حسن سلمان
وجه الرئيس التونسي، قيس سعيّد، انتقادات للبرلمان التونسي بسبب مشروع قرار يتعلق بتجريم السياحة الحزبية، معتبراً أن النقاشات المثارة حول تعديل النظام الداخلي للبرلمان “مرض سياسي ودستوري”، في وقت تواصلت فيه التجاذبات بين مكونات الائتلاف الحكومي.
وخلال افتتاحه المستشفى الميداني العسكري في ولاية قبلّي (جنوب)، انتقد الرئيس قيس سعيد النقاشات الجارية حاليّاً حول النظام الداخلي لمجلس نواب الشعب، معتبراً أنّ هذا النقاش هو “ما كان يُندَّدُ به في الأعوام الستين والأعوام السبعين وعادوا إليه في نفس المكان”.
وأضاف: “لو كان النائب مسؤولاً أمام ناخبيه، وكان بإمكانه سحب الثقة لما كانوا في حاجة إلى الخرق الجسيم الذي يجسّد مرضاً سياسياً ومرضاً دستورياً، هو ربّما أكبر من الجائحة التي انتشرت في كلّ أنحاء العالم”.
وأشار من جهة أخرى إلى ما يتردّد من افتقاد الدولة للأموال من أجل الاستجابة لمطالب والمواطنين في الصحة والتعليم. وعلق بقوله: “تعلمون جيّداً المليارات التي ضُخّت بمناسبة الانتخابات، أين هذه المليارات؟ وأين أموال الشعب التي نُهِبت على مدى عشرات السنين”.
وأضاف: “إن المصالحة التي يتحدّثون عنها ليست مصالحة بينهم، بل يجب أن تكون مع الشعب التونسي وليس مع أطراف تُحدِّدُ بنفسها من سيتصالح مع من، ومن يُبْرِم صفقةً مع من”.
كما دعا رئيس الجمهورية إلى “بناء مستقبل أفضل للشعب الذي يستطيع أن يصنع المعجزات لو مكّنوه من الأدوات، وهو قادر على ذلك. فالبؤس الذي نعيشه اليوم لا يوازيه إلاّ البؤس السياسي وهو السبب فيه. وسنقضي بنفس الإرادة على هذا البؤس الاقتصادي والاجتماعي وعلى البؤس السياسي الذي يستمرّ ويتلوّن بكلّ لون”.
وأشار إلى أن التحالفات السياسيية “تتغيّر في بعض الأحيان بين الساعة والأخرى وليس في اليوم فقط، ففي كلّ نشرة نستمع عن الأموال المنهوبة ولا نراها، ونستمع عن التحالفات أو ما يشير إلى عقد تحالفات بين البعض”.
وأضاف: “سنواصل على نفس النهج الذي بدأنا به حتى ترتقي إرادة المواطن إلى مرتبة القرار، وبالرغم من أنّ الوسائل القانونية محدودة لكنّ إرادتكم غير محدودة، وصعودكم في التاريخ صعود شاهق وغير مسبوق (…) سنحترم الشرعيّة، لكن لتكون الشرعية متلائمة مع إرادة الشعب يجب أن تكون مشروعة ومعبّرة عن إرادة عموم التونسيين والتونسيات أي الشعب صاحب السيادة”.
وكان الرئيس التونسي دعا في وقت سابق إلى إبرام صلح جزائي مع رجال الأعمال الفاسدين لإنعاش الاقتصاد المتعثر في البلاد، مشيراً إلى أن “هناك ضرورة لاسترجاع أموال الشعب التونسي عبر إبرام صلح جزائي مع المتورطين في الفساد تحت إشراف لجنة، وتوزيع هذه الأموال على الجهات بشكل تفاضلي من الأكثر فقراً إلى الأقل فقراً في البلاد. ولو كنا في حملة انتخابية لظهرت الأموال (التابعة لرجال الأعمال الفاسدين)، فخلال الحملة الانتخابية كانت الاموال تُضخ في كل مكان، أين تلك الأموال؟ لماذا لا تظهر اليوم في هذه الأزمة المالية؟”.
