الباحث الدكتور عبدالله شـنـفـار : التفكير الاستراتيجي التوقعي من خلال التموقع لفائدة المستقبل 1/2
بقلم الباحث الدكتور عبدالله شـنـفـار (*)
منذ البداية يجب التمييز بين مفهوم التفكير الاستراتيجي كمصطلح يستعمل بكثرة في القاموس العسكري والمدارس الحربية العليا؛ لفائدة المستقبل؛ الذي هو نوع من استشعار مخاطر وتحديات المستقبل؛ ومفهوم التخطيط الاستراتيجي الذي هو منظومة مجموعة تقنيات وعمليات وبرامج ومخططات وخطط عمل تستهدف تدبير أزمة معينة مطروحة في الحاضر؛ تتضمن مجموعة مدخلات ومخرجات قضايا ومشاكل؛ وتخضع لنظام ضبط وتحكم.
مصطلح استراتيجية من المصطلحات القديمة المشتقة من الكلمة الإغريقية “Strato” وتعني الجيوش أو الحشود العسكرية، ومنها اشتقت كذلك الكلمة اليونانية “Strategos” وتعني فن إدارة وقيادة الحروب علم وفن التخطيط والتكتيك والعمليات عالي المستوى.
مصطلح استراتيجية جاء من القاموس العسكري بالأساس، ويعنى بالخطط الحربية العسكرية، أي فن التخطيط للعمليات العسكرية قبل نشوب الحروب، وحتى بعد الحرب أو بدونها. من خلال فن إدارة العمليات عند اندلاع ونشوب الحروب؛ أو التفكير الغير متوقف لخطط لما بعد الحرب كالسلاح النووي أو الجرثومي أو الكيماوي الاستراتيجي لتحقيق نوع من الردع دون استعماله أو استعماله عند الاقتضاء.
ويعكس الفكر الاستراتيجي استشعار مخاطر المستقبل؛ فيلجأ إلى تخطيط وبرمجة انطلاقا من التموقع اللحظي في الحاضر؛ من أجل التوقع المستقبلي على المدى القصير والمتوسط والبعيد المدى.
وندرج أمثلة للتخطيط الاستراتيجي الإجرائي الذي عرف عبر التاريخ؛ حيث حدد “طلامز فتز” مبادئ الخطة الاستراتيجية في ثلاث عناصر رئيسية هي: تجميع وحشد القوى؛ وسياسة عمل القوى ضد القوى؛ وكذا الحل الحاسم عن طريق المعركة في الساحة الرئيسية.
في حين نجد “ليدل هارت”؛ قد قدم ثمانية مبادئ رئيسية للتخطيط الاستراتيجي تتجلى في: مدى مطابقة الهدف مع الإمكانات المتاحة. متابعة الجهد وعدم إضاعة الهدف. اختيار الخط الأقل توقعاً. استثمار خط المقاومة الأضعف. اختيار خط عمليات يؤدي إلى أهداف متناوبة. المرونة في المخطط والتشكيل بحيث يتلاءمان مع الظروف. عدم الزج بكافة الإمكانات المتوفرة إذا كان العدو محترساً. وعدم تسديد الهجوم على نفس الخط أو بنفس الطريقة.
أما “ماو تسي تنغ” فقد حدد للاستراتيجية ستة مبادئ تختلف كثيرا عما سبق ذكره وهي: الانسحاب أمام تقدم زحف العدو؛ وتكون انسحابات متجهة نحو المركز. التقدم أمام العدو المتراجع. واستراتيجية واحد ضد خمسة. وان يتم التموين من تموينات العدو نفسه. وتخطيط خمسة ضد واحد. والتلاحم التام بين الجيش والشعب.
هذا، وقد وضع كل من “لينين” و”ستالين” ثلاث مبادئ رئيسية لاستراتيجية الحرب هي: تلاحم معنوي بين الجيش والشعب في حرب شاملة. وإعطاء أهمية حاسمة للإمدادات. مع ضرورة القيام بإعدادات نفسية قبل البدء بالعمل المسلح.
أما الأمريكيون فقد استوحوا من خلال ظروفهم في ظل أوضاع توازن الرعب النووي في العالم مبدأين هما: الردع المتدرج والردع المرن.
أما المدرسة العسكرية الفرنسية، فقد حددت مبدأين مغايرين يقومان على: الاقتصاد والقوة وحرية العمل.
