في الذكرى 51 للمسيرة الخضراء.. محمد السادس “الفاتح”

 

 

 

بقلم: عزيز لعويسي

 

 

بالتزامن مع الذكرى الأولى لعيد الوحدة، يحتفي الشعب المغربي قاطبة، بالذكرى الواحدة والخمسين للمسيرة الخضراء المظفرة، التي ظلت منذ سنة 1975، مرآة عاكسة لملك عبقري جمع بين التحدي والدهاء السياسي، نجح في إخراج واحدة من أعظم البطولات والملاحم الكفاحية، التي طبعت تاريخ العالم المعاصر، وأفلح في إحداث ما يشبه زحزحة القارات، وسط شعب مغربي لبى نداء الوطن، فكان بذلك، شريكا حقيقيا في مسيرة سلمية خضراء، لم يرفع فيها سلاح، إلا قرآن كريم وإيمان متطوعين هبوا مثنى وثلاث ورباع .. لنصرة الوطن، في سياقات جيوسياسية إقليمية ودولية، اقتضت تحمل واجبات المواطنة، دودا عن وحدة الأرض وسلامة التراب.

واليوم، ورغم مرور نحو خمسة عقود من الزمن، على هذه الملحمة النضالية الكبرى التي ترصع قلادة منجزات الحسن الثاني الملك الباني، لازالت روحها مترسخة في العقول وحاضرة بقيمها الوطنية الحقة، في الوجدان، وسارت ذكرى مجيدة جامعة للأمة المغربية، تعززت اليوم بعيد الوحدة، وحدثا سعيدا يربط بذكاء بين الأجيال المتعاقبة، ويساهم في صمت، في تقوية أواصر التلاحم بين ملك، يضطلع بأدوار القائد والمهندس والملهم والموحد والجامع، وشعب مغربي صابر ومكافح، كان وسيظل حصنا حصينا للوطن.

بين ملك حسن، تملك العبقرية والتحدي، سجل له التاريخ هندسة ملحمة المسيرة الخالدة، في عز اشتداد حرارة الحرب الباردة والصراع الحاد بين الشرق والغرب، وملك استراتيجي، حمل ثقل أمانة المسيرة وأعباء قضية المغاربة الأولى، قد تختلف الظروف والسياقات الجيوسياسية والاستراتيجية الإقليمية والدولية، لكن الثابت، أن المسيرة الخضراء، لم تعد فقط، حدثا نضاليا عابرا، في متحف ذاكرة الكفاح الوطني، بل تحولت إلى روح تملكت المغاربة قاطبة بكل انتماءاتهم ومستوياتهم، وعيدا مجيدا جامعا وموحدا، رابطا كالعروة الوثقى، بين أمجاد النضال والكفاح، ومسؤوليات صون أمانة حماية الأرض وتزكية السيادة على مناطق، أعادتها مسيرة فتح المجيدة، إلى أحضان الوطن.

المسيرة الخضراء المظفرة بروحها وفلسفتها وقيمها الحقة، تحولت في عهد الملك محمد السادس، إلى قوة دافعة نحو فتوحات دبلوماسية مستدامة مبينة، حركها ويحركها “صمت استراتيجي” موجع، و”دهاء سياسي” أربك الخصوم والأعداء، وأسقط بالكاو ما يحملونه من أوهام ومؤامرات ودسائس، وعبأ المنتظم الدولي حول عدالة القضية المغربية الأولى، وغير بأناقة وتبصر، الكثير من المواقف الإقليمية والدولية، التي ظلت لعقود من الزمن، تتعامل مع قضية الوحدة الترابية للمملكة، من موقع العداء والمعاداة، أو الابتزاز والاستفزاز ، أو التردد أو الحياد، والنتيجة العصية على الفهم والإدراك، بالنسبة للعالم الآخر ومن يدور في فلكــه، ميلان محور أكثر من ثلثي الدول الأعضاء في الأمم المتحدة للطرح المغربي، القائم على الاعتراف بسيادة المغرب على صحرائه، في إطار مبادرة الحكم الذاتي، التي باتت اليوم محل إجماع دولي، في وقت لازال فيه أعداء الشر، يغردون كالحمقى والمجانين، خــــارج السرب .

