحقيقي لن يكون في كثرة البرامج، وإنما في القدرة على اختيار ما يجب أن يبدأ أولاً، وما يمكن تأجيله، وما يحتاج إلى إصلاح مؤسساتي قبل ضخ الموارد فيه. فالحكومة المقبلة لن تحتاج فقط إلى برنامج، بل إلى هندسة للأولويات وإيقاع للتنفيذ وآليات للقياس والمساءلة.
هذه المنظومات العشر ليست جزرًا منفصلة. البطالة ترتبط بالنمو، والنمو بالاستثمار، والاستثمار بالثقة، والماء بالفلاحة والأمن الغذائي، والأجور بالتضخم والإنتاجية، والتعليم والصحة بجودة الرأسمال البشري، فيما ترتبط كل هذه الملفات بالقدرة المالية للدولة وبمستوى الثقة بين المواطن والمؤسسات. ولذلك فإن الحكومة المقبلة لن تواجه «ملفات» بالمعنى الإداري للكلمة، وإنما ستواجه شبكة من الضغوط المتداخلة.
الخلاصة أن الحكومة المقبلة ستكون أمام اختبار مزدوج: الوفاء بما يمكن الوفاء به من الوعود الانتخابية، وإدارة ما تراكم من استحقاقات مؤجلة قبل أن تتحول إلى أزمات مفتوحة. ولن يساعدها في ذلك عدد المقاعد وحده، لأن الشرعية الانتخابية تمنح حق ممارسة السلطة، لكنها لا تمنح القدرة تلقائياً على إدارة التعقيد.
لا ينتظر الحكومة المقبلة مجلساً هادئاً وجلسة شاي وكعب غزال، بل تنتظرها أرض فيها جمر شديد الحرارة تحت الرماد. وقد تخفي نشوة عدد من المقاعد الانتخابية هذه الحقيقة لبعض الوقت، لكنها لن تلغيها. فكلنا يعرف قصة كثير من هذه المقاعد، أما اختبار الحكومة الحقيقي فسيبدأ يوم يصبح عليها أن تحوّلها من سلطة سياسية إلى قدرة فعلية على تدبير الدولة.