وتشترك الاستراتيجية العسكرية في تحديد وتقدير نمط الصراع؛ الذي هو عبارة عن مدخلات ومخرجات ونظام تحكم؛ فيما هل سيكون هجوميا عنيفا مباشراً أم غير مباشر أو دفاعياً مباغتا، في حين تنفرد بالتحكم والتوجيه لمسيرة التكتيك بصفته تابعاً لها وأحد وسائلها الرامية للوصول إلى نتيجة حاسمة.
أما استراتيجية التغيير؛ فتقوم على رؤية ذكية تكون صورة قادرة على تلبية احتياجات وتطلعات الأفراد والجماعات الذين يضمهم الكيان الجماعي أو الإداري أو التنفيذي أو العسكري، وتقوم على ثلاث أبعاد:
1. استراتيجية إعادة البناء وتتناول هدم وإزالة النظام القديم الغير قادر على الوفاء بمتطلبات العصر؛ سواء بتغير جذري أو جزيء، أو تدريجي أو انقلابي.
2. استراتيجية الارتقاء والنمو؛ ويكون من خلال تهيئة مناخ جديد ووضع الأسس الجديد لاستقبال النظام الجديد القادر على الوفاء بمتطلبات وقضايا استجابة لمشاكل العصر.
3. استراتيجية الهيمنة من خلال إقامة الهيكلة الرئيسية للنظام الجديد. وذلك من خلال تحقيق هدف السياسة العامة المرسومة عن طريق الاستخدام الأمثل لكافة الإمكانات والوسائل المتاحة والمتوفرة والفعلية والعملية.
لكن ماذا عن التفكير والتخطيط الاستراتيجي في الإسلام؟
في المدارس العسكرية والحربية؛ لازالت لحد الآن تدرس خطة القائد خالد بن الوليد في غزوة مؤته؛ حيث واجه 3000 جندي مسلم في ساحة المعركة ما يفوق 200.000 ألف جندي من العرب والروم؛ حيث لا يصدق العقل ولا المنطق العسكري كيف تواجه كتيبة صغيرة مكونة من 3000 نفر 200.000 ألف جندي؟
يحكى لنا عن خطة مذهلة لخالد بن الوليد القائد العسكري المسلم؛ كيف استطاع من خلال إعمال التفكير الاستراتيجي؛ من خلال عملية الانسحاب؛ وهو القرار الخطير جدا؛ حيث ما حصل يوما انسحاب جيوش، إلا وتعرضت للإبادة بالكامل. فكيف عمل فكر خالد في الانسحاب؟ لقد غير كتائب الجنوب يمنة ويسارا وغير ملابس الجنود وكأنهم عبارة عن امداد لعناصر جديدة؛ وتولت كتيبة إثارة الغبار بشكل كثيف، لتغطية الرؤية على العدو؛ الذي أصيب بالذهول؛ حيث في هذه اللحظة أعطي الأمر بالانسحاب؛ وانطلت الحيلة والخدعة على العدو فأعطوا تفسيرا كون القائد خالد بن الوليد ينصب لهم فخ في الصحراء؛ فقرروا عدم مطاردة جيوش المسلمين المنسحبة.
هنا قد يتساءل البعض؛ حول التولي بعض الزحف من أجل الشهادة؟ وأن هذه إهانة لانسحاب المسلمين؟ وردود الفعل من قادة الجيوش الذين فيهم علماء وزعماء قبائل وعلية القوم ووجهاء وشرفاء؟
لكن القائد العسكري له تكير استراتيجي؛ حيث لما لم يستطع التغيير في الفعل الواقع الذي هو 200.000 ألف جندي في مواجهة 3.000 جندي مسلم؛ اعتبر ان الهزيمة محسومة بطبيعة الحال؛ فكر في التأثير في الشروط المنتجة للواقع؛ وذلك بالانسحاب من الميدان وإقصاء عنصر التفوق الذي يتميز به الخصم.
