ديفيد بولجر
خبير متخصص في العلاقات الحكومية والاتصالات والسياسات، ومستشار سياسي عمل بإدارتي كلينتون وبايدن.
لا تدور المعركة الأكثر أهمية في السياسة الأمريكية، قبيل انتخابات التجديد النصفي، بين الحزبين، بل داخل أحدهما؛ فالحزب الديمقراطي الذي عرفناه طوال ثلاثة عقود، يُدار من الوسط ويموّله كبار المانحين وتقوده قيادات مخضرمة، لم يعد كذلك، بل صار مظلة واسعة تتنافس تحتها تيارات متعددة، ويعلو بينها الجدل.
ويبرز في مقدمة هذه التيارات جيل جديد من التقدميين والاشتراكيين الديمقراطيين، قادما من قاعات النقابات، وروابط المستأجرين، والنشاط الطلابي في الجامعات، ومن سوق إسكان حرمت أسعارُها الباهظة جيلا كاملا من الأمريكيين من امتلاك مسكن.
ولم تعد مؤشرات هذا التحول مجرد شواهد متفرقة؛ فقد أمضى زهران ممداني، الاشتراكي الديمقراطي البالغ من العمر 35 عاما، عشرة أشهر في منصب عمدة مدينة نيويورك، بعد فوز ذي أبعاد تاريخية؛ إذ نال أكبر عدد من الأصوات يحصل عليه مرشح في تاريخ الانتخابات التمهيدية لمنصب عمدة المدينة، ثم أصبح أول مرشح لهذا المنصب منذ عام 1969 يتجاوز مليون صوت، في انتخابات شهدت أعلى نسبة إقبال منذ أكثر من نصف قرن.
واكتسح المرشحون الذين دعمهم، في يونيو/حزيران، الانتخابات التمهيدية للكونغرس في نيويورك، وأطاحوا في طريقهم بأحد النجوم الصاعدين في الحزب الديمقراطي، النائب دان غولدمان.
وفي أغسطس/آب تغلّب عبدول السيد، عالم الأوبئة- الذي يؤيد نظام تأمين صحي حكومي موحد يشمل الجميع، ويعارض المساعدات العسكرية الأمريكية لإسرائيل– على الخيار المفضّل لدى المؤسسة الحزبية للمقعد الشاغر عن ولاية ميشيغان في أمريكا في مجلس الشيوخ، بفارق أقل من نقطة مئوية، ليواجه اليوم الجمهوري مايك روجرز في سباق متقارب جدا.
ليس هذا خلافا تكتيكيا عابرا، بل صراعا على الهوية الأيديولوجية والجيلية للحزب، وقد مرّ الديمقراطيون بهذه التجربة من قبل.
ستون عاما من اقتحام البوابات
يندفع الديمقراطيون الشباب، مرة كل جيل تقريبا، لاقتحام بوابات الحزب من أجل إحداث تغيير حقيقي. ففي عام 1968 شاهد الطلاب الذين طرقوا الأبواب دعما لكل من يوجين مكارثي وروبرت كينيدي ضد حرب فيتنام، كيف ذهب الترشيح إلى هيوبرت همفري، الذي لم يخض انتخابات تمهيدية واحدة، بينما كانت الشرطة تنهال بالهراوات على المتظاهرين خارج مؤتمر الحزب في شيكاغو.
وأفضت هزيمتهم إلى ثورة في قواعد الترشيح؛ إذ انتزعت إصلاحات لجنة ماكغفرن-فريزر (وكان يرأس لجنة لإصلاح الترشيحات) قرار الترشيح من قادة الحزب وسلّمته إلى الناخبين في الانتخابات التمهيدية. ومنذ ذلك الحين، باتت التيارات الساعية إلى تغيير الحزب من الداخل، بما فيها حلفاء ممداني اليوم، تتحرك ضمن النظام الذي أرسى قواعده هؤلاء الشباب.
وبعد أربع سنوات، استطاع التيار المتمرد فرض مرشحه؛ فقد فاز جورج ماكغفرن بالترشيح على أساس إنهاء الحرب وتوسيع شبكة الأمان الاجتماعي، ثم خسر 49 ولاية. واستخلصت المؤسسة الحزبية درسا ما زالت تكرره منذ ذلك الحين: يستطيع اليسار أن يكسب الحزب، لكنه لا يستطيع الفوز بالرئاسة.