من جانب آخر، تواصلت التجاذبات دخل الائتلاف الحكومي، حيث اتهم زهير المغزاوي، الأمين العام لحركة الشعب (ائتلاف حاكم)، حركة النهضة بممارسة سياسة ازدواجية في المواقف والتموقع داخل الحكم والمعارضة، حيث قال إن “المطلوب من الائتلاف الحاكم -وخاصة حركة النهضة- اختيار تموقعها لا يمكن أن تكون في البرلمان متحالفة مع قلب تونس وائتلاف الكرامة وعاملين أغلبية في مكتب المجلس وتُمرر ما تريد حتى ما هو ضد إرادة الحكومة وفي ذات الوقت في القصبة مع الحكومة. لا يمكن أخذ مغانم الحكم والمعارضة في الوقت نفسه”.
كما وجه انتقادات لرئيس كتلة النهضة في البرلمان، نور الدين البحيري، الذي اتهمه بالكذب فيما يتعلق بانتقاده لحركة الشعب، كما اعتبر أن نجاح وزير الصحة، عبد اللطيف المكي (قيادي في النهضة)، في مواجهة كورونا “ما كان ليحدث لولا فريق العلماء والأطباء الذين معه ولولا الإجراءات الحكومية”.
ورد المكي على المغزاوي في تدوينة على حسابه بموقع “فيسبوك”، قال فيها: “ما أروع النجاح وما أشرفه بالتعويل على العلماء والإيمان بدورهم، فهذا منهج إدارة وقيادة حكيم”.
وكان القيادي في حركة الشعب، هيكل المكي، أثار جدلاً كبيراً بعدما توجه برسالة إلى رئاسة البرلمان، نعت فيها رئيس البرلمان، راشد الغنوشي (رئيس حركة النهضة) بـ”زعيم تنظيم الإخوان في تونس”، وهو ما تسبب بتراشق كبير بين الحزبين، وسط اتهامات متبادلة حول “التورط” في الأزمة الليبية، وهو ما دفع البعض للحديث عن احتمال تفكك الائتلاف الحكومي.
وعلّق الباحث سامي براهم على ذلك بقوله: “تتواتر بعض التّحاليل عن قرب انفراط التّحالف الحكومي الذي يعيش وضعاً صعباً من داخله. البعض يسوّقون هذا التّحليل مبتهجين مستبشرين بقرب انفضاض هذا التّحالف الهشّ لأنّ ذلك بظنّهم سيعيد الصّراع إلى جوهره الحقيقيّ (تقدّمي/ رجعي) حيث ستتحالف النّهضة مع قلب تونس ويصطفّ التقدّميون من جديد في مواجهة تحالف الإسلام السياسي وبقايا النّظام القديم (دساترة ولوبيات فساد) وتستأنف الثّورة روحها وألقها ومطابقتها للنّصوص كصراع ضدّ الكاهن والجلّاد و”شنق آخر ملك بأمعاء آخر قسّيس”. ويسوّق له آخرون في إطار التمهيد لمشروع إسقاط المؤسّسات المنتخبة لاستبدالها بمنظومة أخرى شعبيّة لا مركزيّة تجسيداً لما اعتبر مشروعاً للرّئيس. حيث يعتبر هؤلاء أنّ وجود أحزاب محسوبة على تيّار الحداثة (التيّار والشّعب) في تحالف مع حزب الإسلام السياسي يعطّل هذا المشروع، ويخدم الإسلام السياسي”.
وأضاف: “نحن لسنا أمام ترويكا جديدة للتوازن الحاصل بين شركاء التّحالف الحكومي وصعوبة غلبة جهة على تقرير الأمور، بل نحن أقرب إلى شكل من أشكال تحالف 18 أكتوبر الذي ضاعت بضياعه فرص ثمينة على البلد. لست في موقع إسداء النّصح للسياسيين لكن ومن منطلق المصلحة الوطنيّة والمصلحة والحزبيّة للأحزاب وهما مصلحتان قلّما تلتقيان من هذا المنطق نقدّر أنّ هناك مصلحة حقيقيّة للتّونسيين في بقاء هذا التّحالف الحكومي مهما كانت حدّة التّجاذبات وخلافات الحواشي والهامش طالما هناك اتّفاق على البرنامج والخطّ السياسيّ. نعم لنقد الأداء الحكومي وتقويمه وتصحيح مساره، لكن ضرب هذه التّجربة لا يخدم مصلحة الأحزاب ولا البلاد ولا العباد”.





