الاقتصادي والشعبوي في الخريف الأوروبي

 

 

 

 

عبد الباسط سيدا
كاتب وسياسي سوري، دكتوراه في الفلسفة.

 

 

لم تعد العلاقة الخاصة بين الرئيسين الأميركي ترامب والروسي بوتين موضوعاً يتجنّبه معظم السياسيين والمحللين الأوروبيين. وقد كانت هناك ملاحظات بخصوص هذا الموضوع في الدورة الأولى لرئاسة ترامب. وفي الثانية، ازدادت تلك الملاحظات وتوسع نطاقها، وبات من الصعب تجنّبها في أي جهد تفسيري يرمي إلى تسليط الضوء على خفايا (وأبعاد) موقف ترامب وأركان إدارته، خصوصاً نائبه ووزير دفاعه؛ بالإضافة إلى المستشارين والمقرّبين المكلفين بالملفات الحسّاسة الذين يحيطون بترامب، ويساهمون في بلورة توجهاته وتشكيل مواقفه من الحرب الروسية على أوكرانيا، والعلاقة مع الدول الأوروبية، والنزعة العدائية تجاه المهاجرين، والإشادة بقوى اليمين المتشدّد في أوروبا وتشجيعها، واعتماد السياسات التمييزية تجاه المسلمين بصورة عامة، والخلط المدروس بين نقد الحركات الإسلاموية المتشدّدة والمسلمين بصورة عامة، وإعطاء انطباع زائف فحواه أن المسيحية والقيم المسيحية هي المستهدفة؛ ولا تقتصر نزعة معاداة المهاجرين الترامبية على المسلمين وحدهم، وإنما تشمل الشعوب المسيحية في أميركا اللاتينية أيضاً، التي تتهم بالإجرام والخطورة على القيم الحضارية.
وضمن هذا السياق، يوجّه ترامب أقسى الانتقادات إلى الأوروبيين الذين ساهموا بسياساتهم الخاطئة، وفق ما يذهب إليه، في ميدان الهجرة و”التمسّك بالقيم الإنسانية” في تشويه ملامح هويتهم الثقافية، حتى أصبحت المجتمعات الأوروبية، نتيجة تزايد أعداد المهاجرين والمجتمعات الموازية التي تشكّلت، غريبة عن نفسها تعاني من عوامل احتقان داخلية قد تنفجر في أي لحظة. وكان لافتاً استغلال الرئيس الأميركي موضوع حركة الاحتجاجات، وحوادث الشغب والنهب، التي شهدتها باريس ومدن فرنسية أخرى لأسباب مختلفة بعضها احتجاجي مشروع وبعض إجرامي مدان، في حملاته الانتخابية لصالح مرشّحي الحزب الجمهوري في الانتخابات النصفية الأميركية. وقد بلغ الأمر بترامب إلى حدّ اتهام الحزب الديمقراطي المنافس بأنه يريد نقل التجربة الفرنسية الفاشلة في “ميدان التسامح والقيم الانسانية” إلى الولايات المتحدة، في سياق تسويغه لحملته العنيفة على المهاجرين، ووصفه واتهامه لهم بأقذع الصفات وأبشع التهم.

من أساليب الضغط التي استخدمها ترامب على زيلنسكي، خفض حجم المساعدات العسكرية الأميركية لأوكرانيا إلى أدنى المستويات

