تريفيزو تحتفي بلغة الضاد: حين تتحول الكلمات إلى جسور حيّة بين الشرق والغرب

إيطاليا تلغراف

 

 

 

 

عبد الله مشنون
كاتب صحفي مقيم في ايطاليا ومتابع للشأن السياسي
مهتم بالشؤون العربية قضايا الهجرة والبحث في الفكر والإسلام.

 

 

حين تُفتح النوافذ على مصراعيها للريح العميقة القادمة من الضفة الأخرى للتاريخ لا تعود اللغات مجرد أدوات تقنية عابرة لتأدية غرض التواصل المادي البحت بل ترتقي لتغدو كائنات حية تنبض بالذاكرة ووعاءً وجدانياً يجمع شتات الهويات ووطناً رمزياً سيالاً يمتد بأعماقه من جذور الشرق السحيقة إلى قلب القارة الأوروبية النابض. هذا بالضبط ما عايشناه ورصدناه بدقة متناهية وتأملنا أبعاده الفكرية والحضارية يوم السبت 24 أكتوبر لعام 2026 في حاضرة تريفيزو الإيطالية العريقة. ففي تلك اللحظات لم تكن قاعة اللقاء مجرد مساحة تقليدية للاستماع السلبي أو تلقي المحاضرات بل تحولت إلى محطة وجدانية وفكرية وأكاديمية استثنائية بكل ما تحمله الكلمة من دلالات تجلّت فيها حروف لغة الضاد في أبهى تجلياتها لتؤسس فضاءً حضارياً متكاملاً يتجاوز الجغرافيا والحدود.

تحت عنوان محوري بليغ وعميق الدلالة: -اللغة العربية… أكثر من مجرد لغة- التقت نخب أكاديمية رفيعة وباحثون مختصون وفعاليات مجتمعية وحضور متنوع ومتميز ليعيشوا معاً على امتداد ساعتين ونصف الساعة من الإصغاء الفكري اليقظ والنقاش الحي النابض بالحياة تجربة فريدة من نوعها نظّمتها بحرفية عالية الجمعية الترفيهية والثقافية -أوريزونتي- Associazione Ricreativa Culturale Orizzonti.

وعندما تلقيت دعوة اللجنة المنظمة لهذا اللقاء الثقافي البارز في شخص ممثلها الناشط السيد المختار بوسلهام وتشرّفت بحضوري الشخصي هنا في قلب مدينة تريفيزو لمست عن قرب أثراً بالغاً يلامس الوجدان فقد تأثرت كثيراً وتجلّت أمامي بوضوح حفاوة الاستقبال المعهودة وحسن الضيافة الأصيلة إلى جانب ذلك الحضور الوازن واللافت لأبناء الجاليات المغاربية والعربية من مقيمين مغاربة وتونسيين وجزائريين فضلاً عن حضور لافت لأصدقائنا الإيطاليين وممثليّ جنسيات أخرى متسلحين بكافة شرائحهم ومكوناتهم الحية من شباب وشابات طموحين ونساء ورجال غيورين وفاعلين جمعويين متميزين ونخب سياسية مشرفة تمثل بعض البلديات والبلدات الإيطالية بصفتهم مستشارين ومسؤولين محليين يشاركون بفاعلية في تدبير الشأن العام المحلي وهو ما أضفى على اللقاء شرفاً وتنوعاً ووقاراً كبيرين.

ولم يقتصر المشهد عند هذا الحد بل تجسد التنوع والعمق بحضور لافت لممثلين عن بعض المساجد والمراكز الإسلامية الفاعلة في المنطقة فضلاً عن ثلة من المهتمين والباحثين الأكاديميين ورجال الاستثمار والأعمال المغاربة الذين لبوا الدعوة عن جدارة واستحقاق وحضروا من كل حدب وصوب لتلبية النداء بغية إغناء نقاشات هذا اللقاء النوعي والاستفادة القصوى من عمق مداخلات الأساتذة الباحثين والخبراء في لوحة إنسانية ومجتمعية متكاملة تعكس مدى الارتباط الوثيق للهوية والثقافة بالأصالة والانفتاح الواعي.

