فمهمة الصحافة، كما قال نجم خلال بودكاست “بعد البث” الذي تنتجه منصة أثير، هي الدفاع عن الحرية والتعامل مع الأحداث حسب أهميتها للناس، وليس التقيد بالمحظورات أو المجاملات أو ترتيب أهمية الأخبار وفق ما تراه الحكومة على سبيل المثال.
فالرجل الذي شارك في تأسيس عدد من أهم الفضائيات الدولية والعربية كالجزيرة والإخبارية السعودية و”بي بي سي” عربي والعربية، يحمل إرثا كبيرا من العمل الصحفي بدأه محررا متدربا في صحيفة “التعاون”، التي كانت تتبع اتحاد نقابات العمال المصرية في سبعينيات القرن الماضي.
أخبار مقترحة
والتحق نجم بكلية الإعلام، على خلاف رغبة والده الذي كان يريده مهندسا، فكان واحدا من خريجي الدفعة الثالثة من كلية الإعلام بجامعة القاهرة عام 1977. ثم عمل محررا بالإذاعة الموجهة لأفريقيا والموسوعة العربية المؤثرة بمؤسسة “فرانكلين”.
علاقة قديمة بالأخبار
وبدأت علاقة نجم بقنوات الأخبار عندما سافر للحصول على درجة الماجستير من الولايات المتحدة عام 1983، وبدأ متابعة “سي إن إن”، لتقوية لغته الإنجليزية، فضلا عن اهتمامه بالصورة الذي صقلته محبته للسينما وحضوره جلسات نقدية لتشريح الصورة في عدد من الأفلام.
كما عمل نجم لفترة مترجما في أحد المستشفيات السعودية، وهي فترة يرى أنه اكتسب منها معرفة بما وراء القصة الظاهرة من طبقات نفسية كان يكتشفها خلال تعامله مع أطباء ومرضى من جنسيات مختلفة، ويقول إن هذا الأمر ساعده لاحقا في عمله كرئيس تحرير لأنه كان يركز على ما وراء الحدث أكثر من تركيزه على الحدث نفسه.
وبعد فترة قضاها في هذه الوظيفة، التحق نجم عام 1986 بإذاعة هولندا التي أمضى فيها 8 سنوات يقول إنها أثرت خبرته الصحفية بشكل كبير لأنها كانت توفر مساحة كبيرة من الحرية للصحفيين، وفرصا للقيام بمهام متنوعة من التحرير إلى التغطيات الميدانية.
من الإذاعة إلى التلفزيون
ومن الإذاعة الهولندية، انتقل نجم إلى بريطانيا ليعمل في تلفزيون “بي بي سي”، الذي أكسبه خبرة جديدة إلى جانب خبرته كمحرر إذاعي، فأصبح أكثر إلماما بمختلف ألوان العمل الإخباري.
ويعتبر نجم نفسه محظوظا لأنه انخرط في العمل التلفزيوني في فترة شهدت اهتماما عربيا واسعا بتأسيس قنوات الأخبار، وكانت خبرته سببا في الاستعانة به لإطلاق العديد من الفضائيات بما فيها الجزيرة التي التحق بها في يونيو/حزيران 1996.
ولم يخف المدير الأسبق للأخبار بالجزيرة مخاوفه الأولى من سقف الحرية الذي سيُتاح له في قناة عربية ناشئة حتى تبدى له مع انطلاق القناة أن الدقة والموضوعية هما السقف، مشيرا إلى أن قيمة الحدث هي التي تحدد التعامل معه من عدمه وليس البلد الذي وقع فيه بما في ذلك أخبار دولة قطر التي يقول البعض إن الجزيرة لا تتعامل معها.
الحياد جريمة
وبعد هذه السنوات الطويلة من الخبرة، يرى نجم أن القيم الصحفية لا بد أن تكون ثابتة وإن اختلفت الممارسات وأساليب العمل، ويعتقد أن الحياد قد يتحول إلى تسطيح وربما “جريمة في بعض القضايا لأنه يعني غياب الموقف والمبدأ”، ويقول إن الجزيرة نفسها ليست محايدة ولكنها تطمح لأن تكون كذلك.
