ذ. عبد الحي السملالي : قلق فكري حول إشكالية تعريف الدين

إيطاليا تلغراف

 

 

 

 

أ.د. عبد الحي السملالي (*)

خلال رحلتنا لطلب الفهم و إنشاد الوضوح في الغموض الذي شاب و يشوب علاقة الدين بالسياسة في الثقافة العربية الاسلامية بمشاهدها المختلفة و مكوناتها، سواء الثقافية منها او السياسة او الاجتماعية و حينما نركز للبحث عن تعريف للدين ،داخل هذه المشاهد المختلفة، نشتغل به وعليه و نتعامل معه في رحلتنا هذه، فإننا نصدم حينها و نصطدم بكثرة التعريفات و تعددها بتعدد مشاربها، دون ان تفي هذه الاخيرة بالغرض المنشود، لان التعريف الذي نبحث عنه، هو في حدة ذاته يطرح اشكالية معقدة ومركبة و تتمظهر من خلال منظومة من العلاقات نسجتها، داخل فلسفة الدين وسوسيولوجيته، مشاكل عديدة مترابطة لا تتوفر إمكانية حلها منفردة و لا تقبل حلا نظريا الا في اطار حل عام يشملها جميعا…

فتعريف الدين بالدين و منه صعب و يطرح عدة إشكالات، فالدين الذي نستنتج منه التعريف هو بذاته ولذاته محتاج الى تعريف، و اي استنتاج في هذا الاتجاه يعطينا تعريفا لتدين اكثر منه تعريفا للدين ، وحينما نقتصر ونركز على الديانات السماوية الثلاث، ظنا منا انها ستفرز ثلاثة تعريفات فقط ، نجد الواقع غير ذلك لأنه يصدمك بعدد للتعريفات رهين بعدد المذاهب و الفرق والجماعات وبعدد الكيانات المستقلة التي تنتسب الى هذه الديانة او تلك، و للخروج من هذا المأزق لجأ البعض الى تعريف الدين من خارجه باليات الأنثروبولوجيا و السوسيولوجيا فتعامل معه كظاهرة من الواقع قابلة للوصف والتوصيف انطلاقا من وصف تمظهرات بنيتها الخارجية لكن سرعنا ما يدرك اصحاب هذه المنهجية ضعفها و عجزها بسبب ما تفرضه على نفسها من شروط تصفها بالعلمية والتي تمنعها من الدخول الى لب الظاهرة و دراستها او حتى وصفها و وصف موضوعها الغيبي الذي مقره الداخل و من تم تكون نتيجة المنهجية اياها من طينة نتيجة من يستمد تعريفه للدين من الدين او من داخل الدين اي انه يحصل على تعريف لتدين بعينه اكثر منه تعريفا للدين، و للخروج من هذا الطرح الاشكالي و الذي ليست غايتنا منه، بالدرجة الأولى، إعطاء تعريف عام و جامع للدين ، قررنا ان نبحث عن مفهوم للدين وفق السياق الذي نتغيأ الاشتغال عليه، كالسياق الذي يبحث في علاقة الاسلام او الديانات التوحيدية بالسياسة او علاقة التوحيد بالمجتمع او بالاجتماع …

ان الدين الذي يقوم على الوحي الإلهي ليس كباقي الأديان التي هي في الحقيقة تدَيّنٌ لا دين، لان مصدرها المجتمع الذي خلقت فيه وله، فحينما يكون المبدأ هو الوحي فمصدر الدين، في هذه الحالة، ليس الانسان و لا فعل الانسان في واقعه، فهو قادم من خارج هذا العالم و وجوده الذاتي ماورائي سابق حتى لتواجد الانسان في المجتمع مما يضفي عليه طابع المطلق الترنسندتالي الذي لا يقبل التغير و لا فعل المجتمع الإنساني فيه، و بالرغم من كون الانسان موضوع الدين و مجاله فانه لا يظهر و يتجلى الا من خلال فعل الانسان ذاته في الواقع و في المجتمع و حضور هذا الاخير في الدين كموضوع له ، ضروري ليعطيه معنى تُبْنى عليه بنية الدين برمتها و من تم يصبح الانسان موضوعا للدين و الذات الموجه لها والتي تتلقاه لتمارسه، هذه الممارسة هي ما نطلق عليه تدينا، و هل يمكن ان يُدرك الدين ويتجلى الا عبر وسائل عيش الانسان و تعايشه و تعبيره من لغة و غيرها!؟

حينما يكون مصدر الدين، ماورائيا – الوحي- و ليس وليد مجتمعه، فانه يعطي لنفسه طابع الحقيقة المطلقة فيصطدم بكل ما هو نسبي من تاريخ و فلسفة تؤمن بنسبية الحقائق، جارا وراءه غلافه الثقافي التوحدي الذي ورثه عن الديانات التوحيدية والذي يؤمن بان دينه لا يقبل التطور ولا التعدد و لا التغير، و هذا امر بديهي، لأن الدين كوحي و نصوص هو مطلق، و اذا أخرجناه من دائرة النص الخام الى دائرة القراءات و التأويلات يتحول الى تدين فتكون النتيجة ان اي استقراء للنصوص و تأويل لها ينتج كِيانات تدين عديدة ومستقلة، بمكونات قابلة للتطور على عكس النصوص التي هي روح الدين و لبه التي لا تقبل قانون التغير و التعدد و التطور، و لنخرج من هذا القلق النظري لنلمس حقيقة قانون التطور و التعدد في الواقع، واقع الإفرازات العديدة التي يشهد بها التاريخ و التي تتمثل في البنيات المتعددة للتدين ذات مكونات بطبيعةٍ تقبلُ التغير و التطور، و لنكتفي هنا بالإشارة الى الجانب الرئيسي والعمود الفقري لكل دين او ديانة او تدين و الذي يتمثل في التشريع أي تلك القوانين و القواعد التي تحكم العلاقات الاجتماعية ذات الطابع النسبي الذي يخضع لقانون التغير و التطور، فالتشريع في القرآن الكريم لا يمثل الا 5% من آياته ، اذن لا يمكنه ان يغطي كل القوانين والقواعد التي تحكم المجتمعات، و من هنا نفهم ان الوحي ترك المجال للواقع الاجتماعي لإنتاج ما يحتاجه من قوانين ما دامت هناك نوازل تختلف باختلاف الزمان والمكان لا يمكن باي حال من الأحوال تقيدها بنص، و من تم فالتشريع في الاسلام ليس ثابتا على مدى التاريخ و ليس واحداً على مستوى الكون بل هو وليد بيئته و وقعه الاجتماعي و يتغير ويتطور حسب ديناميكية تطور و تغير واقع و بيئة مجتمعه، واهم من يظن ان التشريع في الاسلام نزل على شكل لائحة جاهزة كاملة مكتملة لا علاقة لها بواقع الناس !

باحث ومفكر مغربي مقيم بفرنسا (*)

إيطاليا تلغراف

 


شاهد أيضا

شاهد أيضا