بيد أن السجل التاريخي للحزب يبدو أكثر تعقيدا من ذلك. فقد اكتسح “جيل ووترغيت” الكونغرس عام 1974، وأطاحوا برؤساء لجان احتفظوا بمناصبهم سنوات عديدة بحكم الأقدمية. واستقطبت حملتا “تحالف قوس قزح” بقيادة جيسي جاكسون عامي 1984 و1988 ملايين الناخبين الجدد، وفرضتا العدالة الاقتصادية وقضية نظام الفصل العنصري في جنوب أفريقيا على جدول أعمال الحزب. وترشّح غاري هارت بوصفه مرشح الأفكار الجديدة في مواجهة الآلة القديمة لـ”الصفقة الجديدة”.
جاءت أنجح ثورة جيلية، في الواقع، من تيار الوسط؛ فقد قدّم “الديمقراطيون الجدد” بقيادة بيل كلينتون أنفسهم بوصفهم قطيعة مع ماضي الحزب، وفازوا بتأييد الناخبين من خلال الجمع بين التغيير والحفاظ على الاستقرار. فالإجماع “النيوليبرالي” الذي يرفضه متمردو اليوم كان هو نفسه تمردا في يوم من الأيام.
جاء بعد ذلك هوارد دين، الذي ابتكرت حملته المناهضة للحرب عام 2004 التنظيمَ الإلكتروني القائم على التبرعات الصغيرة، ثم باراك أوباما، السيناتور في ولايته الأولى، الذي ركب عام 2008 الموجة الشبابية المناهضة للحرب ذاتها متجاوزا المرشح الأوفر حظا في الحزب.
وخسر بيرني ساندرز معركتي ترشيح، لكنه كسب الجدل حول “الرعاية الصحية للجميع”، والحد الأدنى للأجور البالغ 15 دولارا، وديون الطلاب. وأطاحت مرشحة غير معروفة، هي ألكساندريا أوكاسيو-كورتيز، عام 2018 بالرجل الرابع في قيادة الديمقراطيين بمجلس النواب، في انتخابات تمهيدية لم يكن أحد تقريبا يتوقع نتيجتها.
يبدو النمط متسقا. فالتمردات تعيد تشكيل الحزب في الغالب تقريبا، حتى حين تخسر. أما قدرتها على الفوز بالرئاسة، فتتوقف على مدى نجاحها في الجمع بين حيويتها ووعد موثوق بالحكم.
ما المختلف هذه المرة؟
يميّز أمران الموجة الحالية عن سابقاتها؛ ينبع اقتصادها أولا، من أزمة معيشية فعلية لا من نظرية. فالإيجارات، ورعاية الأطفال، وأسعار الوقود والبقالة، والديون الطبية، وارتفاع أقساط التأمين، ليست أمورا مجردة بالنسبة إلى الناخبين دون الأربعين. وقد فاز ممداني بوعود تجميد الإيجارات، والحافلات المجانية، ورعاية الأطفال الشاملة.
وجعل عبدول السيد “الرعاية الصحية للجميع” محور حملته الانتخابية لمجلس الشيوخ في ولاية متأرجحة. وأصبحت الدعوة إلى فرض الضرائب على الشركات وكبار الأثرياء، التي كانت يوما موقفا هامشيا، تحظى بتأييد كبير من أنصار الحزب.
وثانيا وهو الأهم أن الحركة الجديدة ابتعدت أيضا عن التوجهات التقليدية للسياسة الخارجية في واشنطن. فلم يحدث منذ فيتنام أن جعل تمرد ديمقراطي من حرب في الخارج اختباره المركزي للضمير. وقد فعلت إيران وغزة لهذا الجيل ما فعلته جنوب شرق آسيا لمتطوعي مكارثي؛ إذ أقنعتاه بأن قادة الحزب ليسوا حذرين فحسب، بل هم متواطئون أيضا.
وقبل عقد من الزمن، كان من الصعب تصور أن يعلن مرشح ديمقراطي لمجلس الشيوخ عن ولاية ميشيغان معارضته للمساعدات العسكرية الأمريكية لإسرائيل.
ينطوي هذا التحول على مخاطر حقيقية؛ فهو يقسم الائتلاف ويمنح الخصوم سلاحا. فقد استقبل الرئيس ترمب فوز عبدول السيد في الانتخابات التمهيدية بوصفه شيوعيا معاديا لليهود، في لمحة مسبقة عمّا سيواجهه أي مرشح وطني من هذا الجناح. لكنه يعكس أيضا المواقف التي يتبناها الناخبون الديمقراطيون الأصغر سنا بالفعل.