بالتالي، فإن الموضوعية هي الهدف وليس الحياد الذي يقول نجم إنه “غير أخلاقي وغير إنساني لأن لكل إنسان انحيازاته”، مشددا على ضرورة تقديم هذه الانحيازات بموضوعية دون تسطيح لا يصل بالمشاهد إلى ما يجب معرفته.
فالتعامل مع الحدث لا بد أن يبدأ بمعرفة تاريخه وتطوراته ومصالح أطرافه حتى يمكن الوصول لاستنتاج يمكن للمؤسسة تقديمه للجمهور بشكل موضوعي، بحسب نجم، الذي قال إن تسمية بعض الدول نفسها “جمهورية كذا الديمقراطية” لا يعني تقديمها كبلد ديمقراطي بعيدا عن ممارساتها.
ولا أدل على هذا من تعامل المؤسسات الغربية مع قضية فلسطين التي قال نجم إنها مرتبطة عندهم بمسميات ومصطلحات دينية وتاريخية رسختها إسرائيل في العقلية الغربية من قبيل “يهودا والسامرة” بدلا من الضفة الغربية و”جيروزاليم” بدلا من القدس، مشيرا إلى أن الجزيرة أعادت تعريف الشارع الغربي بالتسميات العربية.
المبدأ لا يتبدل
وحتى ترتيب أهمية الأخبار، يراها نجم مقيدة بما يخدم الجمهور بالدرجة الأولى، مشيرا إلى أن خبرا عن إيجاد علاج جديد للسرطان مثلا أكثر أهمية من تصريح جديد للرئيس الأمريكي دونالد ترمب بشأن الحرب، لأن الأول يهم مئات ملايين البشر حول العالم بينما الثاني يهم الدول المتأثرة بالحرب.
فأهم متطلبات القناة الإخبارية هي المصداقية والمهنية والجودة والسبق إذ لا يمكن لقناة دولية أن تتجاهل حدثا كبيرا في بلد ما، لأن هذا يشبه إطلاق النار على القدم، وفق نجم، الذي أكد أن المسؤولين القطريين كانوا أكثر حرية من بعض الموظفين، مما ساعد في الانطلاقة القوية للجزيرة.
فالإعلام الدولي، كما يفهمه نجم، يُفترض أن يمد الجسور بين الشعوب ويرسخ مكانة البلد الذي تعمل منه المؤسسة، مشيرا إلى أن اسم “سي إن إن” يذكّر المستمع بأمريكا فورا، و”بي بي سي” يذكره ببريطانيا، والجزيرة تذكر بدولة قطر.
صحيح أن الجزيرة تغيرت خلال سنواتها الثلاثين الماضية، وهو أمر طبيعي لأي مؤسسة لا تريد أن تموت، لكنها بقيت قوية وفي المقدمة، كما يقول نجم، مضيفا أن اتهامها بالانحياز ليس سياسة وإنما هو نتيجة الحكم على كلمة قالها مذيع في غير محلها أو رأي قدمه ضيف ولم يعجب جانبا من المشاهدين.
لذلك، يصر نجم على وصف الجزيرة بالنموذج الرائد والفريد في المنطقة العربية، ويرى أنها لم تكن بحاجة لدعاية لأن طريقتها وتغطياتها الجديدة على المنطقة هي التي صنعت مكانتها بسرعة، فضلا عن سرعتها ومواردها وكفاءة موظفيها وتفانيهم في العمل.
لكنّ الفكرة والتصور الأولي هو الأساس الذي جعل الجزيرة ما هي عليه، لأن الفريق والموارد ما كانا ليفعلا شيئا دون حماية للفكرة نفسها من القيادة السياسية التي يرى نجم أنها آمنت بالمشروع ووثقت به، حتى جعلته المؤسسة الإخبارية الأولى في العالم وليس في الوطن العربي فقط، حسب رأيه.
المصدر: الجزيرة