وهنا نتساءل لماذا تقع لدينا الإعاقة في تصريف وتنزيل فكرة مشروع معين نحمله بين طيات أفكارنا في اطار التخطيط الاستراتيجي؟ منذ الإعداد للمشروع؛ مرورا بالمصادفة عليه ووصولا إلى التنفيذ؛ وانتهاء بالمراقبة والتقييم والتصحيح؛ المشروع الاستثماري يتطلب الاجابة على عدة اسئلة يمكن اختزالها فيما يلي؛ حيث لابد أن نعرف : ما هي طبيعة هذا المشروع؟ وما هي مجالاته؟ وما هي واقعيته؟ وما هي حدوده؟ ماذا لدينا من الموارد المالية والبشرية والمتطلبات والمشاكل والمعيقات والاكراهات…؟ ماذا نريد أن نفعل؟ ماذا نقدر على فعله؟ كيف ومتى نفعل او نتبنى هذا المشروع او ذاك، حتى نستطيع إنتاج وخلق وتحقيق الثروة والربح؟ ماذا عن مختلف عوامل الانتاج المتدخلة في المشروع؟ المشروع الاستثماري هو مجرد آلية لإنتاج وخلق وتحقيق الثروة؛ ويعني بكل بساطة؛ مجموعة عمليات محدودة في الزمان والمكان في إطار محيط سوسيو- اقتصادي، يستهدف هدفا معينا في جدلية اعتماد متبادل بين الفكر والواقع. وهذه العمليات تسير حسب متوالية حسابية وهندسية متوازية وفق تغذية راجعة feed-back تنطلق من العناصر والمحددات التالية:
أولا: رسم فكرة للمشروع المراد إنجازه، وهي عملية مفاضلة بين عدة خيارات مطروحة، والتي تتوقف على اختيار واحد من بين هذه الخيارات والبدائل والتي تعتمد عدة معايير:
• تحليل الحاجيات والمتطلبات،
• المجموعات أو المناطق المستهدفة به؛
• عملية اختيار بين عدة متغيرات تقنية، مالية، مؤقتة…؛
• دراسة إمكانيات عوامل الإنتاج؛
• عملية تقييم أولية لنتائج وآثار المشروع المراد إنجازه؛
• صياغة ذلك في إطار خطة تدقق المراحل اللاحقة
ثانيا: بلورة الفكرة حول المشروع بطريقة أكثر تفصيلا من خلال :
• مظاهر المشروع: وتعني الأهداف والنتائج المتوخاة وطبيعة الأشغال
• مظاهر التمويل: تكلفة المشروع، وطريقة تمويله؛ تمويل ذاتي؛ اللجوء الى القروض؛ في اطار الشراكة…
• مظاهر التنفيذ: مذكرة حول توقعات الإنفاق والمصاريف.
ثالثا: التحليل والدراسة للمشروع او الفكرة، وهي:
• مجموعة عمليات تتخلل مراحل المشروع، وهي:
– إما دراسة أولية
– أو دراسة انحرافيه؛ وتعتمد التحليل التقني، النقدي المالي والاقتصادي، وكلها تحاليل ودراسات في علاقة جدلية.
رابعا: اتخاذ قرار تبني الفكرة: وهي مرحلة حاسمة في مصير اللجوء والإقدام على الاستثمار، بناء على توفر المعلومات الكافية حول المشروع وهنا تأخذ إما:
• مسار المصادقة النهائية اقتناعا بأهمية المشروع.
• أو طلب مزيد من الدراسة التكميلية حول المشاريع المضمنة بالمشروع، نظرا لعدم اتضاح الرؤية جيدا موقتًا.
• أو التخلي نهائيا عن المشروع لأسباب عدم مردوديته، او قلة الإمكانات والمتاح أو معارضة الأغلبية للمشروع الى غير ذلك من العراقيل.
خامسا: الشروع في التنفيذ: بمجرد المصادقة واتخاذ قرار الاستثمار يشرع في انطلاق المشروع وخروجه إلى حيز التطبيق.
سادسا التتبع: تنفيذ المشروع: ويتخلل مراحله نسق من التتبع؛ ومن رقابة وتسجيل مدى التقدم الحاصل فيه.
سابعا: نهاية المشروع؛ وتعني انخراطه ضمن المشاريع الموجودة أو في استقلاليته لكونه حديث النشأة، وهنا لازال يتطلب الامر مزيدا من الحدر كون المشروع في بداياته الأولى.
ثامنا: التقييم اللاحق للمشروع: من خلال تقييم لدرجة النجاح أو الفشل، ومواطن الضعف والقوة في مراحل تنفيذ المشاريع المتضمنة به لاستنتاج الدروس والحكمة في المشاريع المستقبلية.
