الحدود الشفافة للدول والمبادرة الأطلسيّة: حين تتحول الجغرافيا من حدودٍ فاصلة إلى آفاقٍ للتكامل الاستراتيجي..!

 

 

 

 

*الدكتور شَنْفَار عَبْدُ اللَّه

 

 

قد تبحث دولة عن منفذ جغرافي إلى المحيط الأطلسي عبر صناعة منطقة عازلة أو غلاف جيوسياسي، وتوظيف نزاع إقليمي لإعادة تشكيل موازين النفوذ؛ بينما تستطيع بلوغ المجال الأطلسي نفسه من خلال منطق مختلف تماماً، قوامه التعاون الإقليمي وتكامل المصالح واستثمار اليد الممدودة عبر المبادرة الأطلسية.

تلك هي المفارقة بين عقل استراتيجي لا يرى في الحدود نهايةً للمجال الحيوي للدولة، وعقل آخر لا يزال أسير جغرافيا الصراع وحسابات التوسع والاحتواء.

ليست الدولة التي تُحسن تدبير شؤون بلادها وعبادها هي تلك التي تقف عند حدودها الجغرافية الطبيعية، أو تحصر مجالها الحيوي فيما ترسمه الخرائط من خطوط فاصلة؛ بل هي الدولة التي يمتد تفكيرها الاستراتيجي إلى ما وراء حدودها، ويتجاوز البحر الأبيض المتوسط والصحاري والبحار والمحيطات، لتبني لنفسها امتدادات اقتصادية وتجارية وثقافية وإنسانية، تجعل من الجغرافيا مجالاً للتواصل والتفاعل وتبادل المصالح، لا حاجزاً للعزلة أو ذريعةً للصراع.

وهنا تبرز أهمية مفهوم «الحدود الشفافة للدولة» في فهم التحولات التي تعرفها الجغرافيا السياسية والعلاقات الدولية؛ فالحدود، في هذا التصور، لا تفقد وظيفتها السياديّة والقانونيّة، لكنها لا تعود إطاراً مغلقاً يحاصر حركة الدولة ومجالات تأثيرها.

إنها تتحول، بفعل تدفقات التجارة والاستثمار والمعرفة والأشخاص، وشبكات التعاون والممرات الاستراتيجية، إلى تخوم نافذة تسمح بتجاوز الحواجز الجغرافية الطبيعية، وتوسيع المجال الحيوي للدول خارج امتدادها الترابي المباشر.

وبذلك، لا تُقاس قوة الدولة فقط بمساحة أرضها أو طول سواحلها أو عدد منافذها البحرية، وإنما أيضاً بقدرتها على بناء علاقات وممرات وشبكات مصالح تجعل جغرافيتها السياسية والاقتصادية أوسع من جغرافيتها الطبيعية. فالدولة التي لا تطل على محيط ما ليست بالضرورة دولة محاصرة عنه، كما أن الدولة التي تملك منفذاً بحرياً ليست بالضرورة قادرة على تحويله إلى رافعة استراتيجية للتنمية والتأثير.

ولنضرب مثالاً يقرّب المعنى: إن الجزائر، بوصفها دولة متوسطية ذات امتداد إفريقي، ليست في حاجة إلى البحث عن منفذ أطلسي عبر صناعة غلاف جيوسياسي صحراوي، أو توظيف جبهة البوليساريو في نزاع الصحراء المغربية، إذا كان الوصول إلى الفضاء الأطلسي ممكناً من خلال منطق التكامل الإقليمي والمصالح المشتركة.

فالمبادرة الأطلسية التي أطلقها جلالة الملك محمد السادس في نونبر 2023، لتمكين دول الساحل من الولوج إلى المحيط الأطلسي، تقدم نموذجاً مختلفاً في التفكير الاستراتيجي؛ نموذجاً لا يجعل من الواجهة البحرية امتيازاً جغرافياً مغلقاً، ولا من الحدود مجالاً للاحتكار، بل يحوّل الموقع الجغرافي إلى فرصة مشتركة، ويجعل من البنية التحتية والممرات التجارية واللوجستية أدوات لإعادة تشكيل علاقات الجوار على أساس المصالح المتبادلة.

وبهذا المعنى، فإن المبادرة الأطلسية لا تتيح فقط لدول الساحل إمكانية تجاوز حواجز الجغرافيا الطبيعية، بل تفتح، من حيث المبدأ، أفقاً إقليمياً أوسع يمكن أن تستفيد منه الجزائر أيضاً، متى اختارت الانخراط في منطق التعاون والتكامل، عوض الارتهان لحسابات الخصومة والصراع.

فالمحيط الأطلسي ليس مجالاً ينبغي الوصول إليه عبر صناعة مناطق نفوذ أو افتعال كيانات عازلة، وإنما فضاء يمكن أن تتسع منافعه للجميع متى توفرت الإرادة السياسية والرؤية الاستراتيجية.

غير أن الإشكال لا يكمن دائماً في الجغرافيا، بل في الذهنية السياسية التي تقرأ الجغرافيا وتحدد كيفية التعامل معها.

فبعض الأنظمة التي ما زالت أسيرة رواسب الحرب الباردة وانقسامات المعسكرات الإيديولوجية البائدة، يبدو أنها لم تستوعب بعدُ التحول في فلسفة العلاقات الدوليّة؛ إذ تخلط بين اليد الممدودة واليد المهيمنة، وبين الانفتاح والتنازل، وبين التعاون والخضوع، وكأن كل مبادرة لا تصدر عنها تحمل في طياتها مشروعاً للهيمنة أو محاولةً لانتزاع مكسب سياسي.

إنها ذهنية لا تزال تقرأ العلاقات بين الدول بمنطق سردية تاريخية قوامها «الحُگْرة والتَّحْگارْت»، حيث يُساء تأويل المبادرات، وتُقاس النوايا بمنطق الارتياب، وتُختزل الشراكة في حسابات الغالب والمغلوب؛ بدل الانتقال إلى منطق الدولة التي تدرك أن توسيع مجالها الحيوي لا يستلزم بالضرورة تقليص مجال الآخرين، وأن التعاون لا ينتقص من السيادة، بل قد يكون أحد أهم روافع تعزيزها.

فالدول لا تحتاج دائماً إلى تغيير خرائطها حتى توسّع مجالات حركتها وتأثيرها؛ فقد تكون الحدود الشفافة، بما تتيحه من امتدادات وظيفية واستراتيجية، أكثر جدوى من الحدود المصطنعة ومناطق النفوذ المتنازع عليها.

فهل أصبحت الجغرافيا، في حسابات بعض الأنظمة، فرصةً للتكامل حين تخدم مصالحها، ومؤامرةً حين يمدّ إليها الآخر يده؟ أم أن المشكلة لم تعد في حدود الجغرافيا، وإنما في حدود التفكير السياسي الذي يعجز عن تجاوزها؟

_____
*  الدكتور شَنْفَار عَبْدُ اللَّه
مفكّر مغربي، له إسهامات فكريّة ومقالات تحليليّة ترصد التحوّلات المجتمعيّة وتقدّم قراءات نقديّة للتحديات الراهنة في المغرب والعالم العربي والإسلامي.
– من أبرز مؤلفاته:
1. الإدارة المغربية ومتطلبات التنمية (2000).
2. الفاعلون المحليّون والسياسات العموميّة المحليّة (2015).
3. الفاعلون في السياسات العموميّة الترابيّة (2020).
4. النظام الاجتماعي القبليّ وأثر التربية الصوفيّة فيه- كتاب التصوف والعمران الروحي.. كتاب جماعي.


شاهد أيضا

شاهد أيضا