محمد حصحاص – روما
صحيح ان قصتي مع محمد الامين سبقت قصتي مع القرﺂن الكريم، لكن لولا هذه لما كانت تلك. تسبق الحياة تعرفنا عليها، وكذلك الكتاب الكريم فعل معي. استبقني اليه مدرسي الاول محمد بن امنة، ومن خلاله انفتحت عليه.
يحتاج الانسان المفكر او الذي يحاول التفكير الكتابة اكثر من اي شخص اخر. الكتابة حوار مع الذات ومحاولة لفهمها، وفهم الاخر، والعالم، والوجود. من فكر ولم يكتب ظل تفكيره ضبابا، لا يكشف لا الذات ولا الاخر، ولا يؤرخ للحظات الارق والسهاد، والشغف، والحب، والقلق، والايمان، والشك، الخ.، وكلها احاسيس انسانية ذات قيمة عالية. لو لم يكتب الفلاسفة لما فهموا انفسهم ولما فهموا ما عقلت عقولهم ما دونه التاريخ عنهم. صحيح ان سقراط لم يكتب فلسفته، وصحيح ان الصوفيين لا يكتبون اجمالا لان الاحساس عندهم اهم، وصحيح ان بعض فلاسفة الهند الاسيوية كذلك لا يفضلون كتابة افكارهم لان عيشها اهم، كما انه صحيح ان رسلا كبارا مثل عيسى بن مريم او محمد بن عبد الله لم يكتبوا بانفسهم افكارهم وما اوحي اليهم، بل كتبها اصحابهم، ومع ذلك فهم ممن اثروا في التاريخ تأثيرا، الا اننا مع ذلك نقول ان الانسان العادي مثلي يحتاج احيانا ليكتب والا انفجر عقله، او زاغ قلبه، او ذهب عطشه الفكري، او تاه في ما هو فيه، وتركه بدون ترتيب ونقد ومراقبة واعادة قراءة.
الكتابة نوع من التواجد يصفي به الانسان كثيرا مما بداخله اما لنفسه، واما لشخص يريد ان يوصل اليه رسالته، واما لجماعة انسانية يحبها، واما للانسانية جمعاء، واما لغرض المال لكسب قوت العيش، واما للشهرة، واما للسلطة، واما لبعض هذه، واما لكلها، واما لأسباب اخرى.
أما غرضي خاصة فهو مراجعة الذات ومحاولة فهم العالم والمشاركة بتواضع في كتابة اسطر اتركها لنفسي ولأولاد قد يأتون من بعدي، أولادي انا أو اولاد جماعة انتمي اليها بدافع اللغة والعرق والدين والانسانية. أما ان افعل كل هذا في مقال قصير فمحال. اما ان ادون كلمات أأرخها لارجع اليها بنفسي، واشارك بها هنا او هناك كمقالة رأي فممكن.
اذا كان هناك من كتاب رفيق ارتاح اليه في سري وفي علني فهو القرﺂن الكريم، لا لأنني أفهمه بل لأنه يساعدني على أن أطرح أسئلة لفهم ذاتي في هذا العالم. اذا كان هناك من كتاب صعب ومقلق ومع ذلك يورث الانفتاح على العالم واجهاد النفس ومغالبتها للفهم والاعتبار فانه القرﺂن – ولكل أمة ولكل شخص كتابه و قرانه.
وهذا ليس لانه كتاب منطق شديد البنيان، او انه كتاب سياسة ناجح تتبعه الملل بتقليد واجماع لا نقاش فيه، ولا لانه كتاب شعر لغته جميلة السماع، ولا لانه كتاب وحي وقول الخالق سبحانه. قد تكون كل هذه الاعتبارات صحيحة، وخاصة عند المؤمنين به. في مسيرتي ورفقتي للقران شدتني هذه الاعتبارات كلها، ولولاها لما استطعت ان أسير به الى الامام كرفيق خاص بي في سكناتي وحركاتي. بعد طول السنين – وانا الان في سن الثلاثين – تجدني عاشقا للقران وجاهلا له في نفس الوقت. يسألني بعض الاصدقاء المسلمين وغير المسلمين ان كنت افهم كلماته فأقول كيف لي ذلك وانا من باقي العلوم الانسانية والكونية جاهل! انني احاول فقط!