فتوحات الملك محمد السادس في ملف الصحراء المغربية، بدأت مبكرا، بتقديم مبادرة الحكم الذاتي سنة 2007، التي صمدت لنحو عقدين من الزمن، وباتت اليوم محل إجماعي دولي، وموضوع مرجعية قانونية وشرعية دولية، استحضارا لقرار مجلس الأمن الدولي رقم 2797 الصادر في 31 أكتوبر 2025، في وقت ذاب فيه جليد تقرير المصير ووهم الانفصال، وتبخرت فيه أحلام الجمهورية المزعومة ومن يحركها من وراء حجـــــاب، ومنذ طرح هذه المبادرة المتبصرة، توالت الفتوحات الدبلوماسية تباعا، بدءا بانتزاع اعتراف أمريكي غير مسبوق بمغربية الصحراء أواخر سنة 2020، كان أشبه باعتراف “رد الجميل”، بعد أن كان المغرب، أول دولة في العالم تعترف بالولايات المتحدة الأمريكية الناشئة، وهذا الاعتراف غير المسبوق، شكل ليس فقط، ضربة موجعة لنظام الشر ومن معه، بالنظر إلى ثقل الولايات المتحدة الأمريكية في المجال العالمي، بل ومنــح الدبلوماسية المغربية، ما يلزم من القوة والشجاعة، لاقتحام المزيد من القلاع المنيعة، في وقت واجه فيه الملك محمد السادس، الدول التي تلعب على حبل “ازدواجية المواقف”، برسالة حازمة وجريئة، مفادها أن ” ملف الصحراء هو النظارة التي ينظر بها المغرب إلى العالم، وهو المعيار الواضح والبسيط، الذي يقيس به صدق الصداقات، ونجاعة الشراكات”، انتظر من خلالها جلالته، من بعض الدول، من شركاء المغرب التقليديين والجدد، التي تتبنى مواقف غير واضحة، بخصوص مغربية الصحراء، “أن توضح مواقفها، وتراجع مضمونها بشكل لا يقبل التأويل”. (مقتطف من الخطاب الملكي بمناسبة الذكرى 69 لثورة الملك والشعب).

وفي هذا الصدد، وبعد الحصاد الدبلوماسي الأمريكي، نجحت الدبلوماسية المغربية بقيادة الملك محمد السادس، من انتزاع مواقف أوربية لا تقل أهمية، ومنها الموقف الإسباني سنة 2022، الداعم لسيادة المغرب على صحرائه في إطار مبادرة الحكم الذاتي، الذي كانت له أهمية بالغة، بالنظر إلى الماضي الاستعماري الإسباني بالمنطقة، ما يجعلها على بينة من الحقائق أكثر من غيرها، والموقف المتقدم الذي عبرت عنه فرنسا سنة 2024، والتي أكدت من خلاله أن “حاضر ومستقبل الصحراء الغربية يندرجان في إطار السيادة المغربية”، معتبرة أن “خطة الحكم الذاتي تبقى الأساس الوحيد للحل”، وموازاة مع ذلك، توالت الاعترافات الدولية بمغربية الصحراء، واتسعت دائرة الإجماع الدولي حول مبادرة الحكم الذاتي، التي تمت تزكيتها، في ضوء قرار مجلس الأمن الدولي رقم2797، الذي شكل فتحا دبلوماسيا مبينا، عجل بقرار ملكي، يقضي بجعل يوم 31 أكتوبر من سنة، عيدا للوحدة الوطنية، في إشارة دالة، على نهاية وشيكــة للملف.