لقد تجاوز الحاضرون في هذه الأمسية كونهم شهود عيان عابرين ليجدوا أنفسهم مندمجين كلياً في رحلة علمية ومعرفية مذهلة عابرة للزمن غاصت في عمق التشريعات القانونية وتشابكات الهويات وتعقيدات الواقع الميداني والاجتماعي. ومن خلال هذا التلاقي الفكري الفريد تأكد للجميع بما لا يدع مجالاً للشك أن اللغة العربية بما تحمله من حمولة تاريخية ومرونة بيانية وقدرة استثنائية على الصمود تظل قادرة دوماً وأبداً على تفكيك الصور النمطية السائدة وهدم جدران الجهل وبناء فضاءات حقيقية ومستدامة للعيش المشترك والتبادل الإنساني الخلاق.

ومما زاد الأمسية بهاءً وتألقاً ذلك الحضور المهني اللافت والجهد المتميز الذي بذلته الشابتان ريان مطرون وهاجر بوهاريد فقد أُسندت إليهما مهمة تقديم الضيوف المشاركين وإدارة خيوط النقاش معهم بكل ثقة واحترافية. لقد أثبتت الشابتان من خلال مساهمتهما القوية والواعية قدرة استثنائية على الربط بين محاور اللقاء بطلاقة تامة واقتدار باللغتين العربية والإيطالية. ولم يقتصر دورهما على التقديم الشكلي فحسب بل امتد ليكون مشاركة فكرية واعية عكست تَمكّن الجيل الصاعد من استيعاب قضايا الهوية واللغة وإدارة الحوار الثنائي اللغات والثقافات بكفاءة عالية نالت إعجاب وتقدير الحاضرين جميعاً لترسخا بذلك نموذجاً مشرفاً لطاقات الشباب الواعدة في المهجر.

مع انطلاق اللحظات الأولى لاحتضان مدينة تريفيزو الإيطالية لفعاليات هذا الحدث الثقافي المتميز استُهلت الأمسية بافتتاحية رسمية وتجارب تنظيمية راقية عكست مدى وعي الجهة المنظمة بأهمية الرسالة التي تحملها. وقد بادر السيد المختار بوسلهام ممثلاً وعضواً في الجمعية الترفيهية والثقافية -أوريزونتي- إلى اعتلاء المنصة ليرحب بالحضور الغفير والنخب الأكاديمية والضيوف المشاركين.

وفي مستهل كلمته الترحيبية الوازنة خاطب السيد بوسلهام الحاضرين بلغة مفعمة بالفخر والاعتزاز بالهوية والثقافة حيث قال:

يسعدني ويسرفني بصفتي عضواً في الجمعية الترفيهية والثقافية -أوريزونتي- أن أرحب بكم جميعاً في هذا اللقاء الثقافي البارز الذي يحمل عنوان: -اللغة العربية… أكثر من مجرد لغة-. لقد اخترنا اللغة العربية موضوعاً محورياً لهذا اللقاء لما تحمله في طياتها من تاريخ عريق وثقافة نابضة وأدب رفيع وفنون أصيلة وكما تعلمون جميعاً فهي اللغة العظيمة التي نزل بها القرآن الكريم. ونأمل بصدق أن تتيح لنا هذه الأمسية فرصة فريدة لاكتشاف جوانب مضيئة من هذا التراث الإنساني والحضاري وطرح الأسئلة الحية وفتح باب حوار جاد ومثمر يثري معرفتنا ويقرب المسافات بيننا.