اعشق القرﺂن لان محمدا بسيرته واخلاقه الانسانية حببني اليه. اعشق القرﺂن لانني فهمت منه جوهره ان كنت استطيع قول ذلك، وليس الجوهر دائما كاف للفهم. فكم من شخص ادعى فهم الجوهر وغاب عنه البسيط من الامور، وكيفية معايشتها والتاقلم معها. اعشق القرﺂن لانه اكبر كتاب تحداني ويتحداني واحسبه سيتحداني ما حييت. انه سبب عشقي له. انه يعريني، يعري انسانيتي، وذاتي، وقيمي، وفهمي لذاتي، وللعالم والوجود. عشقت القرﺂن لا لانه سهل بل لانه صعب. ومن لم يركب الصعب لم ينل من الفهم الا يسيرا. ولا اخفي انه يتعبني جدا احيانا باسئلته لحد الانفجار، انفجار يتبعه هدوء، فوضى يتبعها نظام.
في نظري، الالحاد جد سهل لأنه يقلص عدد الاسئلة الكبرى حول الوجود الى حد كبير، وهذا لا يعني ان الملحد في طمأنينة. كان بوسعي الارتماء في احضانه، ولكنني لم اشأ ذلك، ليس خوفا من العقاب او العذاب في الاخرة بالتعبير الديني التبسيطي، ولكن لان هذا العالم، وهذا العقل الذي يظن الانسان ان به يفهم كل شيء، مبسوط له يفعل به ايما شاء. ان ممارسة التفكير تؤدي بك اما الى مزيد من الايمان، او مزيد من الشك الذي يؤدي اما الى الالحاد واما الى رفع الاسئلة وعدم الخوض فيها، هروبا منها، لأنها صعبة. واما الى مرتبة وسطى لا تنفي الله ولا تؤكد وجوده. وقد اخترت المرتبة الاولى. اخترت الايمان بوجود خالق عظيم، واخترت التشبث بالاسلام كمنهج لمحاولة فهم اكثر لله ولايماني وللعالم.
حاولت واحاول الرفع من مستوى فهمي للايمان ولله والاسلام، وهو ليس سهلا كمشروع. عندما تنتقد ما تؤمن به وتدافع عنه في نفس الوقت فانك ترفض التأويلات التقليدية والمتعصبة للدين، وترفض في نفس الوقت تلك التوجهات الفكرية التي تزدري مفهوم الله والايمان. عندما تمارس التفكر وتتأمل الله والقرﺂن والوجود فانك ان كنت مخلصا ومنفتحا في تفكيرك قد تترك الايمان وتنصرف عنه، كما قلت، او تزيد اطمئنانا به واليه، او تتركه في مرتبة اللاأدري، مرتبة الشك الوسطية الغير قادرة على الاختيار. اذا ما اخترت الايمان العقلاني، كما أحاول ان أفعل، ولا احسب هذا الاختيار الوحيد الصحيح، فانك تنفتح على مختلف التأويلات الموجودة لمفهوم الله والوجود والقرﺂن، كما انك تنفتح على الاديان الاخرى كنماذج تحاول هي كذلك فهم الله والوجود والانسان. ان الايمان العقلاني يرفع مستوى اندهاشك بالعالم وخلقه ويرفع احترامك لجلال الصانع كما يرفع احترامك للاخر المختلف عنك في الدين والفكر والفلسفة لان التعدد منبع هذا الجلال والاجلال.
