الدولة الوطنية .. الواقع والمأمول

إيطاليا تلغراف

 

 

 

 

 

بقلم د. عبد الله الشيعاني

 

 

منذ نشأة الأمم المتحدة في مطلع الأربعينيات ظهر مفهوم الدولة المعاصرة، والاعتراف بأي دولة عضو يأتي من حيث الحدود والشعب والسلطة، ورغم ما حدث في عالمنا العربي من تغيير في التركيبة السكانية وانقسام في الأراضي والقبائل، ساد بعد فترة من الزمن مفهوم جديد ( الدولة الواحدة ).
لقد حل مفهوم الدولة في عالمنا العربي بعد التحرر من هيمنة الاستعمار بأنماط عدة، فنجد بعض هذه الدول أبقت الحال على ما تركه الاستعمار خشية التغيير، ودول أخرى سعت لتطوير بنيانها السياسي وتوحيد كافة شعبها تحت راية واحدة، وبلدان سعت إلى إحياء فكرة القومية.

ومع مرور الوقت أصبح الفرد في هذه الدول يعي تماماً حدود دولته وقوانينها، وما يجب عليه تجاهها، والتجانس مع العرقيات والأديان والطوائف التي تعيش فيها، وأصبح يدافع عن ترابها تحت راية العلم الواحد الذي يرفرف فوق سمائها، ويتغنى بنشيدها الوطني في كل مناسبة وفي كل محفل، حتى استفاق العرب على الربيع العربي، فبدد أحلام هذه الفئات الثلاث وزلزل مبادئها، فانتفض الناس على ما أحدثته من شرخ واضح بين المفهوم والتطبيق، ولا شك بأن دخول وسائل التكنولوجيا الحديثة وانتشارها بين الشباب أحدث التغيير بشكل أسرع، خاصة أن هذه الثورات تم تصديرها وما حدث فيها من تجارب من خلال وسائل التواصل الاجتماعي، فاستفاد منها الشباب في الوطن الكبير، ولم تلق لها الحكومات اهتماماً سوى بقطع مصادر الانترنت بعد أن اشتعلت نار التغيير بين أفراد المجتمع.

لقد أخمدت أكثر الدول العربية التي اعتمدت على الأسلوب القمعي في ترويض شعبها نار الربيع بالدماء، ولم تعالجها بالحكمة والعودة إلى بذر روح الدولة الوطنية، بل بدأت تضيف على الربيع العربي روح الطائفية والعرقية، وهو ما عجل برحيل قادتها، وجعل من الدول التي كانت تنام بالقليل من الغذاء وهي راضية مستقرة، تنام جائعة مشردة في أصقاع الأرض بسبب الفقر، وانتشرت فيها فرق الإرهاب، وتكالبت عليها الأمم تنهش في ثرواتها بحجة الدفاع عنها، بينما استقرت البلدان التي جعلت من الفرد والهوية الوطنية غايتها، فقامت بعمل الإصلاحات سريعاً، وأعادت ترتيب البيت الواحد من جديد، وهرعت إلى تنفيذ المشاريع التي تنهض بأوطانها، واستمعت إلى صوت شبابها، ولبت احتياجاتهم، قبل أن تنجرف إلى مزالق الربيع القادم من خارج الأوطان، وبذلك نجت بوحدتها من التمزق والتشرد اللذين عانى منهما غيرها.

إننا بحاجة ماسة إلى إعادة دولة وطنية نقدمها نموذجاً للأجيال القادمة، تلبي احتياجاتهم، وتعيد تشكيل هيكلة النظام، على أساس القانون، فالجميع سواسية أمام أحكامه، لا فرق تحت رايته وفوق ترابه بين عرق أو لون أو دين، دولة تخدم مواطنيها وتحقق طموحاتهم، دولة تعي جدياً أن الكيانات الصغيرة في العالم تحولت من الفردية إلى الاتحادات، ومن الطائفية إلى الإنسانية، ومن القومية إلى العالمية، ومن الانغلاق إلى العولمة، ومن التشدد إلى الانفتاح المعرفي، فالعالم بأسره من شرقه إلى غربه قادم على تغيير شامل، وعلينا أن نبدأ في استيعاب ما هو آت، فربما ترونه بعيداً ونراه قريبا.

إيطاليا تلغراف


شاهد أيضا
تعليقات
الآراء الواردة في التعليقات تعبر عن آراء اصحابها وليس عن رأي جريدة إيطاليا تلغراف.
تعليقات الزوار
Loading...