وأضاف السيد بوسلهام مؤكداً على الرؤية الاستراتيجية للجمعية:

إننا نؤمن إيماناً راسخاً بأن مثل هذه اللقاءات والفعاليات الثقافية تسهم بشكل مباشر وفعال في بناء روابط أقوى وأمتن وتحويل الاحترام المتبادل إلى علاقات تعاون حقيقية ومبادرات مشتركة تثري النسيج المجتمعي. وباسم الجمعية أتوجه بخالص الشكر وعظيم الامتنان إلى ضيوفنا الكرام المتحدثين على تلبية دعوتنا الكريمة وإلى أعضاء الجمعية الأوفياء والمتطوعين وكل من ساهم من قريب أو بعيد في إعداد هذا اللقاء وإنجاحه كما لا يفوتني أن أجدد شكري لكم أنتم الحاضرين على تفاعلكم ومشاركتكم الفعّالة التي تعطي لهذا اللقاء معناه الحقيقي.

وقد تركت هذه الكلمة الافتتاحية صدىً طيباً وطيّباً في نفوس الحاضرين حيث رسمت بوضوح معالم الأمسية وأهدافها النبيلة في مدّ جسور التواصل الإنساني والثقافي بين الشرق والغرب.

مشاركة استثنائية عن بُعد: الأستاذ علي بن محمد حمادة
تخلل فقرات الترحيب بالضيوف المشاركين الإعلانُ عن مشاركة نوعية للرئيس التنفيذي للجمعية الأستاذ علي بن محمد حمادة والتي تمت مباشرة عبر شبكة الإنترنت من المملكة العربية السعودية نظراً للظروف الطارئة التي حالت دون حضوره شخصياً إلى مدينة تريفيزو وتحديداً إثر تعذر رحلات السفر وتداعيات الأحداث الأمنية والضربات التي شهدتها المملكة واستهدفت مطار الملك خالد الدولي وبعض المنشآت. ورغم هذه الظروف أصرّ الأستاذ علي حمادة على تسجيل حضوره الفكري والمعرفي البارز ليخاطب القاعة مباشرة.

تفاصيل المداخلة الأكاديمية للأستاذ علي بن محمد حمادة:
-العربية واللاتينية: لغتان على طرفي النهر.. اللاتينية وبناتها الأربع، والعربية وثباتها، وما بينهما من صلات-

بأسلوب أكاديمي رفيع يجمع بين التأصيل التاريخي والتحليل اللساني استهل الأستاذ علي حمادة محاضرته بالدعوة إلى العودة للوراء لتأمل تاريخ اللغات القديمة مفصلاً ذلك في محاور كبرى:

اللاتينية وبناتها الأربع: تتبع نشأة اللاتينية كلغة للإمبراطورية الرومانية وكيف تفرّعت بعد سقوط الإمبراطورية في القرن الخامس الميلادي إلى لغات رومانسية أربع (الفرنسية الإيطالية الإسبانية والبرتغالية) مسلطاً الضوء على أقدم النصوص المكتوبة لكل منها (كقَسَم ستراسبورغ 842م للفرنسية ووثائق مونتي كاسينو 960م للإيطالية) وموضحاً تفاوت درجات تغيرها عبر الزمن (فالفرنسية الأكثر تغييراً وصعوبة في النصوص القديمة بينما الإيطالية الأكثر محافظة وقرباً لللاتينية).

العربية وثباتها: في مقابل تفرّع اللاتينية تتبع جذور العربية في جزيرة العرب وتعلم إسماعيل عليه السلام لها قبل نحو 4000 سنة.وأكد أن الشعر الجاهلي المكتوب قبل 1500 سنة مازال مقروءاً ومفهوماً حتى اليوم. ومع نزول القرآن الكريم والسنة النبوية ارتبطت العربية بنص مقدس محفوظ، ونهض العلماء لتدوين قواعدها في المعاجم، فبقيت الفصحى ثابتة في بنيتها وقواعدها ومعانيها لأكثر من أربعة عشر قرناً رغم تنوع اللهجات.

الصلات التاريخية والتأثير المتبادل: استعرض لقاء اللغتين في الأندلس (قرابة ثمانية قرون) وصقلية (أكثر من قرنين) والأثر العظيم للعربية في المفردات الإسبانية والبرتغالية (مثل aceite، azúcar، وأسماء الأماكن كـجبل طارق والوادي الكبير) فضلاً عن دور ترجمات طليطلة في نقل العلوم والطب والفلسفة عبر ابن سينا وابن رشد والخوارزمي (مصطلح algorithm وكتاب algebra).