يحق لكل دين ان يفسر الله والعالم حسب منظوره الخاص. ويحق لكل فرد ان يؤمن كما شاء وبما شاء وكيفما شاء، ولو شاء الله لجعل الانسانية واحدة في الدين واللغة والعرق وفي كل شيء اخر- من اقتصاد وسياسة وذوق وجمال، الخ. ويحق لكل مجتمع ان يختار التأويل الذي يريده للدين كما توافق اعضاءه، ما دام هذا الاختيار والتوافق ليس جبريا، ولا يعتمد القوة والعنف والتضليل سبلا لهذا الاختيار. لابد ان تتوفر شروط ادنى ليحصل هذا التوافق، وهي شروط تخص مستوى تعليمي معين يضمن مستوى معين من الفهم والقدرة على الاختيار، ومستوى اقتصادي معين يضمن مستوى مقبول من الكرامة الانسانية التي تساعد الفرد على الاختيار اللائق وغير الجبري. ليس سهلا ضمان هذه المستويات الضرورية التي تضمن الحياة الكريمة حتى في المجتمعات التي تسمى بالمتقدمة، لان مناهج التدريس والنظام السياسي والفكري السائدة بها لا يمكنها ان تنفتح على جميع الافكار والاديان مثلا، ولذلك نرى الثقافة الغربية اقل انفتاحا على ثقافات الشرق وبعض اديانه، ونرى الثقافة العربية الاسلامية كذلك اقل انفتاحا على ثقافة الغرب الحديث، وذلك لاعتبارات تاريخية، وفكرية، واقتصادية متعددة. بمعنى اخر، لا يمكن ان ننتظر ان تتحقق المدينة الفاضلة في عالم كثير المتناقضات، متناقضات لا يمكن ان نقول ان الدين وحده هو ما يغذيها. فالسلطة والاقتصاد ومستوى التعليم تؤثر بشكل كبير في نمط فهم الدين وفي نمط التفكير واعتبار الله والعالم والوجود، الخ. لم يكن العالم يوما كله جمال وسلام، ولم يكن يوما كله حرب ودمار. ان وسائل التواصل حاليا وارتباط اقتصادات العالم بعضها ببعض يجعلنا نرى ان العالم اكثر سوءا من اي وقت مضى. كلما زادت قدرة الانسان على فهم العالم والسيطرة عليه، كلما زادت المشاكل، وفي نفس الوقت زادت معرفة الانسان باخيه الانسان وبالتواصل معه، والتواصل لا يعني بالضرورة الانفتاح والتضامن، فقد يكون تواصلا غازيا او عدوانيا، لانه تواصل عن جهل بالاخر وبمكان الذات في العالم والتاريخ.
من الناحية الايمانية، قد يعيش الفرد قلقا فكريا داخليا عميقا لانه يرى ان المثل الكبرى التي يؤمن بها في اندثار متسارع، لان العالم يسير نحو مزيد من التلذذ بالماديات والحريات دون المسؤوليات. ان الانسان الملحد او غير المؤمن يعيش نفس القلق ويحاول اخفاءه فقط لان الانساق الفكرية التي بنى عليها نمط حياته لم يستطع احترامها هو بنفسه. ان القيم الانسانية الكبرى تدافع عنها كل الاديان والفلسفات ولكن الاختلاف في تطبيقها، والتطبيقات تاريخية ومجتمعية، بحيث يستحيل ان نطلب من الصيني او الاوروبي ان يمارس الاخلاق او العدالة بنفس المعنى القريب الذي عندنا مثلا في العالم العربي، لان لكل مجتمع خصوصياته. لهذا، يجب على المؤمن، أكان مؤمنا مسلما او غير مسلم او متخلقا بفلسفة تنفي وجود الله والعالم الاخر، يجب عليه ان لا يجمد فهمه لله والعالم والانسان في مرحلة تاريخية معينة ويرى بها كل التاريخ الانساني، ماضيا، وحاضرا، ومستقبلا. ان ايمانا كهذا يؤزم فكر صاحبه، وقد يدفعه الى التعصب او الانعزال، واحيانا الى اعتناق الالحاد، لانه يرى ان الله قد تركه. عندما يظن الانسان ان الله معه وانه دائما على صواب فان ذلك قد يخلق له مشاكل مختلفة قد تؤثر في ايمانه وعلاقاته مع العالم من حوله. ان الايمان العقلاني الحديث الذي يساعد الفرد والعالم على التعايش مع مختلف تناقضات العالم وجمالياته يقتضي من المؤمن ليونة عالية وانفتاحا عميقا على عدد من التأويلات الدينية الموجودة في نفس الدين وفي ديانات اخرى لكي يحس الفرد ان الله ليس معه وحده بل مع الجميع، ولكي يحس بانه ليس وحده في ما يظن، بل ان هناك مدارس فكرية ودينية اخرى لها نفس الاهداف الانسانية الكبرى، رغم اختلافاتها في التفاصيل. انها دروس استخلصتها في محاولاتي فهم الله والعالم من خلال القرﺂن الكريم.
يمكن تقسيم الدروس القرﺂنية الى ثلاثة أقسام كبرى:1 ) الانسان والعالم ، و 2) الانسان ونفسه، و 3) الانسان ومجتمعه، وكلها متكاملة وان بدا احيانا ان قسما منها اهم من قسم، حسب السياق والمؤثرات الداخلية والخارجية المختلفة. هذه الاقسام الثلاثة تلخص الدروس الكبرى التي يشكلها كل دين انساني كبير الأثر والتأثير، والاسلام واحد من أهم هذه الاديان الكبرى.
يمكنني اذن ان ألخص فهمي لجوهر القرﺂن حسب الاقسام الثلاثة اعلاه في ما يلي.
