﴿لَيْسُوا سَوَاءً﴾.. بين منطق البناء ومنطق الهدم: حين يصبح التمييز شرطاً للإنصاف والمسؤولية الوطنيّة..!
*الدكتور شَنْفَار عَبْدُ اللَّه
* في فلسفة التمييز بين المواقف وحدود الإنصاف في القضايا الوطنيّة..
هناك نوعان من الناس يمكن أن يُلحقا ضرراً بالغاً بأي قضية، مهما كانت عدالتها ومشروعية أهدافها:
1. أولهما من يُعمّم دون وعي، فيضع الجميع في سلة واحدة، ويستسهل إطلاق أحكام من قبيل «كلهم» و«جميعهم»، دون تمييز بين المواقف والاختيارات والمسؤوليات.
2. وثانيهما من لا يقبل من الآخرين إلا التطابق مع ما يراه هو، وما يتبناه من مواقف، فيحوّل الاختلاف إلى خروج عن الصف، والتباين في التقدير إلى انتقاص من القضية.
والحال أن القرآن الكريم قرّر مبدأ التمييز بقوله تعالى: ﴿لَيْسُوا سَوَاءً﴾؛ وهي قاعدة تستدعي تجاوز الأحكام الجاهزة، والاحتكام إلى حقيقة المواقف والأفعال والنتائج، لا إلى التعميم أو المطابقة القسرية.
ومن هذا المنطلق، هل يستوي من أسهم في صيانة سيادة المغرب، وحفظ وحدته الترابية، وتعزيز أمنه واستقراره، والمساهمة في تنميته وعمرانه؛ ومن أمضى خمسين سنة في مناهضة وحدته، ونسج المناورات والدسائس، وتوظيف مختلف أشكال الاستهداف السياسي والعسكري والدبلوماسي، بما في ذلك استهداف مدن مغربية بالصواريخ؟
وهل يستقيم أن نساوي بين مغاربة ظلوا متشبثين بأرضهم في العيون والساقية الحمراء وبوجدور والسمارة والداخلة ووادي الذهب، يكافحون ويناضلون من أجل وحدتهم الوطنية، ويتحملون واجبات المواطنة وأعباءها، ويساهمون في بناء وطنهم؛ وبين قيادة مشروع انفصالي ظل يستهدف سيادة الدولة، ويستفيد من المساعدات الأممية، ويرهن تحركاته وتحالفاته بحسابات تتعارض مع المصالح المغربية؟
إن المسألة ليست مجرد اختلاف في وجهات النظر، وإنما تباين في المواقع والاختيارات والمسؤوليات والنتائج. ومع ذلك، لا يجوز أن يتحول نقد القيادة وممارساتها إلى تعميم على جميع الصحراويين.
فالدفاع عن القضية لا يقتضي إلغاء الاختلاف، كما أن الاعتراف بالاختلاف لا يقتضي التسوية بين المواقف ونتائجها.
ليسوا سواءً؛ فالإنصاف لا يعني محو الفوارق، والوحدة لا تعني التطابق، والذاكرة الوطنية لا ينبغي أن تنسى الفارق بين من يتحمل أعباء بناء الوطن والدفاع عن وحدته، ومن يراكم عليه أعباء الدفاع عن سيادته ووجوده واستقراره.
فإذا كنا نؤمن بأن ﴿لَيْسُوا سَوَاءً﴾، فكيف يستقيم أن نساوي بين من تحمّل أعباء بناء الوطن والدفاع عن وحدته، ومن جعل من استهدافها مشروعاً ممتداً؟
وأيُّ إنصافٍ يبقى حين نمحو الفوارق بين المواقف وأيُّ وعيٍ وطنيٍّ نؤسّس له إذا أصبح التمييز بين الحق والباطل، وبين البناء والهدم، تهمةً بدل أن يكون واجباً؟
_____
* الدكتور شَنْفَار عَبْدُ اللَّه
مفكّر مغربي، له إسهامات فكريّة ومقالات تحليليّة ترصد التحوّلات المجتمعيّة وتقدّم قراءات نقديّة للتحديات الراهنة في المغرب والعالم العربي والإسلامي.
– من أبرز مؤلفاته:
1. الإدارة المغربية ومتطلبات التنمية (2000).
2. الفاعلون المحليّون والسياسات العموميّة المحليّة (2015).
3. الفاعلون في السياسات العموميّة الترابيّة (2020).
4. النظام الاجتماعي القبليّ وأثر التربية الصوفيّة فيه- كتاب التصوف والعمران الروحي.. كتاب جماعي.