جائحة فيروس كورونا المستجد 19؛ خلف نوعا من الحرب الخماسية الأبعاد: حرب تحدي فيروسية؛ وحرب تحدي صحية؛ وحرب تحدي علمية؛ وحرب نفسية؛ وحرب استخباراتية.
دراسة طبيعة مبادئ وقيم الدولة وانعكاساتها على الأفراد والجماعات وعلى السياسات العامة والعمومية والقطاعية، تدفعنا إلى أنماط جديدة من التفكير الاستراتيجي القائم على استشعار وتوقعات مخاطر المستقبل من خلال التموقع اللحظي والحالي الآني؛ وليس نمط التفكير بالتمني أو التفكير بالمعجزات ولا حتى التفكير الاجرائي من خلال ادارة الازمات المطروحة؛ او باللجوء الى التفكير بالمغالطات المنطقية.
ننطلق من طرح أسئلة جوهرية لإزالة الالغام في مساحة الفكر هذه ونقول: كيف السبيل إلى مفاتيح أبواب الغيث وتجاوز الأزمة ووسائل الامتصاص المختلفة الحالية للمبادئ والقيم لما بعد جائحة كورونا؟
هل لدينا من النخب والكفاءات الوطنية والجهوية والإقليمية والمحلية المؤهلة تاريخيا وتكوينا وفكريا وايديولوجيا لمواجهة التحديات المستقبلية؟
فالوضع المستقبلي للعالم يجعل ويبقي العقل البشري والمواطنات والمواطنين دائما في موضع ريبة وشك وحيرة من أمرهم، يصعب على الفرد توجيهه بشكل سليم، خاصة إذا فكر في الانفراد بأفكاره بمعزل عن المجتمع الدولي ومحيطه الداخلي.
فهل الاقتصاد الوطني يتضمن من المرونة الكافية ما يجعله قارا على التنافسية والتعافي بعد هذا الوضع المتأزم؟
نحن في بيئة مسكونة بالدين والتدين؛ فما هي صور وأنماط التفكير السائدة في مجتمعاتنا؟ وما هو الفرق بين التفكير الاستراتيجي وعملية التخطيط الاستراتيجي للمستقبل؟ وأين يكمن الخلل في أنماط التفكير لدى البعض في مجتمعاتنا؟ وما هي التشوهات والاضطرابات التي تصيب أنماط التفكير والتكوين لدى بعض القادة والمسؤولين في مجتمعنا؟ وهل هؤلاء القادة والمسؤولين مؤهلين تاريخيا وأيديولوجيا لتدبير الشأن العام؛ على المستوى الوطني والجهوي والإقليمي والمحلي؛ عبر بلورة سياسات عامة وعمومية وقطاعية؛ ووهل لهم من القدرة والشجاعة والجرأة ما يكفي من أجل اتخاذ قرارات لتفعل ذلك؟ ماذا يقصد بالنهوض أو النهضة؟ ما معنى حالة الدين؟ وما معنى حالة التدين؟ كيف يتم تصريف صور ومبادئ الدين إلى أشكال من التدين؟ ما هي صور الإعاقة في الفعل التي يصاب بها البعض عند تنزيل وتصريف قواعد الدين أو النص إلى تشكلات من التدين؟ كيف يتم التسويق لحزمة الدين والتدين ومختلف القيم الانسانية والمشترك بين الناس ومختلف الشعوب والأمم؟ ما هي مختلف الشوائب التي علقت أو أصيب بها الدين والتدين عبر الازمنة والمحطات التاريخية منذ حجة الوداع، أو منذ يومهم ذاك؛ إلى يومنا هذا؟
وبالتالي فالدولة هي المتحكمة في طبيعة تبديد الشك باليقين داخل مجتمعاتها التي تؤثر فيها من خلال درجة الانفتاح والانغلاق داخل المجتمع.
لنأخذ على سبيل المثال الصين أو اليابان أو كوريا الشمالية، فقيمها بسيطة جدا وجد منغلقة على نفسها داخل الدولة، بحيث لا تسمح لأي دولة أجنبية أخرى أو منظمة حقوقية بتسييرها أو التأثير فيها وفي مجتمعها بأي شكل من الأشكال، وفي المقابل نعقد المقارنة مثلا ببلد عربي، نجد أن منظومة القيم لديه ذات بعد معقد لا يمكن القول بالتحديد هل هو بلد إسلامي أم غربي، حيث القيم تختلف وتتصارع وتتجاذب داخل المجتمع الواحد.
