افتتاح مركز النور المحمدي الثقافي في كورنيي: جسر جديد للتعايش والاندماج بشمال إيطاليا

إيطاليا تلغراف

 

 

 

 

 

عبد الله مشنون
كاتب صحفي مقيم في ايطاليا ومتابع للشأن السياسي
مهتم بالشؤون العربية قضايا الهجرة والبحث في الفكر والإسلام.

 

 

في قلب إقليم بييمونتي الخلاب حيث تتهادى الطبيعة العذبة لشمال إيطاليا وتاريخها العريق شهدت مدينة كورنيي حدثاً استثنائياً يتجاوز في دلالاته الرمزية مجرد قص شريط افتتاح مبنى جديد. إنه السبت 31 من أكتوبر لعام 2026 اليوم الذي تكللت فيه ثلاثة عشر عاماً من الصبر التخطيط والعمل الجماعي المضني ليتحول هذا المكان الذي كان في الأمس القريب ورشة لتصليح السيارات إلى منارة حضارية وثقافية متكاملة تحمل اسم النور المحمدي.

وبصفتي صحفياً مهنياً واكب حفل الافتتاح ونقله عن قرب لم تكن الملاحظة البصرية للمكان وحدها هي ما شد انتباهي بل ذلك التناغم الإنساني والروحي النادر الذي تجسد في الحضور الرسمي والمجتمعي الواسع. فقد تزيّن الحفل بضيوف كرام أضفوا على الافتتاح هيبة علمية وروحانية خاصة تقدمهم العلامة الجليل عدنان زهار والدكتور محمد المهدي منصور إلى جانب القارئ الفقيه إبراهيم الرواني. كما شهد الحدث حضوراً رسمياً لافتاً ضم عمدة المدينة ونائبته وعمداء القرى المجاورة وعدداً من المستشارين بالبلديات إلى جانب مسؤولين كبار من قوات الدرك الإيطالي والأمن وأعضاء الوقاية المدنية وممثلي الجمعيات الإيطالية المختلفة فضلاً عن حضور رئيس الكونفدرالية الإسلامية الإيطالية السيد مصطفى الحجراوي واعضاء من ممثلي المساجد والأئمة الوافدين من مختلف أنحاء منطقة بييمونتي إلى جانب نخبة من ممثلي المؤسسات الإيطالية ورجال الدين من مختلف الطوائف المسيحية وأبناء الجالية المسلمة والفاعلين الجمعويين المدنيين.

حين تتأمل في مسار هذا المشروع تدرك أن التحدي الحقيقي لم يكن في الجانب الهندسي أو في تمويل أعمال التجهيز بجهود الجالية المسلمة وحدها بل في قدرة هذا الفضاء على إعادة صياغة العلاقة بين الوجود المهاجر والمحيط المحلي الإيطالي. فالمركز وُلد ليكون فضاءً مفتوحاً للحياة للتعليم للشباب وللصلاة والدروس والمواعظ والخطب ولحوار مستدام. هذا التحول العميق يطرح أسئلة جوهرية حول طبيعة الوجود الإسلامي المؤسساتي في إيطاليا اليوم وهو ما قادني خلال هذه التغطية إلى الجلوس مباشرة مع الاستاذ مصطفى الحجراوي رئيس الكونفدرالية الإسلامية الإيطالية حيث طرحت عليه الأسئلة التالية وجاءت إجاباته كما يلي:

1- ما الذي تريدون أن يراه المواطن الإيطالي في هذه المؤسسة وهل هي موجهة حصراً للجالية؟
 إن الرسالة الأعمق لأي صرح ثقافي حقيقي هي أن تبقى أبوابه مشرعة أمام المجتمع بأسره. مركز النور المحمدي ليس جزيرة منعزلة بل هو جسر للتلاقي الإنساني. نحن نؤمن بأن التنوع الثقافي مصدر غنى لا قطيعة وأن الهدف الأسمى هو الانتقال من مجرد التعايش المادي إلى المشاركة الفعلية والبناء المشترك مع الجيران والمؤسسات المحلية.