انتقادات الرئيس ترامب الحادة الموجّهة ضد السياسات والتوجهات الأوروبية ليست جديدة، وإنما هي استمرار لنهج ثابت بدأ مع ولايته الأولى التي شجع فيها بريطانيا على الخروج من الاتحاد الأوروبي، واعتمد أسلوب مغازلة التيارات اليمينية المتطرفة في مختلف الدول الأوروبية، وهو يدرك، بطبيعة الحال، خطورة هذه التيارات على الأنظمة الديمقراطية الأوروبية وقيمها الليبرالية. ولم يعد سرّاً في هذا المجال أنه يتشارك مع الرئيس بوتين في هذا التوجه. وهذا يتناغم مع مدحه لبوتين، وإشادته بذكائه من حين إلى آخر. وقد حاول أكثر من مرة، كما يحاول الآن، إرغام الرئيس الأوكراني زيلنسكي على الرضوخ لمشيئة بوتين، والتنازل له عن مساحاتٍ واسعةٍ من بلاده، والالتزام بشروط بوتين من أجل إيقاف الحرب الروسية على أوكرانيا؛ وهي الحرب التي كلّفت، وتكلّف، الأوروبيين كثيراً، لا سيما بعد أن تنصّلت إدارة ترامب من الالتزامات الأميركية، وذلك على خلاف إدارة بايدن التي كانت تقود جهود دعم أوكرانيا، وفرض العقوبات الصارمة على روسيا.
ومن أساليب الضغط التي استخدمها ترامب على زيلنسكي، خفض حجم المساعدات العسكرية الأميركية لأوكرانيا إلى أدنى المستويات، بل وصل الأمر إلى حد التحكم في نوعية خدمات ستارلينك العسكرية (ستارشيلد) في ميدان الاتصالات، وحجب المعلومات الاستخباراتية الضرورية التي كانت تساعد أوكرانيا في عمليات توجيه المسيّرات، ومعرفة تحركّات الجيش الروسي ومسار الطائرات والمسيرات والصواريخ الروسية ضمن وقت مناسب يسمح للأوكرانيين الاستعداد للمواقف الطارئة.
وكان من نتائج شبه الانسحاب الأميركي من موضوع دعم أوكرانيا، لتتمكّن من مواجهة الحرب الروسية عليها المستمرة منذ نحو خمسة أعوام، إرهاق ميزانيات الدول الأوربية، الأمر الذي انعكس سلباً على واقع الأوروبيين المعيشي على مستوى الأسر والأفراد؛ وجاءت حرب الخليج لتعمق أزمة الدول الأوروبية نتيجة الارتفاع الحاد في أسعار الطاقة.

أسهمت الحرب الباردة بين المعسكرين، الشرقي الغربي، في تعزيز مكانة دول أوروبا الغربية التي حصلت على تسهيلات اقتصادية ودفاعية كثيرة

يعاني الأوروبيون اليوم بصورة عامة، وفي دول جنوب القارّة ووسطها وشرقها تحديداً، من صعوبات معيشية متفاقمة. وما يساهم في تفاقم الأزمة في العديد من هذه الدول ضعف أنظمة الضمان الاجتماعي، وعدم حصول الطلبة على المساعدات الكافية التي تمكّنهم من متابعة دراساتهم بيسر، مقارنة بما هو عليه الحال في دول الشمال على سبيل المثال. ولعل هذا ما يفسر موجة المظاهرات والاحتجاجات الصاخبة التي شهدتها مجموعة كبيرة من الدول الأوروبية المعنية، في مقدّمتها فرنسا وإسبانيا والبرتغال واليونان وهناك مؤشّرات توحي بإمكانية انضمام دول أخرى إلى هذه القائمة، سيما ألمانيا التي استقبلت أعدادا كبيرة من المهاجرين، معظمهم من سورية، قياساً إلى بقية مع الدول الأوروبية. وهناك خشية من استغلال مختلف الأطراف السياسية، خصوصاً اليمينية المتطرّفة منها المعادية لسياسات الهجرة الألمانية، باستغلال الأوضاع، مما قد يؤدّي إلى نشوب أعمال عنف قد تخرج عن السيطرة.
انتعشت أوروبا في مرحلة ما بعد الحرب العالمية الثانية، عبر المشاريع الإنمائية الضخمة وفي المقدّمة منها مشروع مارشال 1948-1952. ومع انطلاقة مشروع السوق الأوروبية المشتركة، تم وضع حد للحروب الداخلية ضمن القارّة. من جهة أخرى، أسهمت الحرب الباردة بين المعسكرين، الشرقي الغربي، في تعزيز مكانة دول أوروبا الغربية التي حصلت على تسهيلات اقتصادية ودفاعية كثيرة لتكون قادرة على التصدّي لمخاطر التوسّع السوفييتي في ذلك الحين. وقد أدت الأحزاب الاشتراكية الديمقراطية في مختلف الدول الأوروبية الغربية دوراً حيوياً على صعيد ضبط الحياة السياسية، وتعزيز القيم الديمقراطية، وبناء أنظمة الرفاه الاجتماعي، خصوصاً في ألمانيا ودول الشمال، ولكن ما حصل أن العقلية الاتكالية في الميدان الدفاعي هي التي تحكّمت في رسم السياسات ووضع الميزانيات الأوروبية، وكان الاعتماد الأساسي على الولايات المتحدة التي أخذت على عاتقها تحمّل نفقات حلف شمال الأطلسي (الناتو) ونشر القوات الأميركية في مختلف الدول الأوروبية لحمايتها من المخاطر. ومع انهيار الاتحاد السوفييتي، وحدوث تحوّلات كبرى في الاستراتيجيات الأميركية، وهيمنة التيارات الشعبوية في العديد من الديمقراطية الغربية ، بل وفي الولايات المتحدة نفسها، خصوصاً مع وصول ترامب إلى الحكم، قيام التحالفات بين أصحاب المليارات والزعامات الشعوبية، وأصحاب الإيديولوجيات الأصولية والتوجهات النيوليبرالية، اختلفت الأولويات، وتراجعت القوى السياسية الأوروبية التقليدية (الأحزاب الاشتراكية الديمقراطية والأحزاب الديمقراطية المسيحية) التي كانت ركيزة التوزان المجتمعي والسياسي في الدول الأوروبية الأساسية. ويُشار هنا، بصورة خاصة، إلى ألمانيا وفرنسا وبريطانيا، وبرزت أحزاب وتيارات جديدة يمينية ويسارية متشدّدة. وفي أجواء ارتفاع نسبة المسنين مقابل نسبة الأطفال في المجتمعات الأوروبية، وتزايد أعداد المهاجرين، وهيمنة الإسلاموفوبيا منذ بدايات الألفية الثالثة، أخذت الأمور منحى تراجعياً في غالبية الدول الأوروبية الغربية، وأصبحت الأنظمة الديمقراطية مهدّدة بصورة فعلية تحت وطأة تراكم السلبيات وعدم إجراء المراجعات واتخاذ الاجراءات المطلوبة في الوقت المناسب.