أولا، على مستوى الوجود، يتحدى القرﺂن عقل الانسان بدعوته الى التأمل والتفكير، والسير والنظر، من أجل الوصول الى فكرة التوحيد وسر الوجود. والتوحيد لا يتوقف فهمه في التعرف والاعتراف ان خالق الكون واحدا وعظيما فحسب. فالتوحيد يستوجب مما يستوجب من النفس ان تكون حرة من قيد الجماعة الانسانية او السلطة السياسية او سلطة المادة والسوق وحب التملك لدرجة تحس فيها انك تستطيع العيش بسلام مع نفسك بدون حاجة للصغائر من الأمور وحتى الكبريات منها – حسب قدرتك على تزكية نفسك وتحريرها من العبودية. يجب ان يقلقك الوجود لكي تحس أنك موجود ولن تحس بتواجد ما لم تطرح الاسئلة الكبرى.
ثانيا، ان التوحيد ليس شهادة فقط بل ممارسة حياتية تربي الفرد على التحرر من كل شيء لكي يصل الى ذاته الاصلية النقية في أجل صورها التي لا يفهمها الا الشخص نفسه. وهذا لا يعني الانزواء في الجبال لكي لا تتلطخ النفس بشرور العالم بل ان التحدي يكمن في العيش والعمل واكتشاف ما لم يكتشف بمسؤولية كبرى. يجب ان يحس الفرد أن العالم له وعليه ان يصنع فيه وبه ما يحسنه ويجمله وليس ما يستقبحه ويفسده. فقط التخلق بالاخلاق الالهية وأسماءه الحسنى تخلق الفرد وتحسن تواجده بالعالم. ألم يتحمل الانسان الرسالة لخلافة الارض؟ السؤال الاهم الان هو هل تحملها بأخلاق أم تحملها فقط ؟ لكي لا ندين الانسان دائما يجب دراسة أخلاق الانسان عبر التاريخ لمعرفة ان كانت قيمه ثابتة ام متغيرة. وأظنها متغيرة.
ثالثا، اما الدرس القرﺂني للجماعة الانسانية فهو أعم من ان يلخص في مرحلة تاريخية معينة وفي جماعة انسانية واحدة. ولكن تبقى قيمتي المساواة بين بني الانسان على اختلاف اجناسهم والوانهم ولغاتهم واعراقهم ودياناتهم و فلسفاتهم أساس العدل الاجتماعي والعقد الاجتماعي الذي يجمعهم. لكي تحس الجماعة الانسانية بالمساوة تحتاج لقيمة الحرية، حرية الاختلاف. ان تدبير التعدد الانساني يحتاج دائما فهما متقدما لمعنى الخلق والاختلاف لكي لا تنتهك حرية الاخر وانسانيته.
ليس الامر سهلا على الاطلاق ان يساير الفكر الجمعي الانساني معاني الاخلاق الالهية في المجتمعات المتعددة لان متوسط العقل الانساني عاجز عن فهم العالم واسرار الوجود وسياساته التدبيرية التي يبنيها الانسان عبر تراكم معارفه تاريخيا. لذلك يحتاج الفرد العادي الى الاستنارة دائما بمن هم أعلى علما و أسمى أخلاقا و أذكى تدبيرا لرفع مستوى فهمنا للخالق والخلق والتعدد الانساني، والا عاش الحاضر بأعين الماضي، فاستصغر من حيث لا يدري قدرته العقلية ومكانته في الوجود الذي سخر له. اذا لم يرتفع عقل الانسان المؤمن لفهم اكثر تأريخانية للخالق والوجود فانه سيسقط تحت سلطة المستبد المؤمن وغير المؤمن الذي يؤول علمه وسلطته لاستعباد الانسان والطبيعة لحسابه ومجموعته الانسانية الخاصة.
ان الانسان المؤمن هو الأحق بتحرير الانسان وبالحديث عن المساواة والعدل والحرية. أن يكون المتحدث باسم الله هو اخر من يتحدث عن العدالة والحرية فذلك من فساد الاخلاق وسوء الفهم الكبير. يغيب الجمال والجلال عند غياب المساواة والعدل والحرية. على مستوى الواقع، أرى أن فهم القرﺂن الكريم أصبح ضيقا واصبح معه المؤمن مستعبدا والعالم فاسدا عوض أن نرى الكتاب واسعا بكرمه، والمؤمن حرا بعدله والعالم جميلا لجلاله.