هل يستطيع أحدهم الوصول إلى البيت الأبيض؟
لنبدأ بحقيقة محرجة: لا يستطيع الوجه الأبرز في الحركة ذلك. فممداني، المولود في أوغندا والحاصل على الجنسية الأمريكية عام 2018، غير مؤهل دستوريا للرئاسة. ويقتصر دوره على أن يكون “صانع الملوك” والدليل العملي على صحة الفكرة، لا المرشح.
وتبرز أسماء أخرى مرشحة لتمثيل هذا التيار في السباق الرئاسي: أوكاسيو-كورتيز، التي تجاوزت الآن بكثير السن الدستورية المطلوبة للترشح وتشارك بانتظام في الحملات الانتخابية في الغرب الأوسط؛ وعبدول السيد، إن فاز اليوم؛ فضلا عن احتمال ظهور شخصية جديدة غير معروفة على الساحة الوطنية، كما كان حال باراك أوباما عام 2004.
ولا ينبغي أن ننسى أن مرشحين أكثر اعتدالا، مثل جون أوسوف وبيت بوتيجيج وجيمس تالاريكو، قد يكونون في الانتظار خلف الكواليس. وجميعهم شباب، يملكون القدرة على الخطابة، ويتمتعون بجاذبية كبيرة لدى حملة الشهادات الجامعية والعمال، ولدى ناخبي الريف والمدن على السواء.
تبدو العقبات حقيقية، وقد كشفها هذا العام. فقد خسرت فرانشيسكا هونغ، الاشتراكية الديمقراطية (هل تتذكرون فكرتها لحظر عيد الشكر؟) التي تصدّرت الاستطلاعات في سباق حاكم ويسكونسن، انتخاباتها التمهيدية بفارق أقل من نصف نقطة.
وصدّ السيناتور جون هيكنلوبر تحديا تقدميا في كولورادو. وتُحسم الرئاسة في ضواحي فينيكس وأتلانتا وشيكاغو وفيلادلفيا، بين ناخبين يتوجّسون من كلمة “اشتراكي”. وسيواجه أي مرشح من هذا الجناح هجوما سخيّ التمويل بشأن إسرائيل والجريمة والضرائب.
تتوافر، مع ذلك، الظروف التي تُنتج رؤساء متمردين. فقد كان كارتر حاكما لم يخدم سوى ولاية واحدة، ولم يسمع به إلا قلة. وكان أوباما قد أمضى عامين في مجلس الشيوخ. وفاز كلاهما لأن الناخبين أرادوا قطيعة تامة مع وضع قائم فقد مصداقيته.
وتوفّر ولاية ترمب الثانية، التي تنتهي عام 2029، مع قيادة ديمقراطية متقدمة في السن تنتظر في الكواليس، تلك الفرصة تحديدا. وقد وجد استطلاع أجرته جامعة “ماريست” في أكتوبر/تشرين الأول أن عبدول السيد يتفوق بين الناخبين المرجّح تصويتهم من “جيل زد” (Gen Z) وجيل الألفية بنسبة 68% مقابل 28%، أي بأكثر من الضعف، وشارك أوباما نفسه في حملته في ديترويت الشهر الماضي. وإذا فاز بميشيغان، الولاية التي رجّحت كفة ترمب عامي 2016 و2024، فستفقد الحجة المشككة في قدرة جناحه على الفوز كثيرا من قوتها.
المبادئ والهدوء
لا يتمثل درس العقود الستة الماضية في أن اليسار لا يستطيع الفوز، بل في أن التمردات تفوز حين تكفّ عن أن تبدو احتجاجا، وتُظهر قدرتها على تحمّل مسؤوليات الحكم.. فقد قدّم ماكغفرن المبادئ، وقدّم أوباما المبادئ والنهج الهادئ معا. ويوحي قرار ممداني الإبقاء على جيسيكا تيش مفوضة للشرطة بأن بعض أبناء هذا الجيل، على الأقل، يدركون الفرق.
هل يمكن لشخصية من هذه الحركة أن تصل إلى البيت الأبيض؟ نعم؛ أسرع مما تريد المؤسسة الحزبية أن تصدّق، وأبطأ مما يأمل ناشطو الحركة. وتصل الإجابة الحقيقية الأولى ليلة الثلاثاء في ميشيغان.
الآراء الواردة في هذا المقال تعبر عن آراء كاتبها ولا تمثل بالضرورة التوجه التحريري لجريدة إيطاليا تلغراف