فمن خلال هذه الأمثلة نخلص إلى أن الدولة هي المسؤولة الوحيدة عن ترسيخ القيم في المجتمعات المتطورة، وهي من تعمل على حماية وتطوير قيمها، وأبرزها الشعب الصيني الذي اعتمد على سد كل الثغرات التي قد تؤثر في قيم المجتمع من خلال تكريس فكر السيطرة المجهولة اجتماعيا أو على الأقل يستفاد منها ذلك من خلال توفير الخبز والتعليم لغالبية الشعب.
كيف تؤثر تركيبة المجتمع في طبيعة الدولة؟ هل طبيعة الدولة تسمح بالفعل بلعب دور الشريك أم دور التابع؟ هناك بعض الشعوب التي آمنت بالقيم كأسلوب حياة، قد تحسن استعمال المبادئ والقيم، لكن لن تكون بارزة داخل المجتمع بشكل مؤثر، حيث المجتمع تحكمه أساليب تقليدية. هذه الأساليب التقليدية قد يتحول بموجبها إلى قطيع أو ضحية لمبدأ امتصاص القيم.
بالإضافة إلى أن المؤسسات ووسائل التواصل الاجتماعي كلما ازدادت تطورا ازداد تقييد حرية الفرد داخل المجتمع، مما سيجعل الإنسان مجرد بنيات مكشوفة للعدو أو للآخر. وهذا ما قد يشكل فخا منصوب له ليصبح فريسة سهلة لآلية امتصاص القيم المختلفة.
ونضرب مثلا بالمدرسة كوسيلة لامتصاص القيم وتوجيه التنشئة، سنجد مثلًا المجتمع الأمريكي أصبح يشهد صراعات للقيم والانتماءات بين أفراد مجتمعه داخل المدرسة، وبالتالي انقلب دور المدرسة من وسيلة لامتصاص القيم الإنسانية إلى وسيلة لتكريس العنصرية العرقية. وهذا مع الأسف ما تسعى إليه أيادٍ خفية لتطبيقه على المجتمع المغربي.
وكذلك عندما نأخذ الفن كوسيلة لامتصاص القيم، لأن الفن بكل أنواعه يعتبر شكلا من أشكال تطبيق نظرية الهندسة الاجتماعية. فمثلا هناك أغاني وأفلام ومسلسلات بالنظر لطبيعة محتوياتها، ووفقا لقانون الاحتمالات، قد تفسد قيم وتشتت أفكار الأجيال الصاعدة. وأخطر من ذلك، قد تعمل على نفي حتى الهوية الوطنية والمواطنة بأساليب مخادعة ومكرة. بل قد تخلق لنا مرضى نفسانيين في المستقبل، لأن العقل البشري قد يخضع لعمليات تأثير وتأثر متبادل.
هذا ولكي تتضح لنا الصورة أكثر في أسلوب توجيه وتأطير الدولة للأجيال التي ستتولى قيادتها إلى التطور، فإن كل خلل أو غلط أو غفلة قد يؤدي بها إلى عدم مواكبة التطورات الاقتصادية والاجتماعية والسياسية داخل العالم، لتصبح الدولة بذلك ضحية مجتمعاتها.
وبالتالي يرجع السبب إلى سوء تسير الأجيال السابقة للدولة فتنعكس بسلبياته على الأجيال اللاحقة، وغالبا ما يرجع هذا إلى عملية خارجة عن إرادة وأراضي الدولة من خلال محاولة إفساد مؤسساتها ومسيريها من طرف أيادٍ خفية وخارجية، ألا وهي العولمة. وهذا ما يجعلنا نعتبر أن الفكر الإنساني داخل مجتمع معين ينطبق على منهج الدولة في تسيير شؤونها.
تطور علاقة الدولة بالمحلي وتنامي دور الجهوي أديا إلى تراجع دور الدولة في العديد من مجالات التدخل، بل أصبح ذلك يطرح التساؤل حول مفهوم السيادة والدور الذي ستلعبه الدولة في ظل تنامي دور هذا المحلي والجهوي والإقليمي.
