من الخليج إلى إسرائيل.. حركة التطبيع ومواجهات إقليمية مُحتملة.

إيطاليا تلغراف

 

 

 

 

 

 

(*)بقلم.. الدكتور حسن مرهج

 

 

في الإطار العام لمسار التطبيع مع اسرائيل، يبدو واضحًا أنَّ المنطقة باتت بين اصطفافين، أحدهما دول الممانعة، والثاني دول التطبيع. وهذا بطبيعة الحال يأخذنا إلى جملة من السيناريوهات المحتملة، مع التركيز على أسئلةً عميقةً ستكون ناظمةً للتطورات القادمة، لكن يبقى السؤال الأهم يتمحور حول رؤية دول الممانعة لـ مسار التطبيع، وعمق المواجهات الإقليمية والدولية مع محور واشنطن وشركائها.

لا شك بأنَّ المواجهة بين واشنطن وطهران، قد اتخذت شكلًا سياسيًا سيكون بلا ريب ناظمًا لمرحلة جديدة من التعامل بين البلدين، وفي هذا السياق، يبرز أمرين، الأول استصدار قرار أممي يوقف مفعول القرار 2231 القاضي بإنهاء حظر استيراد وتصدير السلاح من وإلی إيران في أكتوبر/تشرين الأول 2020، والثاني أعلن الرئيس الأميركي في الثالث عشر من أغسطس/آب 2020عن اتفاق بوساطته لتطبيع العلاقات بين الإمارات وإسرائيل، لكن اللافت للنظر بأنَّ اتفاق التطبيع جاء بالتزامن مع رفع الحظر عن استيراد وتصدير السلاح الايراني، على الرغم من أنَّ قرار التطبيع لم يكن مفاجئًا، إلا أنَّ اقتران الإعلان عن الاتفاق بالمواجهة الأميركية – الإيرانية وإسقاطاتها الإقليمية جعله جزءًا من صراع أوسع يجمع إيران ومحور المقاومة من جهة، والولايات المتحدة وأدواتها من جهة أُخرى.

واشنطن وقوتها العسكرية وسطوتها السياسية، وقفت حائرة أمام صمود إيران ومحور المقاومة، وعلى الرغم من الضربة المؤلمة التي تلقاها محور المقاومة باغتيال قاسم سليماني، إلا أنَّ مسار المحور التصاعدي لم يتأثر، بل على العكس، فقد صعّدت ايران من استراتيجيتها لمواجهة الولايات المتحدة ومسار التطبيع، والإبقاء على بوصلة المحور باتجاه فلسطين، ودعم حركات المقاومة، فالواقع المستجد يفرض على إيران وعموم محور المقاومة، اتباع استراتيجيات جديدة من شأنها متابعة هذا المسار، خاصةً أنَّ خلف الكواليس هناك حلف يتبلور بين اسرائيل وبعض الدول الخليجية ضد إيران تحديدًا، وأركان محور المقاومة عمومًا.

الولايات المتحدة وعبر سياسية الاصطفافات الإقليمية الجديدة، إنما تريد إجبار إيران على تغيير سياستها وفق مطالب الولايات المتحدة، بيدَّ أنَّ الرؤية الاستراتيجية الواضحة لمحور المقاومة، تذهب بعيدًا في التأسيس لمعادلة ترتكز أيضًا على بناء اصطفافات جديدة، تكون ندًا للتحالف الغير تقليدي بين اسرائيل والدول الخليجية والذي ترعاه الولايات المتحدة.

في ذات الإطار، يُنظر لاتفاقيات التطبيع على أنها استراتيجية أمريكية للضغط على إيران، وإحداث خلل بنيوي في جسد محور المقاومة، لكن المقاومة الفعالة التي أبدتها إيران بوصفها قائدة لهذا المحور، إنما غيرت الفهم الامريكي لإسقاطات الضغط على إيران، بدا ذلك من خلال المعادلة القائمة في مايو/أيار 2019 حين تراجعت طهران بشكل متدرِّج عن التزاماتها النووية وقامت بمناکفة الولايات المتحدة عسكريًا، ما وصل في ذروته إلى إسقاط مسيَّرة أمريكية عالية التقنية في يونيو/حزيران 2019، الأمر الذي أجبر الإدارة الأمريكية على تغير نمطها في التعامل مع إيران، عبر التركيز على ميزان القوى على الأرض، مع الزخم السياسي الذي تتبناه واشنطن إقليميًا ودوليًا ضدَّ إيران.

في الواقع، الفترة القادمة تحمل العديد من السيناريوهات التي يُمكن وضعها في إطار التصعيد الممنهج ضد إيران ومحورها، خاصة أنَّ مشهد الشرق الأوسط يحمل بوادر إعادة تموضع فرضها مسار التطبيع، ما يعني في عمق هذا المشهد، أنَّ آليات المواجهة لن تقتصر على العقوبات الاقتصادية الضاغطة فحسب، وإنما من الممكن أنّ نشهد هجمات سيبرانية ضد منشآت إيرانية ذات حساسية عالية، وعطفًا على ذلك قد نشهد استهداف مركز ضدَّ حزب الله لكن بطريقة لا تؤدي إلى حرب شاملة، وبكل تأكيد فإن سوريا لن تكون بعيدة عن تلك الاستهدافات، لكن في المقابل، فإن الضغط العسكري والاقتصادي ضد محور المقاومة، لن يُحقق أيَّ نتائج للإدارة الأمريكية، فهذا المحور المُنتصر في سوريا واليمن والعراق ولبنان، والذي يواجه الضغط الاقتصادي بكفاءة عالية، لن يستكين ضدَّ أيَّ خطط امريكية قادمة، تنطلق من بوابة الخليج.

في الخلاصة، نجحت واشنطن في خلق جبهة إقليمية جديدة بين إسرائيل وبعض الدول العربية، والحديث عن تطبيع دول أُخرى مع اسرائيل، يأتي أيضًا في سياق تكثيف الضغط على محور المقاومة، وبذلك تنجح واشنطن في تشكيل جبهة عربية بقيادة اسرائيل ضد ايران وعموم محور المقاومة، لكن من الواضح أنَّ صلابة المحور الإيراني اليمني السوري اللبناني والعراقي، سيكون بمثابة مبضع الجراح الذي سيباشر بعمليات جراحية تكتيكية، لاستهداف نواة مسار التطبيع، وتأطيرها وتحييد تأثيراتها ومفاعيلها على محور المقاومة، فالمعركة طويلة ولم تنتهي، ولن تخلو من مواجهات اقليمية محتملة.

(*)إعلامي خبير في شؤون الشرق الأوسط

إيطاليا تلغراف

 


شاهد أيضا
تعليقات
الآراء الواردة في التعليقات تعبر عن آراء اصحابها وليس عن رأي جريدة إيطاليا تلغراف.
تعليقات الزوار
Loading...