فتوحات رصينة ذات نفس استراتيجي، لم تتوقف فقط، عند حدود حشد المنظم الدولي حول مغربية الصحراء، واقتحام خلوة القلاع التي ظلت على امتداد خمسة عقود من الزمن، داعمة للعالم الآخر وموالية لأطروحته العدائية تجاه المغرب ووحدته الترابية ومصالحه الحيوية، بل وامتدت علاوة على ذلك، نحو فتوحات التنمية الشاملة بأبعادها البشرية والاجتماعية والاقتصادية، بما يدعم قدرات المملكة ويضعها على سكة الصعود والنهوض، وينهض بأوضاع المواطنات والمواطنات، ليكونوا في صلب معركة الإقلاع التنموي الشامل، وفي هذا الإطار، فمن مشروع المبادرة الوطنية للتنمية البشرية التي أعطى الملك محمد السادس انطلاقتها سنة 2005 للتصدي لمختلف مظاهر الفقر والهشاشة والإقصـــاء الاجتماعي، إلى العناية بالتعليم الأولي والتربية والتكوين والتأهيل المهني والرياضة، مــرورا بتنزيل مشروع الحماية الاجتماعية، والارتقاء بمستوى الصحة العمومية، وانتهاء بالأوراش المفتوحة في مجال البنيات التحتية والأشغال الكبرى، ومن الانخراط الآمن والمتبصر في حركية التجارة العالمية عبر سياسة الموانئ الكبـــرى، وفي طليعتها “طنجة المتوسط” و”الناظور غرب المتوسط” و”الداخلة الأطلسي”، إلى دعم القدرات الصناعية والعسكرية والأمنية، ومن وضع الأقاليم الجنوبية للمملكة في صلب نموذج تنموي، غير ملامــح وجه الصحراء المغربية على مستوى المعمار والبنيات التحتية والمشاريع التنمويــــــة، إلى إطلاق نموذج تنموي جديد يراهن على جيل من البرامج والمخططات التنموية الدافعة نحو تقليص الفوارق المجالية وضمان الحق في التنمية العادلة، هي صور ومظاهر من ضمن أخــــــرى، عاكسة لاستراتيجية ملكية، جعلت من التنمية، قوة دافعة نحو خدمة المسألة الترابية ودعمها وتعزيزها، ومن ملف النزاع المفتعل حول الصحراء المغربية، مرتكزا للبناء والنماء وتطويــــر القدرات الذاتية، وبدون شك، فالأجيال السابقة، تدرك أكثر من غيرها، حجم الدينامية التنموية التي تحققت في عهد الملك محمد السادس، وتستوعب مكانة مغرب اليوم، مقارنة مع مغرب الأمس، وتقدر كيف كانت الصحراء زمن المسيرة الخضراء، وكيف تحولت اليوم إلى أقطاب حضرية عصرية ومزدهـرة، تضاهي كبريات المدن المغربية.

محمد السادس أو “محمد الفاتح” أدار ملف الصحراء بما يلزم من الحكمة والتبصر والحزم والجاهزية والاستعداد، جاعلا المسألة التنموية والمصالح المتبادلة في إطار معادلة رابح -رابح ، دافعا لتوسيع شبكة الأصدقاء والشركاء والحلفاء، بما يدعم السيادة على التراب، ويكبح جماح مؤامرات ودسائس خصوم وأعداء الوطن، وفي هذا الصدد، فكما سجل التاريخ للملك الحسن الثاني إخراج وتوقيع ملحمة المسيرة الخضراء، يسجل التاريخ لخلفه ووارث سره الملك محمد السادس، إطلاق مبادرات استراتيجية من العيار الثقيل داعمة في فلسفتها، لمغربية الصحراء، ومنها على الخصوص المشروع الاستراتيجي “أنبوب الغاز الإفريقي الأطلسي” نيجيريا -المغرب، الذي لم يجهز فقط، على حلم مشروع نظام العالم الآخر في الظفر بمشروع أنبوب غاز بديل عابر للجزائر، بل وقدم لإفريقيا ما تحتاجه من تنمية وازدهار وأمن واستقرار وتعاون وتلاحم واندماج، و”المبادرة الأطلسية الإفريقية”، الدافعة نحو تحويل الواجهة الأطلسية الإفريقية إلى فضـــاء للتواصل والازهار والعيش المشترك والاندماج القـــــاري، بما في ذلك، “مبــادرة تمكين دول الساحل الحبيسة من الوصول إلى الواجهة الأطلسية للمغرب”، ضمانا لحقها في التواصل والانفتاح على التجارة العالمية، وبالموازاة مع الرهان على العمق الإفريقي، راهن الملك محمد السادس، على سياسة الانفتاح على الخارج، عبر الانخراط في عدد من الاتفاقيات والشراكات والتحالفات الاستراتيجية الوازنـــة، مع الأشقاء بالخليج العربي، ومع قوى دولية وإقليمية وازنة، على رأسها الدول دائمة العضوية بمجلس الأمن الدولي، في إطار دبلوماسية متوازنة، معبرة عن قيم مملكة عريقة، تتملك قيم الأخوة والصداقة والسلام والتسامح والعيش المشترك.

