حين يُنتزع الأثر من سياقه.. يُنتزع معه جزءٌ من تاريخه ويُصبح غير قابلٍ للقراءة..!!
*الدكتور شَنْفَار عَبْدُ اللَّه
قمّةُ العبثِ أن تُنقَل الصخورُ المنقوشةُ من مواضعها الأصليّة إلى المتاحف، وكأنّ القيمةَ الأثريّة تكمن في الحجر وحده، لا في المكان الذي احتضنه، والمحيط البيئي الذي شكّل جزءًا من دلالته التاريخيّة والأنثروبولوجيّة.
إنّ دراسةَ النقوش الصخريّة لا تنفصل عن سياقها الجغرافي والجيولوجي والبيئي، ولا عن علاقتها بالمجال الذي نشأت فيه، وبالمسارات البشريّة والحيوانيّة، وأنماط الاستقرار والترحال التي قد تساعد على فهمها وتأويلها. فالأثر ليس مجرّد رسمٍ على سطح صخري، بل شاهدٌ ماديّ على علاقة الإنسان بمحيطه، وعلى أنماط عيشه وتمثّلاته للعالم الذي كان يتحرّك داخله.
فالموقع ليس مجرّد خلفيّة صامتة للأثر، بل قد يكون جزءًا أساسيًّا من معناه ومفتاحًا لفهمه. فالإنسان الذي نقش غزالةً أو فيلًا أو مشهدًا طبيعيًّا أو قرصَ الشمس على واجهة صخريّة، ربما استلهم ما كانت تراه عيناه، وما عاشه في محيطه، وما تفاعل معه من مظاهر الطبيعة والكائنات الحيّة والظواهر الفلكيّة. ولعلّ بعض هذه النقوش يستمدّ دلالته من الصلة بين ما صوّره الإنسان وما كان يحيط به في المكان الذي خلّده عليه.
إنّ ما حفّز يدَ الإنسان على النقش قد يكون جزءًا من المشهد الذي عاش فيه، ومن تجربته اليوميّة وعلاقته بالمجال. ومن ثمّ، فإنّ قراءة هذه النقوش لا تقتصر على وصف أشكالها وتحديد موضوعاتها، بل تتطلّب أيضًا استحضار البيئة التي احتضنتها، ومحاولة فهم ما كان يراه الإنسان القديم، وما استوقفه، وما دفعه إلى تخليده على الصخر، وفي ذلك الموضع تحديدًا.
ومن هنا، فإنّ اقتلاع الصخرة من مكانها الأصلي لا يعني نقلَ النقش وحده، بل قد يعني فصل الشاهد المادي عن جزءٍ من شروط إنتاجه التاريخي والبيئي، وعن العلاقات المكانية التي يمكن أن تسهم في تفسيره. وحين يحدث ذلك، فإنّنا قد نحتفظ بالأثر بوصفه مادّةً قابلةً للعرض، لكنّنا نفقد بعض العناصر التي تجعل منه وثيقةً قابلةً للقراءة العلميّة.

فكيف نستوعب ذاكرة المكان إذا انتزعنا منها شواهدها، ثم اكتفينا بالتأمّل فيها بين جدران المتحف؟ وكيف نعيد بناء المشهد الذي أنتج تلك النقوش بعدما نفصلها عن تضاريسه وامتداداته ومكوّناته البيئيّة؟ أليس في ذلك خطرُ اختزال الأثر في شكله المرئي، على حساب ما يختزنه من علاقات ودلالات تتجاوز حدود الحجر نفسه؟
وحين تُنقل الصخرة من موضعها الأصلي إلى قاعةٍ متحفيّة محاطة بأربعة جدران، فإنّنا لا ننقل الحجر فحسب، بل نغيّر شروط قراءته أيضًا. فالمتحف، مهما بلغت إمكاناته في الحفظ والعرض والتوثيق، لا يستطيع أن يعوّض بصورة كاملة العلاقات المكانية والبيئيّة التي كان الأثر جزءًا منها. وقد يحافظ على مادّته من التلف، لكنّه لا يضمن بالضرورة الحفاظ على جميع أبعاد سياقه الأصلي.
وهنا يبرز السؤال الذي ينبغي أن يسبق كلّ قرارٍ من هذا النوع: أيَّ تاريخٍ نريد أن ندرس؟ أهو تاريخ العصر الذي نُقشت فيه تلك الصخور، وما شهده من تحوّلات بيئيّة وبشريّة، أم تاريخ العصر الذي نُقلت فيه من مواضعها الأصليّة إلى المتحف؟ وأيّ معنى يبقى للنقش إذا فصلناه عن المكان الذي قد يساعدنا على فهم ظروف إنتاجه ودلالاته؟
إنّ المتحف فضاءٌ للحفظ والعرض والتفسير، وليس بديلًا عن الموقع الأثري. فحماية التراث لا تعني اقتلاعه من جذوره المكانيّة كلّما بدا النقل إجراءً أسهل، ولا تحويل المواقع الأثريّة إلى مجرّد مستودعاتٍ للأحجار المنقوشة.
والأصل هو صون الأثر في مكانه، وحمايته وتحويط موقعه وتأمينه، ما أمكن ذلك، مع توثيق سياقه الجغرافي والبيئي والتاريخي. أمّا نقله، فلا ينبغي أن يكون خيارًا تلقائيًّا، بل إجراءً استثنائيًّا تفرضه ضرورةٌ حقيقيّة، ويستند إلى تقييمٍ علميّ معلّل، مع توثيق الموقع الأصلي توثيقًا دقيقًا قبل أيّ تدخّل.
فليس كلّ ما يُنقل يُحفَظ بكلّ دلالاته، وليس كلّ ما يُعرض يُفهَم في سياقه. فقد نحمي الحجر من عوامل التلف، ثم نُفقده بعضًا من ذاكرته المكانيّة؛ وقد ننجح في صيانة النقش مادّيًّا، لكنّنا نُضعف قدرتنا على قراءته بوصفه شاهدًا على علاقة الإنسان القديم بأرضه وبيئته.
فالأثر ليس ما تركه الإنسان على الصخر فحسب، بل هو أيضًا ما يربطه بالمكان الذي تركه فيه. وحين ننتزع الأثر من سياقه، فإنّنا لا ننقل حجرًا من مكان إلى آخر فقط، بل قد ننقل مادّة التاريخ ونترك جزءًا من معناه وراءنا.

_____
* الدكتور شَنْفَار عَبْدُ اللَّه
مفكّر مغربي، له إسهامات فكريّة ومقالات تحليليّة ترصد التحوّلات المجتمعيّة وتقدّم قراءات نقديّة للتحديات الراهنة في المغرب والعالم العربي والإسلامي.
– من أبرز مؤلفاته:
1. الإدارة المغربية ومتطلبات التنمية (2000).
2. الفاعلون المحليّون والسياسات العموميّة المحليّة (2015).
3. الفاعلون في السياسات العموميّة الترابيّة (2020).
4. النظام الاجتماعي القبليّ وأثر التربية الصوفيّة فيه- كتاب التصوف والعمران الروحي.. كتاب جماعي.





