مسجد السلام في طورينو يحتضن فعاليات الحوار الإسلامي المسيحي لتعزيز التعددية والتعايش

 

 

 

 

عبد الله مشنون
كاتب صحفي مقيم في ايطاليا ومتابع للشأن السياسي
مهتم بالشؤون العربية قضايا الهجرة والبحث في الفكر والإسلام.

 

 

في مشهد يعكس عمق الروابط الإنسانية وأهمية التقارب بين الثقافات احتضنت مدينة طورينو الإيطالية فعاليات الدورة الخامسة والعشرين من -اليوم الوطني للحوار الإسلامي المسيحي- التي أُقيمت في رحاب مسجد السلام لتشكل محطة بارزة جديدة في مسار تعزيز أواصر التفاهم المتبادل والتعايش السلمي داخل نسيج مجتمعي يتسم بالتنوع الديني والثقافي. تكتسب هذه الدورة الـ 25 رمزية تاريخية خاصة إذ انطلقت هذه المبادرة الوطنية قبل نحو ربع قرن في أعقاب أحداث 11 سبتمبر 2001 ونجحت عبر تعاقب الفصول السياسية والثقافية في التحول إلى نسيج ثمين من العلاقات الإنسانية وفرصة نادرة للقاء المسكوني بينالديني وداخل المجتمعي.

وفي قلب هذا المشهد تبرز شبكة طورينو للحوار التي يُنسق جهودها الحثيثة القسيس لوكا مينوتو كنموذج حي لعمل قاعدي ينبع من القواعد الشعبية والمجتمعات المحلية المنتشرة على الأرض بما يكّمل ويتعاون مع الأطر المؤسسية الأخرى وعلى رأسها طاولة الأديان لمدينة طورينو التي ترأسها رئيس البلدية الفخري فالنتينو كاستيلاني. ويأتي هذا التراث الإنساني متماشياً مع تقاليد مدينة طورينو العريقة في تعزيز الحرية الدينية والعلمانية الشاملة التي تفضل التقارب والتعاون المدني بين أبناء الديانات المختلفة على منطق التباعد والصراع.

انعقد اللقاء تحت شعار دال ومُلهم يتمثل في أديان تسكن المدينة اللقاء في ظل التعددية مسلطاً الضوء على الدور المحوري الذي تؤديه المعتقدات الدينية في إثراء الحياة المدنية وتأكيد أهمية الحوار كأداة استراتيجية لتقريب وجهات النظر وتجاوز الصور النمطية وفتح آفاق واعدة للتعاون البنّاء بين مختلف مكونات المجتمع الإيطالي. وقد تضمّن برنامج الفعالية مائدة مستديرة غنية بالمداخلات والرؤى التي سعت إلى تطوير آليات الحوار وتعزيز حضوره في الفضاء العام والتي أدارت نقاشاتها ببراعة الصحفية البارزة مارينا لومونّو متيحةً فضاءً تفاعليًا جمع بين العمق الفكري والتبادل الإنساني المباشر.

كما تخلل اللقاء لحظات تأمل وصلاة تلتها فقرة اجتماعية دافئة شارك فيها الحضور بأطعمة ومشروبات متنوعة مما عزز أواصر التعارف في أجواء تجاوزت الأطر الرسمية المعتادة. لقد أثبتت هذه الفعالية أن تنوع المعتقدات لا يشكل عائقًا أمام العمل المشترك لخدمة الصالح العام بل يُعد مدخلًا أساسيًا لمواجهة حالات الانغلاق الفكري وبناء مجتمع تسوده الثقة المتبادلة. كما تجسد التفاعل الواسع للجالية المسلمة ومختلف شرائح المجتمع وخصوصًا الشباب استثمارًا حقيقيًا في المستقبل يتيح للأجيال الجديدة الإسهام بفعالية في إبراز الوجه الحضاري القائم على السلم والتعارف والتسامح. إن موعد طورينو لم يكن مجرد فعالية عابرة بل هو تجديد متواصل للالتزام الجماعي بأن الحوار الحقيقي يبدأ بخطوة عملية نحو الآخر لتتحول التعددية في مدننا إلى فرصة حقيقية للتكامل ويصبح التواصل جسراً متيناً لبناء مجتمع أكثر تضامنًا وسلامًا للجميع.


شاهد أيضا

شاهد أيضا