فما هو الدور الذي أصبحت تلعبه الدولة من خلال ممثليها؟ وما هي انعكاسات طبيعة الدولة على السياسات العامة والعمومية؟ حينما نتحدث عن المركزي لا بد من استحضار المحيط أو الجهوي والإقليمي والمحلي. فماذا نقصد بهذا الجهوي والإقليمي والمحلي إذن في ارتباطه بالدولة أو المركزي؟ وكيف تطورت علاقة الدولة بالمحلي وبالجهوي والإقليمي؟ وكيف تنعكس طبيعة تركيبة نظام الدولة على السياسات العمومية الترابية؟
لتفكيك هذا الإشكال، لا بد من استحضار النقاش الذي كان محور جلسات مجلس المستشارين في الستينات من القرن الماضي، حيث كان يسود نوع من الشجاعة والجرأة في تناول القضايا الاجتماعية والسياسية والاقتصادية، كان يصب في اتجاه أن يتم إقرار ديمقراطية تقوم على التدبير المحلي لشؤون السكان بأنفسهم، من خلال تقسيم ترابي يتم تعريفه وتحديده وتنميطه من منطلق أن كل دوار أو مدشر أو حي يجب أن يكون موضوع جماعة ترابية، تضم مجموعة من السكان لهم حدود معروفة ومضبوطة، ولهم خصوصيات ومميزات، وقيم اجتماعية وعادات وتقاليد وأعراف وأمجاد، أفرزتها الوضعية الاقتصادية والاجتماعية والسياسية والثقافية، تميزهم عن الآخرين، ينتخبون فئة من الناس يشكلون مجالس جهوية وإقليمية ومحلية تتولى نيابة عنهم تدبير شؤونهم ومتطلباتهم وقضاياهم وتحقيق وسائل التنمية الاقتصادية والاجتماعية والثقافية في حدود المتاح من الموارد وفي تناغم مع السياسة العامة للدولة.
لكن هذا التصور الذي طالبت به أحزاب المعارضة آنذاك لم يتم العمل به، حيث جاء التقطيع الإداري ليفرز وحدات إدارية لا علاقة لها بالخصوصيات الطبيعة والبشرية والاقتصادية والاجتماعية والتاريخية، ولا يراعي التقاليد والعادات والأعراف لهذه الجماعة أو تلك، وبالتالي تم تطبيق وإقرار قانون موحد وهياكل إدارية تسير حسب متوالية هندسية تراعي المراهنة على مصالح الأعيان، كمصدر لاستمرار مشروعية الدولة من خلال إقرار وسيلة وجود تقليدية متجاوزة تفرز خريطة سياسية تقليدية غير قابلة للانفتاح ولا الاستنبات ولا التوطين للديمقراطية والتدبير الحر، حيث سيطرة الجهلة ذوي المال والجاه والنفوذ وإقصاء الشباب المثقف وتهميشه وإبعاده من تدبير الشأن العام.
وبالتالي فمفهوم الجهوي والإقليمي والمحلي هو ما تمليه السلطة المركزية من فوق وما تصبغه به، أي صياغة عمودية وليس صياغة أفقية.
إن تواجد الدولة لتغطية جميع القطاعات، اقتصادية كانت أو اجتماعية، فرض عليها لزاما بعد عهد الاستعمار مباشرة تطوير الفرد والمجتمع وكذا ضبطه ومحاولة القضاء على التنافر، من خلال العمل على ربط علاقة تستهدف خدمته ونماءه بالأساس.