فتوحات “محمد الفاتح” بأبعادها الدبلوماسية والتنموية والاستراتيجية والتواصلية والإشعاعية، كرست المغرب، دولة ذات مصداقية، آمنة ومستقرة وطموحة، لها مكانتها وأهميتها الجيوسياسية والاستراتيجية، في محيط إفريقي يواجه تحديات الجريمة والإرهاب ونعرات الانفصال، وأتاحت كل الظروف الممكنة، لكسب معركة تحصين الصحراء المغربية، ومكنت من إنتاج بيئة محلية، دافعة نحو النهوض وإدراك الصعود، وهذه الفتوحات المتعددة الزوايا، هي أسلوب حكم ومنهجية تدبيــر، مبنية على الصمت والصبر والثبات والقراءة العميقة للسياقات والظرفيات.

وفي هذا الإطار، نوجه البوصلة نحو ما حدث في مجلس الأمن الدولي خلال اجتماعه المنعقد في 30 أكتوبر 2026، والذي انتهى دون قرار، بعد إشهار سلاح “الفيتو الروسي” و”الفيتو الأمريكي المضاد”، وقد أجادت الدبلوماسية المغربية استثمار ما حصل من تضارب بين الموقفين الأمريكي والروسي، وكانت النهاية التي انتظرها المغرب نحو 35 سنة، عدم تمديد مهمة بعثة الأمم المتحدة لتنظيم الاستفتاء في الصحراء الغربية (المينورسو)، التي ظلت لفترة طويلة “أداة لتدويل النزاع الإقليمي المتعلق بالاسترجاع المشروع للمملكة المغربية لأقاليمها الصحراوية”، مما شكل منعطفا بــارزا، وخطوة ذات دلالة كبــرى في اتجاه الطي النهائي لملف الصحراء المغربية داخل أروقة الأمم المتحدة، فرضت اتخاذ التدابير اللازمة، فيما يتعلق بمواكبة عملية تصفية وانسحاب البعثة الأمميــة في ظروف سلسة ومنظمة، مع ما سيترتب عن هذا المستجد، من خطوات دبلوماسية دافعة في اتجــاه وضع حد لإحالة هذا الملف على مجلس الأمن وسحبه من جدول أعماله، بالموازاة مع الالتزام بالتمسك بوقف إطــلاق النار، واحترام سلامة ووحدة الأراضي المغربية، ومواصلة الدينامية الدولية الداعمة لمبادرة الحكم الذاتي تحت السيادة المغربية.

في ذات السياق، ومواكبة منه لهذه التحولات والمتغيرات غير المسبوقة، وفي إطار عنايته بقضية الوحدة الترابية للمملكـــــــة، وحرصه الدائم على رعاية مصالح رعاياه بالصحراء المغربية، ترأس الملك محمد السادس، يوم 4 نونبر 2026، بالقصر الملكي بالرباط، جلسة عمل خُصِّصت لمتابعة مرحلة ما بعد انتهاء مهام بعثة الأمم المتحدة، وخلال أشغال هذه الجلسة، التي حضرتها السيدة فاطمة الزهراء المنصوري رئيسة الحكومة، ومستشار جلالة الملك السيد فؤاد عالي الهمة، والسيد عبد الوافي لفتيت وزير الداخلية، والفريق أول محمد بريظ المفتش العام للقوات المسلحة الملكية وقائد المنطقة الجنوبية، أكد جلالته، حسب بلاغ للديوان الملكي، على الأولويات الواردة في بلاغ الديوان الملكي المؤرخ في 30 أكتوبر الماضي، والمتمثلة في الاحترام التام لسلامة أراضي المملكة ووحدتها، وأمنها الوطني، وطمأنينة مواطنيها، لا سيما ساكنة الأقاليم الجنوبية، مشددا في هذا الصدد، على “التفعيل الحازم واليقظ لهذه الأولويات، كلٌّ في مجال اختصاصه، بما يعزِّز الإجماع الوطني، ويكفل مواصلة المشروع التنموي للأقاليم الجنوبية والمشاريع المهيكلة له، مع متابعة لكل التطورات التي سيعرفها ملف قضيتنا الوطنية، على كافة المستويات”، مع تأكيد “احترام المملكة لالتزاماتها الدولية، ووفائها بعقيدتها الدبلوماسية القائمة على الحفاظ على السلام والإسهام فيه والسَّعي بكل السُبل إلى تحقيقه، مع صَوْن سيادة المملكة، في استحضار لكل المتغيِّرات الإيجابية التي عرفتها قضيتنا الوطنية، وللزَّخَم الدبلوماسي الذي صاحبها” كما ورد في ذات البلاغ الصادر عن الديوان الملكي.