الآفاق الأكاديمية: مستنداً إلى خبرته الطويلة كمدير لعدة أكاديميات حول العالم وفي السعودية ختم محاضرته بالتأكيد على أن هذا الترابط الحضاري والتاريخي هو ما ألهم فكرة تأسيس أكاديمية لتعليم اللغة العربية في إيطاليا والبرازيل تلبية لتطلعات الطلبة والراغبين.

متابعة تعاقب ضيوف اللقاء.

محاضرة الأستاذ يوسف زاهر الباحث والأستاذ في الدراسات العربية والإسلامية:
-اللغة العربية بين أصولها التاريخية ومكانتها الحضارية: محاضرة علمية تسلط الضوء على مسار لغة القرآن الكريم-

في مداخلة علمية رصينة ومحكمة أخذنا الأستاذ يوسف زاهر في رحلة تاريخية ولغوية عميقة لتفكيك مسار اللغة العربية متناولاً أصولها ونشأتها وأبرز المراحل التي مرّت بها عبر التاريخ إلى جانب إبراز خصائصها اللغوية والبيانية العميقة:

أصول اللغات والنظريات اللغوية والتراثية:
استهلت المحاضرة بمعالجة إشكالية نشأة اللغة العربية في سياق البحث الأوسع حول أصول اللغات الإنسانية. وقد حرص المحاضر على وضع خط فاصل ومنهجي دقيق بين المعطيات العلمية واللسانية الحديثة المتعلقة بتاريخ اللغات السامية وتطور العربية وبين التصورات التراثية التي تناولت أصل اللغة وعلاقتها ببدايات البشرية. واستعرض في هذا السياق تصنيفات العرب في المصادر التراثية المتمثلة في: العرب البائدة والعاربة والمستعربة موضحاً كيف تطورت اللغة العربية من جذور لغوية قديمة متعددة وصولاً إلى صيغتها العربية الفصحى المستقرة وما شهدته من تحولات أسهمت في تشكيل هويتها اللغوية والحضارية.

الثرى المعجمي والخصائص البيانية:
توقف الأستاذ يوسف زاهر مطولاً عند الخصائص الفريدة التي تميز اللغة العربية عن غيرها مشيراً إلى ثرائها المعجمي الهائل ومرونتها الاشتقاقية العالية التي تتيح توليد المعاني وربط الألفاظ بجذورها العميقة فضلاً عن دقة نظامها الصرفي والنحوي. وأكد أن هذه الخصائص لم تكن مجرد قواعد شكلية بل مثلت طاقة تعبيرية وبيانية فائقة جعلت من العربية لغة قادرة على استيعاب واحتضان كافة مجالات المعرفة والفكر الإنساني والعلمي عبر العصور.

القرآن الكريم.. نقطة التحول الكبرى:
شكلت هذه النقطة ذروة المحاضرة إذ أكد المحاضر أن نزول القرآن الكريم مثّل نقطة تحول كبرى وقاطعة في مسار اللغة العربية. فمن خلال نزول النص المقدس حُفظَت صورة العربية الفصحى من التشتت والضياع وتوسّع نطاق انتشارها بشكل غير مسبوق وتعززت مكانتها لتصبح بحق مفتاحاً أساسياً لفهم النص القرآني العظيم والسنة النبوية الشريفة. وأصبحت العربية بفضل ذلك الأداة الأساسية لنقل التراث الإسلامي واستيعاب علومه المختلفة مما منحها مكانة استثنائية فريدة في التاريخ الديني والثقافي والإنساني برمته.

وفي خاتمة محاضرته شدد الأستاذ يوسف زاهر على أن اللغة العربية لم تكن يوماً مجرد وسيلة تقنية للتواصل اليومي فحسب بل هي ركيزة أساسية من ركيزات الهوية الثقافية والحضارية وجسر متين يصل بين التراث العريق والواقع المعاصر مؤكداً على أهمية النهوض بتعليمها ونقلها للأجيال الجديدة كلسان للإبداع والمعرفة.