ومن خصوصيات المجتمعات الأكثر تخلفا، طبيعة التركيبة الاجتماعية المتنافرة. والمغرب لا يخرج عن هذه الخصوصية، إلا أنه مع ذلك يتميز بنوع من التعايش التنازعي. فهل استطاعت الدولة تجاوز إيقاف الصيرورة التاريخية عند حدود مؤسسة تقليدية ألا وهي القبيلة؟ بمعنى آخر ألم يحن الوقت لتجاوز تقوية وسيلة وجود متجاوزة تختزل في القبيلة والغنيمة؟ أم إنها بالعكس من ذلك تعمل على تنميتها كآلية أخرى لضبط “النسق” الاجتماعي والسياسي وحتى الثقافي؟ فالدولة بصفة عامة تعاني من قضايا وأزمات في سعيها لتطوير وتغيير أفراد مجتمعاتها. ومظاهر هذه الأزمات يمكن اختزالها في بعض العناصر الأولية كما يلي:
أولا أزمة هوية: بحيث من خلال قراءة بسيطة وسريعة في الثقافة الشفوية الشعبية نجد سيادة مفاهيم تحيل إلى التنافر والتباعد والتشرذم، ونضرب مثلا هذه المفاهيم القدحية: العروبي نسبة للعروبية، الشلح، نسبة للشلوح، الدراوي نسبة إلى وادي درعه، الريفي نسبة لمنطقة الريف في الشمال، الدكالي نسبة لدكالة، الصحراوي نسبة للصحراء… إلى غير ذلك من التنضيدات الاجتماعية المتنافرة.
ثانيا أزمة مشروعيات: وتتجلى في صعوبة، بل غياب الحوار بين الدولة ومكونات فئات المجتمع، والأخطر من ذلك منع وعدم القدرة على إنتاج مجتمع مدني أو حتى تركه يستمر إن كانت هناك إرهاصات لوجوده، مما يفضي إلى التساؤل عن شكل الدولة الوطنية التي نريد؛ هل هي الدولة الجهوية أم الدولة القبيلة؟
ثالثا أزمة مشاركة: أي غياب مشاركة جميع الفاعلين وفئات المجتمع وسيادة سياسة الإقصاء والتهميش والإبعاد والتجاهل والنسيان في عملية صنع السياسات العامة والعمومية واتخاذ القرار.
رابعا أزمة توزيع: نلاحظ أن هناك سوء توزيع للساكنة على المستوى المجالي أو الترابي، حيث حدة التركيز للساكنة النشطة بالمناطق الصناعية، من خلال الشريط الساحلي الممتد من مدينة القنيطرة حتى مدينة اكادير، مما يؤدي إلى تفاقم الهجرة من البوادي والقرى نحو المدن وما يترتب على ذلك من نتائج كأحزمة دور الصفيح والانحراف بشتى صوره والارتزاق وتجارة الدراويش (الباعة المتجولون، حرفيون بسطاء، ماسحو الأحذية، …)، واختلال في جدلية الاعتماد المتبادل في معادلة القرية والمدينة.
ومن نتائج هذه الأزمات، تعقيد الفهم في وضعية المجتمع التنضيدي وتركيبته الاجتماعية. والمجتمع التنضيدي أو التركيبي أو التمازجي أو التنافري هي مقولة بلورها كل من “بول بسكون” ونجيب بودربالة في بحثهما عن مصادر إنتاج القاعدة القانونية في المغرب وفي إطار بحث سوسيولوجي مشترك في طبيعة تركيبة المجتمعات، حيث استنتجا وجود فسيفساء وتراتبية اجتماعية تطبع المجتمع المغربي.
فعلى الرغم من وجود منطق داخلي يوحد هذه التراتبية، إلا أنه في كثير من الأحيان يظهر على السطح التنافر السياسي والاجتماعي، خاصة بمناسبة الانتخابات، حيث بينت الدراسات حول سوسيولوجيا الانتخابات بالمغرب، التعايش التنازعي وذوبان الفرد داخل الجماعة-القبيلة، وما يصاحب ذلك من نزاع بمناسبة الحملات الانتخابية وتأثير البنى الثقافية والدينية والاجتماعية، مما أفضى إلى أزمة في مفهومي الدولة والسيادة.
مبدأ السيادة المتضمن بالدساتير من خلا التنصيص على أن السيادة للشعب يمارسها من خلال مؤسسات تمثيلية تنبثق عن الانتخاب والاستفتاء، يفتح المجال للغموض في ارتباطه بمفهوم الدولة. نحن لن ندخل في الجدال والنظريات الفقهية لروسو ودي فيرجي وغيرهما… التي تناولت السيادة الوطنية كما درسنا في سنوات الإجازة بكليات الحقوق، ولكن سنخضع المفهوم لتحليل آخر لارتباط مفهوم الدولة والسيادة بالتدبير الجهوي والإقليمي والمحلي، لمعرفة العلاقة بين المركزي والمحيط في ظل تنامي دور هذا الأخير.
.. يتبع..
باحث ومفكر مغربي (*)