هي إذن، منهجية ملك متبصر، واستراتيجية “قائد فاتح’‘، ورث عن والده الحسن الثاني، واحدا من الملفات الثقيلة والشائكة والمكلفة، فكان في مستوى المسؤولية والأمانة والعهد، بعدما نجح في تدبير النزاع المفتعل حول الصحراء المغربية، بما يلزم من الحكمة والتبصر والواقعية والخبرة، في سياقات جيوسياسية إقليمية ودولية صعبة وشاقة، ويسجل له التاريخ أنه صان الوحدة الترابية للمملكة، وحافظ على الصحراء التي جعلها محل إجماع المغاربة قاطبة، مؤكدا في هذا الصدد “الصحراء ليست قضية الصحراويين وحدهم. الصحراء قضية كل المغاربة … الصحراء قضية وجود وليست مسألة حدود. والمغرب سيظل في صحرائه والصحراء في مغربها، إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها.”(مقتطف من الخطاب الملكي بمناسبة الذكرى 39 للمسيرة الخضراء)، وهي ذات نظرة والده الحسن الثاني الذي ترك أقوالا شهيرة بشأن القضية الغربية الأولى، منها ” لا نريد للعالم أن يعترف بمغربية الصحراء، فنحن في صحرائنا، بل نريــــد من العالم أن يعرف من هم الجيران الذين حشرنا الله بجانبهم”، ومنها أيضا “أن أتنازل عن عرشي أهون لدي من أن أتنازل عن شبــر واحد من الصحراء”.

ملك فاتح، تحضر بصمته في المحافظة على سلامة الأرض والتراب، وحشد المنتظم الدولي حول مغربية الصحراء، ووضع المملكة بما فيها مدن وأقاليم الجنوب على سكـــة البناء والنماء والازدهـار، ودعم القدرات الاقتصادية والعسكرية والأمنية للمملكة، وانخرط بشكل واع ومسؤول في شبكــة من الصداقات والشراكات والتحالفات الاستراتيجية، بما يدعم وحدة التراب، ويضمن كسب رهان الصعود والنهوض.. ملك فاتح بقدر ما انشغل بصون الوحدة الترابية، وكسب رهانات التنمية الشاملة، بقدر ما حمل مبكرا هم إفريقيا والأفارقة، وحرص ما استطاع إلى ذلك سبيلا، على مد جسور الأخوة والصداقة والتعاون مع عدد من البلدان الإفريقية، تعزيزا للتعاون جنوب-جنوب، خدمة لقارة إفريقية آمنة ومستقرة ومتعاونة ومزدهرة، بناء على ما أطلقه من مبادرات استراتيجية في طليعتها “أنبوب الغاز الإفريقي الأطلسي”، وما أبرمه من اتفاقيات شراكة وتعاون مع عدد من البلدان الإفريقية الشقيقة والصديقة.. ملك فاتح، لم يجرفه تيار الانفصال ولا نعرات الابتزاز والاستفزاز من جانب خصوم وأعداء الوحدة الترابية، وظل ليس فقط، محافظا على أقصى درجات الانضباط والحكمة والتعقل، أمام انحرافات النظام الجزائري، بل ومستمرا في نهج “سياسة اليد الممدودة”، التي كانت تبحث عن مسؤولين و رجالات دولة حقيقيين، يدركون ثقل فاتورة العداء الخالد للمغرب ووحدته الترابية، ويستوعبون أن “المغرب في الصحراء والصحراء في مغربها”، ويفهمون أن القوة، في التعاون والاندماج وحل المشكلات والأزمات القائمة، باللين والحسنى والحوار الجاد والمسؤول، لكن صوت العداء كان أقوى من صوت البناء والنماء، وجدار الحقد، كان سدا منيعا، أمام “يد ممدودة” ، تحركت وسط زحمة العداء، مراعاة للأخوة والدين وحسن الجوار والتاريخ والمصير المشترك…