محاضرة الأستاذة المحامية كوثر بدران:
-الأبعاد القانونية الحقوقية وتحديات الاندماج والروابط المؤسساتية بين إيطاليا والمغرب-

بناءً على مسار مهني وأكاديمي رفيع انطلق من جامعة ترينتو واستمر لسنوات من الممارسة القانونية بين إيطاليا والمغرب قدّمت الأستاذة المحامية كوثر بدران مقاربة قانونية ومؤسساتية متكاملة وموسعة مست صميم انشغالات العائلات الحاضرة متناولة المحاور التالية بعمق واحترافية:

انطلقت المحامية من ملاحظة جوهرية مفادها أن المتدخلين الأفاضل سبق وأن تناولوا اللغة العربية كإرث ثقافي وعنصر هوياتي وأداة تواصل مما دفعها إلى مقاربة الموضوع من زاوية إضافية بالغة الأهمية وهي الزاوية القانونية. وأكدت بدران أن اللغة لا تقتصر على كونها تراثاً بل هي أداة أساسية لا غنى عنها لمعرفة الحقوق والواجبات وحماية الفرد وتحقيق الاندماج الاجتماعي السليم. وفي هذا السياق شددت على أهمية إتقان اللغة الإيطالية إلى جانب العربية باعتبارها مفتاحاً رئيسياً للتعامل بوعي وثقة مع المؤسسات القضائية والإدارية.

سلطت الأستاذة كوثر الضوء على معضلة التواصل بين الأجيال داخل العائلات المهاجرة حيث يُتحدث باللهجات الأصلية مع الأجداد بينما يتبادل الأبناء المولودون أو الناشئون في إيطاليا أطراف الحديث باللغة الإيطالية التي أصبحت لغتهم الأولى في الدراسة والتفكير وبناء العلاقات. ودعت بدران إلى عدم اعتبار هذا التحول خسارة مرعبة بل هو واقع معيش يجب فهمه ومرافقته بحكمة من خلال تعزيز الحوار العائلي المتوازن بين الأجيال.

استعرضت المحامية بوضوح التطورات التشريعية والمؤسساتية الكبرى التي عرفها المغرب بفضل الرعاية الملكية السامية لصاحب الجلالة الملك محمد السادس مع إشارة خاصة إلى إصلاح مدونة الأسرة ودستور عام 2011 الذي أقر صراحة مبدأ المساواة بين النساء والرجال. وأكدت أن هذه التحولات تستوجب مواكبة مستمرة بالتكوين والتحسيس لتقليص الهوة بين النصوص والممارسة اليومية. وفي هذا الصدد عرّفت بدور جمعية – APS – AGAMI – التي أُسست عام 2011 بالحوار القانوني للثقافات المتعددة كمجموعة محامين من أصل مغربي في إيطاليا لتتطور إلى منصة حقيقية للتعاون والحوار القانوني العابر للحدود مسخرة خبرتها لتقريب الأنظمة القضائية بين البلدين.

وفي ختام مداخلتها طرحت الأستاذة كوثر بدران رؤية عملية للمستقبل عبر عدة مقترحات هامة:

الاستثمار في تكوين وتحسيس المجتمع والجالية وعدم الاكتفاء بالاحتفالات الثقافية بل تنظيم لقاءات حول المشكلات القانونية والعملية كقضايا الأسرة حماية القاصرين والاعتراف بالأحكام القضائية بين البلدين.

تنظيم لقاء مستقبلي تحت عنوان -اللغة الإيطالية.. أكثر من مجرد لغة- لفهم متطلبات الأجيال الصاعدة وتجسير الهوة الرقمية والجيلية.

إرساء اتفاقيات تعاون بيداغوجي ومؤسساتي لتدريس اللغة العربية بأساليب حديثة وبإشراف كفاءات مؤهلة قادمة من المغرب مع تعزيز الروابط بين الجامعات والأطر المهنية والقضائية في إيطاليا والمغرب.

