مهمة عائلية عادية داخل شقة في مدينة نيويورك الأمريكية قادت امرأة إلى اكتشاف غير متوقع، بعدما طلبت منها عمتها المسنة مساعدتها في ترتيب مقتنياتها الشخصية.
العمة التي عاشت حياة حافلة بالسفر والعمل، وكانت معروفة بشغفها بالفنون، وتتقن أربع لغات، وكانت تعمل في السلك الدبلوماسي الأمريكي، أشارت في الحديث إلى وجود شيء ثمين داخل خزانة ملابسها.
أخبار مقترحة
ولم تتوقع ابنة أخيها أن تقودها تلك الإشارة العابرة إلى اكتشاف عمل فني ظل بعيدا عن الأنظار نحو 4 عقود، وأصبح اليوم مرشحا للبيع بملايين الدولارات.
والأغرب أن صاحبة اللوحة اختارت إخفاءها عن أعين الزوار، لسبب يعود إلى موقف أثار قلقها في ثمانينيات القرن الماضي.
صندوق خشبي خلف المعاطف
القصة بدأت داخل شقة في حي إيست فيليدج بمنطقة مانهاتن في نيويورك، عندما دعت امرأة مسنة ابنة أخيها لمساعدتها في مراجعة ممتلكاتها، وأثناء الحديث، قالت العمة بصورة عابرة إن لديها لوحة للفنانة الأمريكية الشهيرة جورجيا أوكيف داخل الخزانة.
العبارة أثارت دهشة ابنة أخيها، التي كانت تعرف اهتمام عمتها باقتناء الأعمال الفنية، لكنها لم تكن تعلم بوجود لوحة لإحدى أشهر الفنانات الأمريكيات بين ملابسها.
وبحسب بيان نشرته دار المزادات العالمية “كريستيز” (Christie’s) في 5 نوفمبر/تشرين الثاني 2026، بدأت المرأة البحث بين عشرات المعاطف داخل الخزانة الأمامية للشقة، إلى أن عثرت على صندوق خشبي قديم يضم لوحة صغيرة طولها نحو 61 سنتيمترا وعرضها 25 سنتيمترا، محفوظة داخل عبوتها الأصلية، وتحمل على لوحها الخلفي توقيع الفنانة بالحرفين “أو كيه” (OK).
اللوحة تحمل اسم “قرب أبيكيو، نيو مكسيكو 1” (Near Abiquiu, New Mexico 1)، ورسمتها جورجيا أوكيف عام 1930، وتقدر دار كريستيز قيمتها بنحو 3 ملايين دولار.
لماذا أخفتها طوال 40 عاما؟
اللوحة كانت هدية تلقتها صاحبتها من والدتها بمناسبة حصولها على درجة الماجستير في ستينيات القرن الماضي.
ففي 15 أبريل/نيسان 1963، اشترت الأم العمل الفني من معرض “ذا داونتاون غاليري” (The Downtown Gallery) في مانهاتن، الذي كان يتعامل مع أعمال أوكيف، مقابل 3800 دولار.
الابنة احتفظت بالهدية وعلقتها على جدار شقتها سنوات، قبل أن تتخذ قرارا بإخفائها في منتصف ثمانينيات القرن الماضي. والسبب، وفقا لما نقلته كريستيز عن العائلة، أن أحد ضيوفها أثناء جلسة للعبة الورق “البريدج” (Bridge)، بدا شديد الاهتمام باللوحة وأطال النظر إليها بطريقة أثارت قلق صاحبتها.
المرأة المعروفة بحرصها الشديد على خصوصيتها خشيت على العمل الفني، فأزالته من مكانه وأعادته إلى صندوقه الخشبي الأصلي ثم وضعته داخل خزانة الملابس.
ومنذ ذلك الوقت، بقيت اللوحة محفوظة خلف المعاطف، بعيدا عن الأنظار، ولم يكن أفراد العائلة يعرفون مكانها، ولا يدرون أصلا أنها لا تزال موجودة في الشقة.
“قيمتها أكبر من منزلي”
ابنة الأخ، التي عرّفتها وسائل إعلام أمريكية باسم “بيتسي” وتبلغ 65 عاما، تحدثت عن دهشتها عندما أدركت قيمة ما وجدته.
ونقلت صحيفة “نيويورك بوست” عنها أنها تساءلت في البداية إن كان بإمكانها الاحتفاظ باللوحة، لكنها أدركت بعد معرفة قيمتها أنها تساوي أكثر من منزلها.
وبعد فترة قصيرة من الكشف عن اللوحة، توفيت العمة، فيما أرسلت ابنة أخيها صور العمل إلى دار كريستيز عبر البريد الإلكتروني لطلب تقييمه.
خبراء الدار فحصوا اللوحة وراجعوا خصائصها الفنية وتاريخها، قبل الإعلان عن إعادة اكتشافها وطرحها للبيع.
ثلاث نسخ
المفارقة أن اللوحة كانت معروفة للباحثين في أعمال جورجيا أوكيف، لكنها لم تكن متاحة للفحص أو العرض منذ عقود.
فقد ظهرت في ملحق الفهرس الشامل لأعمال الفنانة اعتمادا على صورة فوتوغرافية التُقطت لها عام 1931، بعد سنة واحدة من رسمها.
وتقول كريستيز إن اللوحة تُعد على الأرجح أول عمل ضمن سلسلة من 3 لوحات تصور قمة جبل لوبو في ولاية نيو مكسيكو الأمريكية.
النسخة الثانية من السلسلة موجودة في متحف المتروبوليتان للفنون بنيويورك، بينما توجد الثالثة ضمن مجموعة خاصة، بعدما كانت جزءا من مجموعة ديفيد وبيغي روكفلر.
وتعود أهمية العمل أيضا إلى ارتباطه بمرحلة مبكرة من اهتمام أوكيف بمناظر نيو مكسيكو الطبيعية، التي زارتها لأول مرة عام 1929، وأصبحت لاحقا من أبرز الموضوعات التي ميزت أعمالها.
ووصف تايلي أبوت، المسؤول المتخصص في الفن الأمريكي لدى كريستيز، العثور على لوحة مهمة ومحفوظة بهذه الحالة لفنانة مدروسة على نطاق واسع بأنه اكتشاف نادر واستثنائي.
من خزانة الملابس إلى المزاد
اللوحة التي بقيت نحو 40 عاما داخل صندوق خشبي تستعد الآن للظهور مجددا أمام الجمهور، فقد أعلنت دار كريستيز عرضها في مقرها بمركز روكفلر في نيويورك، ضمن معرض مجاني يستمر من 7 إلى 17 نوفمبر/تشرين الثاني 2026.
ومن المقرر طرحها في مزاد للأعمال الفنية من القرن العشرين يوم 17 نوفمبر/تشرين الثاني، بتقدير سعري يقارب 3 ملايين دولار.
هذا الرقم يمثل تقديرا أوليا من دار المزادات، وليس سعرا نهائيا للبيع، إذ ستتحدد قيمتها الفعلية بعد انتهاء المزايدة.
وهكذا، تعود لوحة أخفتها صاحبتها خوفا من اهتمام أحد ضيوفها إلى الظهور العلني بعد عقود، في رحلة بدأت بهدية تخرج قيمتها 3800 دولار، وانتهت بعمل فني مرشح للبيع بملايين الدولارات.
المصدر: الجزيرة