2- كيف تواجه المؤسسة تحديات الأجيال الجديدة المولودة في إيطاليا لضمان توازنهم بين الهوية والاندماج؟
هذا هو التحدي الأبرز والأكثر إلحاحاً. شبابنا هم أبناء هذه الأرض وإيطاليا هي فضاء مستقبلهم الذي يصنعون فيه أحلامهم. دورنا ليس حصر تفكيرهم في الماضي بل تزويدهم بالأدوات المعرفية واللغوية والتربوية التي تجعلهم مواطنين واثقين بأنفسهم. إن الاعتزاز بالدين والأصول والوفاء للبلد الأصلي المغرب وتقاليده العريقة و هويتهم لا يناقض أبداً المواطنة الإيطالية الحقة بل يدعمها ويغنيها فالتمسك بالجذور الروحية والثقافية هو الحصن الذي يمنح الشباب الصلابة والاعتزاز بالذات ونحن نريد جيلاً فاعلاً، منفتحاً ومؤثراً في تنمية مجتمعه الإيطالي لا منعزلا على هامش محيطه.

3-في ظل النقاشات الدائرة حول الشفافية والتمويل ما هي الضمانات التي تقدمونها للمجتمع المدني والسلطات الايطالية؟
الثقة لا تُكتسب بالخطب والشعارات بل بالشفافية والالتزام الصارم بالقوانين و احترام التشريعات الإيطالية والوضوح التام في إدارة الموارد والتعاون المفتوح مع السلطات المحلية هي قواعد أساسية لا تقبل المساومة. إن نجاح المؤسسة يقاس بمدى ملامسة جيرانها والسلطات لأثرها الإيجابي في خدمة الصالح العام.

لم تنتهِ وقائع اليوم عند حدود الافتتاح أو الكلمات الرسمية بل امتدت بندوة فكرية رفيعة المستوى على شكل مائدة مستديرة حملت عنوان: القيم الدينية والمواطنة والتي أدارها باقتدار الشيخ إبراهيم يونغو. وشهدت المائدة مشاركة بارزة لكل من قسيس الرعية الكاثوليكية دون كلاوديو بايما روغيه وأستاذ القانون بجامعة أوريانتال بيدمونت روبرتو مازولا ورئيس الكنيسة الفالدسية بطورينو سيرجو فيلوتو. هذا الحوار الروحي والأكاديمي أثبت أن القاسم المشترك بين الأديان والثقافات في الفضاء العام هو بناء الإنسان وحفظ كرامته في إطار دستور يحمي حرية المعتقد ويؤطرها بالمسؤولية القانونية والمجتمعية بعيداً عن أي تجاذبات سياسية عابرة أثيرت حول التراخيص أو الشكوك الإدارية التي تبقى أمراً طبيعياً وخاضعاً للتحقق المؤسسي في دولة القانون.

إن افتتاح مركز النور المحمدي الثقافي الاسلامي في كورنيي ليس خط النهاية بل هو شارة البدء لمسار طويل من الاختبارات اليومية. فالمؤسسات الحية لا تقاس بفخامة مبانيها يوم الافتتاح بل بقدرتها المستدامة على تقديم الخدمات رعاية الشباب إشراك المرأة وبناء ثقة متبادلة لا تتزعزع مع الجوار.

لقد وُلد المركز القافي النورالمحمدي في قلب بييمونتي وباتت المسؤولية الآن ملقاة على عاتق إدارته ورواده لتحويل الحلم العمراني إلى واقع مجتمعي مضيء يعكس الوجه الأرقى للقيم الإسلامية الأصيلة ويثري التنوع بثراء الثقافة والهوية المغربية التي تمتد جذورها وتاريخها إلى اثني عشر قرناً وذلك كله في إطار روح الجمهورية الإيطالية وقيمها المشتركة.

 


شاهد أيضا

شاهد أيضا