مداخلة الأستاذ أندريا بيرتون -Andrea Berton:
-تجربة ميدانية في الحوار الثقافي ومواجهة التضليل الإعلامي: شهادة حية من قلب المجتمع الإيطالي-

بصوته الهادئ وخبرته الميدانية الواسعة كصحفي وكاتب وناشط مخضرم في شؤون الحوار بين الثقافات والأديان افتتح الأستاذ أندريا بيرتون مداخلته بتوجيه خالص الشكر إلى الجمعية الترفيهية والثقافية -أوريزونتي وصديقه المختار بوسلهام على هذه الدعوة الكريمة معرباً عن فخره بالمشاركة في إثراء حدث يحمل عنوان -اللغة العربية.. أكثر من مجرد لغة-.

وفي عرض ممتد مدعوم بالصور والعروض المرئية والتوثيق الحي ركّز بيرتون على محاور أساسية تجسد خلاصة عمله الميداني في إيطاليا وخارجها:

استعرض بيرتون أمام الحاضرين مجموعة من المبادرات الميدانية المضيئة التي تشكل جسوراً حقيقية للتقارب بين الشعب الإيطالي والجاليات العربية والمسلمة. ومن أبرز هذه النماذج التي سلط الضوء عليها:

مدرسة اللغة العربية في كورنودا بمقاطعة تريفيزو: كنموذج تعليمي ومجتمعي ناجح يقرّب الناشئة من لغة أصولهم بطريقة تربوية هادفة.

وقد لمح الأستاذ  بالناشط والمؤثر المعروف بلقب -أعرابي كالابري- Arabo Calabro: الذي يوظف منصات التواصل الاجتماعي والخطاب الإعلامي الحديث لتقريب الثقافات وكسر الحواجز النفسية واللغوية بأسلوب مبتكر.

كما اثار الاستاذ دور جمعية -GIM- شباب المغاربة إيطاليا – : في تأطير الطاقات الشابة ودمجها بفعالية في النسيج الاجتماعي المدني الإيطالي مع الاعتزاز بالهوية المزدوجة.
وأكد بيرتون أن هذه الوقائع الحية والمؤسسات المحلية تثبت يوماً بعد يوم قدرتها على خلق معرفة حقيقية باللغة والثقافة العربية بعيداً عن الصور النمطية السائدة.

ثم انتقل المحاضر بحزم إلى تحذير بالغ الأهمية مشيراً إلى أنه في الفترات والظروف الدقيقة والحساسة التي نمر بها اليوم لا تصبح مواضيع الحوار سهلة بل تكون الاستغلالات والتوظيفات السياسية والإعلامية المغرضة دائماً قاب قوسين أو أدنى. وأوضح كيف يسعى بعض الأطراف إلى النفخ في نار التوتر وخلق الانقسامات.

وفي ختام شهادته شدد الأستاذ أندريا بيرتون على أن المبادرات الثقافية الجادة كتلك التي ترعاها جمعية -أوريزونتي- ومثل هذه اللقاءات الحوارية تمثل الحصن المنيع لقطع الطريق نهائياً أمام من يحاولون الاستثمار في اليأس والجهل أو النفخ في أزمات بعض الشباب لخلق الكراهية وتأجيج الفرقة وإشعال فتيل العنف. ودعا إلى الاستمرار في إبراز نماذج العيش المشترك والإيجابية لبناء مستقبل يسوده الاحترام المتبادل.

مداخلة الدكتورة فالنتينا سكيافيناطو Valentina Schiavinato:
-علم النفس الاجتماعي: التعددية ثنائية اللغة وهويات الأجيال الصاعدة-

بخبرتها العميقة وتخصصها الموجه نحو علم النفس الاجتماعي و التعددية الثقافية والدينية والوساطة الثقافية وضعت الدكتورة فالنتينا سكيافيناطو الأصبع على الجرح الحقيقي الذي تعيشه آلاف الأسر المهاجرة: سؤال الهوية والنشأة بين عالمين.