والمطلوب اليوم، ونحن نعيش أجواء الأعياد المجيدة (الوحدة، المسيرة الخضراء، الاستقلال)، أن نستحضر ما تمر منه قضية الوحدة الترابية من تطورات إيجابية، تستدعي المزيد من التعبئة واليقظة والجاهزية والاستعداد، والالتفــاف حول قائد الأمة وموحدها وجامعها “محمد السادس.. الفاتح”، بما يدفــــــــــــــــــــــــع في اتجاه الطي النهائي لهذا الملف، ويضمن التنزيل الأمثل لمختلف مشاريع التنمية المجالية، ويحصن البلاد والعباد، من كافة الممارسات الفاسدة والعابثة، التي تعرقل عجلة الوطن، وتمنعه من فرص النهوض والصعود، ونستحضر علاوة على ذلك، ما تحمله الآبــاء والأجداد، من متاعب ومشاق ومحن، في سبيل الحريــة والاستقلال، ومن هندس المسيرة الخضراء وأخرجها بإتقان، ومن أطرها ونظمها وشارك في طقــوسها ويومياتها الخالدة، دفاعا عن الوحدة الترابية للمملكة، التي لم تستكمل حلقاتها بعد، أخذا بعين الاعتبار ملف سبتة ومليلية والجزر المحتلة حتى اليوم، من قبل الإسبــان في انتهاك صريح للتاريخ والجغرافيا، فضلا عن ملف الصحراء الشرقية المسروقة.

ولا يمكن أن نتــرك الفرصة تمر، دون الترحم على الملكين الراحلين محمد الخامس والحسن الثاني طيب الله ثراهما، وعلى أرواح جميع شهداء الوحدة الترابية، وفي طليعتهم أفراد القوات المسلحة الملكية والدرك الملكي والأمن الوطني والقوات المساعدة، وكل من قضى دفاعا عن الوطن، مع التنويه بالضباط والجنود الأشــاوس المرابطين في ثغور الصحراء وعلى امتداد الحدود، دفاعا عن وحدة الأرض وسلامة التـــراب، وبالعيون الساهرة على حماية أمن الوطن وطمأنينة المواطنين،، وبكل النزهاء والصلحاء، الذين يصنعون مجد الوطن، بمسؤولية وتضحية ونزاهة ونكـــران ذات…

ونختم بالقول، إذا كان التاريخ قد سجل للسلطان العثماني محمد الثاني، فتح القسطنطينية غضون أواسط القرن الخامس عشر، وعرف تبعا لهذا الفتح العظيم، بلقب “الفاتح”، فيحق لنا كمغاربة، الافتخار بالملك محمد السادس، ونرتقي به إلى مكانة “الفاتح”، وهذا ليس بعزيز ولا بغال على ملك، غير وجه المغرب تماما، مقارنة مع الوضع السابق، وأبلى البلاء الحسن في النزاع المفتعل حول الصحراء المغربية، لقاء ما حققه من فتوحات دبلوماسية مبينـــة، زكت الصحراء في مغربها والمغرب في صحرائه، ودبر العلاقات الخارجية، سيما مع القوى الكبرى، بما يلزم من الذكاء والتبصر والتوازن والواقعية والبراغماتية، ما أكسب المغرب، الثقة والمصداقية والاحترام على الصعيد الدولي، ورصـــع قلادة الذكريات والأعياد الوطنية، بعيد “الوحدة”، وفاء لروح المسيرة الخضراء المظفرة، واحتفاء بنصف قرن من الإجهاد الدبلوماسي، ترسيخا لمغربية الصحراء .. نتمنى لجلالته، دوام الصحة والعافية، ويحقق الوطن في ظله، ما يستحقه من وحدة وأمن واستقرار وازدهار.


شاهد أيضا

شاهد أيضا