لا يمكن فصل ما يجري في أوروبا هذه الأيام عن الأزمات التي تعيشها مجتمعاتها على المستوى الداخلي، ويعيشها العالم نتيجة التحوّلات الكبرى في الاصطفافات الدولية

وجاءت الحرب الروسية على أوكرانيا لتزيد من أعباء الأوروبيين، وتُلزمهم بتخصيص ميزانيات مرتفعة لدعم أوكرانيا في مواجهة الخطر الوجودي الذي تمثله روسيا بالنسبة إليهم اليوم. كما أن الحرب في منطقة الخليج، وتأثر الإمدادات النفطية وطرق التجارة العالمية أدّى إلى ارتفاع تكاليف الطاقة، الأمر الذي أدّى إلى تزايد مستويات التضخّم، وتراجع نسب النمو الاقتصادي، مقابل تزايد عدد العاطلين عن العمل.
من المتوقع أن تشهد مزيدٌ من الدول الأوربية التظاهرات والاحتجاجات التي قد تترافق مع أعمال تخريب ونهب وسرقة. وعلى الأكثر ستكون هناك إجراءات صارمة لمواجهة الأعمال التخريبية، بعد ما حصل في فرنسا؛ وهذا ما قد يؤدّي إلى مزيد من التوتر والاضطراب. وفي جميع الأحوال، لا يمكن فصل ما يجري في أوروبا هذه الأيام عن الأزمات التي تعيشها مجتمعاتها على المستوى الداخلي، ويعيشها العالم نتيجة التحوّلات الكبرى في الاصطفافات الدولية، وبروز تحدّيات كبرى في ميادين التقنيات الحديثة والطرق التجارية والشركات الدولية، هذا بالإضافة إلى وجود توجّه عام على المستوى العالمي نحو انظمة شمولية قادرة على التحكّم بالمال والإعلام والسياسة؛ أنظمة قد تُضفي مسحة من الجمالية على طبيعتها عبر انتخابات مُسيطر عليها من أرباب الذكاء الاصطناعي والمنصّات الرقمية العملاقة، هؤلاء الذين وجدوا أن أفضل استثمار لمضاعفة الثروات وبلوغ النجومية هو التحالف مع الزعامات الشعبوية، أو صناعتها وتسويقها والسعي من أجل فرض اليأس على الناس.
هل سيقبل الأوروبيون بما يريده لهم ترامب من تهميش وتجاهل وإبعاد، أم أنهم سيراجعون حساباتهم ليكتشفوا الأخطاء ويعملوا على إنجاز المطلوب؟ … هذا هو السؤال المفصلي الذي ستتبلور ملامح الإجابة عنه من خلال تطور الأحداث مستقبلاً على الساحتين الأوروبية والدولية.

الآراء الواردة في هذا المقال تعبر عن آراء كاتبها ولا تمثل بالضرورة التوجه التحريري لجريدة إيطاليا تلغراف


شاهد أيضا

شاهد أيضا