وفي مداخلتها الثرية التي جذبت اهتمام الحاضرين وأثارت تفاعلاً واسعاً ركزت الدكتورة فالنتينا على محاور أساسية بالغة الحساسية:

العلاقة المعقدة بين الثقافة الهوية والاتصال:
انطلقت المحاضرة من تفكيك طبيعة الروابط الإنسانية بين أشخاص ينتمون إلى عوالم وثقافات مختلفة. وأكدت سكيافيناطو أن التعرف على لغة ما كاللغة العربية  لا يقتصر على حدود الحروف الأبجدية بل هو مفتاح حقيقي لفهم أعمق للبشر ولأنماط تفكيرهم وثقافاتهم وواقعهم الاجتماعي. فاللغة هنا هي المرآة التي تنعكس عليها نفسية الجماعات والأفراد.

توقفت الدكتورة فالنتينا مطولاً عند واحدة من أكثر التساؤلات إلحاحاً التي تؤرق عهد الأسر: ما هو الأثر الحقيقي لثنائية اللغة على الطفل أو المراهق الذي ينشأ في بيئة أوروبية؟ وطرحت الأسئلة الجوهرية التي تدور في خلد كل أب وأم:

هل يشكل التحدث بلغتين مصدراً للتشويش واضطراب التركيز لدى النشء؟

أم أنه يمثل ميزة معرفية وثراء لا يُقدر بثمن؟

وهل يعد خطر تراجع أو ضياع اللغة العربية لدى الأبناء تهديداً حقيقياً لهويتهم؟

بصفتها متخصصة في علم النفس الاجتماعي، حسمت الدكتورة فالنتينا هذا النقاش بتأكيد علمي قاطع مفاده أن التمسك باللغة الأم والثقافة الأصلية ليس أبداً مصدر تشويش للطفل، بل هو مصدر غنى وثراء نفسي هائل. وأوضحت أن إتقان اللغة العربية والاعتزاز بالانتمائين معاً يعزز لدى الطفل والمراهق:

التوازن النفسي والاستقرار العاطفي: لأن الطفل الذي يعرف جذوره جيداً يكون أكثر اتصالاً مع ذاته.

الثقة بالنفس: إذ يرى في ازدواجية لغته وثقافته جسراً قوياً وقدرة فريدة على قراءة العالم من زاويتين مختلفتين وليس عائقاً يعرقل اندماجه.

ودعت الأسر إلى ضرورة مرافقة الأبناء بحكمة وصبر لدعم ثنائيتهم اللغوية باعتبارها رصيداً مستقبلياً يفتح أمامهم أبواب الانفتاح الحقيقي على العالم مع الحفاظ على دفء الجذور وصلابة الهوية.

ختام ودي على مائدة الهوية.
تفاعل الحاضرون بأسئلة عميقة ونقاشات حية عكست مدى وعي الجالية والنخب المحلية بأهمية هذه المواضيع حيث امتدت النقاشات لتعكس حرص الجميع على إبقاء جذوة الحوار مشتعلة.

وليتم تتويج الأمسية في أجواء من الألفة والترابط اختتم اللقاء باستقبال المشاركين والحاضرين على مائدة استثنائية ضمت الشاي الأصيل والحلويات والمأكولات المغربية التقليدية في لمسة بليغة تعكس قدرة المطبخ والضيافة على تجسيد الهوية الثقافية وتحويل اللقاء إلى مساحة موازية للدفء الإنساني وتوطيد أواصر التعارف.

لقد غادر الحاضرون قاعة اللقاء في تريفيزو وهم على يقين تام بأن اختلاف اللغات ليس سوى نافذة لاكتشاف المشترك الإنساني وبناء جسور متينة من المعرفة والتواصل المستدام بين الشرق والغرب في عالم تتزايد فيه يوماً بعد يوم الحاجة الملحة للتقارب والحوار.

إيطاليا تلغراف

 

 


شاهد أيضا

شاهد أيضا