أحمد براو
جرت سنة الله في خلقه أنه ما من شىء يعلو ويرتفع إلا وينحني وينخفص ثم يندثر، وما من شىء يكمل إلا ويكون بعده النقصان، وتلك الأيام نداولها بين الناس.
قال الشاعر الأندلسي أبو البقاء الرندي في رثاء سقوط الأندلس:
لِكُل شيء إذا ما تَمَّ نقصان #
فلا يُغَر بطيب العيش إنسانُ.
هِيَ الأمُورُ كَمَا شَاهَدْتُهَا دُوَلٌ #
مَنْ سَرَّهُ زَمَنٌ سَاءتْهُ أزْمَانُ
وهذهِ الدارُ لا تُبْقي على أحدٍ #
ولا يدومُ على حالٍ لها شانُ.
َوهكذا الممالك العظيمة ترتفع ويعلو ثم بعد ذلك تزول بل كُتِب على هذه الدنيا بأسرتها الزوال والفناء، فإن كل كم عليها فان، ومن الممالك العظيمة التي مرت في هذا الكوكب الأرضي بلا منازع هي مملكة سليمان، ففي الأثر جاء أنه مر على هذه الأرض حكام وملوك وأباطرة وسلاطين وأمراء … لكن أربعة ملوك فقط حكموا الأرض إثنان مؤمنان هما سليمان وذو القرنين وإثنان كافران هما النمرود وبختنصر، أو نبوخذ نصر.
ذكر ابن كثير رحمه الله أنه بعد موت سليمان عليه السلام تولى الملك بعده إبنه سبع عشرة سنة ثم بعد موته تفرق بنو إسرائيل وتنازعوا على الملك وفسد أمرهم ورجعوا إلى الفسوق العصيان والشرك، في هذه الفترة حصل فيها فساد كبير حتى اجترؤوا على قتل أنبيائهم، بحيث صور القرآن الكريم هذه الفترة بقول الله تعالى في سورة الإسراء:
“وَقَضَيْنَا إِلَىَ بَنِي إِسْرَائِيلَ فِي الْكِتَابِ لَتُفْسِدُنّ فِي الأرْضِ مَرّتَيْنِ وَلَتَعْلُنّ عُلُوّاً كَبِيراً. فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ أُولاهُمَا بَعَثْنَا عَلَيْكُمْ عِبَاداً لّنَا أُوْلِي بَأْسٍ شَدِيدٍ فَجَاسُواْ خِلاَلَ الدّيَارِ وَكَانَ وَعْداً مّفْعُولاً”.
وكان من أنبيائهم في تلك الفترة شعيا وأرميا ودانيال. وهؤلاء الأنبياء الثلاثة لم يرد ذكرهم في القرآن وكذلك حزقيل ويوشع ولكنهم ذكروا في كتب السير والتاريخ وفي قصص الأنبياء كما ورد ذكرهم في كتب أهل الكتاب. وقد أخبرنا الله تعالى:
“ورسلا قد قصصناهم عليك ورسلا لم نقصصهم عليك” فوجب علينا أن نؤمن بجميعهم تفصيلا فيما فصل وكذلك فيما أجمل، لأن الإيمان بالرسل متلازم ومن كفر بواحد فقد كفر بهم جميعا، ولم يرد النهي عن تكذيب أهل الكتاب ولا عن تصديقهم فلا يقضى بجواز ولا ببطلان ادعائهم.
قال الحافظ ابن حجر في فتح الباري
” لا تصدقوا أهل الكتاب ولا تكذبوهم لأنه إذا كان ما يخبرونكم به محتملا؛ لئلا يكون في نفس الأمر صدقا فتكذبوه، أو كذبا فتصدقوه فتقعوا في الحرج” وذلك لأنهم حرفوا كتبهم التوراة والإنجيل فلا تكذبوا ما لم يتبين لكم كذبه لاحتمال أن يكون صدقا.
جاء في الحديث الصحيح “… وحدثوا عن بني إسرائيل ولا حرج… ” ما مفاده أن يستدل المسلم بما يُروى من قصص بني إسرائيل ما هو كفيل بأخذ العِبر لأن في قصصهم عبرة وعظة لأولي الأبصار، ومحببة للنفس لأن فيها متعة، والقارئ يرتاح لها ويُسرُّ، وتنبسط نفسه.
لما بعث الله شعيا في قومه بني إسرائيل بعد تفشي فيهم الفساد والشرك دعاهم ونهاهم فلم يستجيبوا له بل قاموا بقتله فسلط الله عليهم البابليون وضرب عليهم الذلة والمسكنة وباؤوا بغضب من الله وأصابهم الخزي بسبب اجترائهم على أنبيائهم وكفرهم بآيات الله.
ثم بعث الله بعد ذلك نبيهم أرميا “جيريميا” باللاتينية وكان من أكثر أنبيائهم زهدا وورعا وخوفا على قومه، وهو من سبط لاوي بن يعقوب الذي قال لإخوة يوسف عليه السلام “لَنْ أَبْرَح الْأَرْض حَتَّى يَأْذَن لِي أَبِي أَوْ يَحْكُم اللَّه لِي وَهُوَ خَيْر الْحَاكِمِينَ”.
وأوحى الله إلى نبيه أرميا عليه السلام أن اذهب إليهم وعظهم وذكرهم بنعم الله وخوفهم من بطشه وانتقامه وعرفهم بما يقترفون من المعاصي وما أحدثوا في دينهم من الربا والزنا والسرقة والغش والخداع فدعاهم في موعظة بليغة طويلة يحذرهم أن العذاب قريب وأن هناك قوما شديدو البأس سيجوسون خلال الديار وينهبوا ويحرقوا كل من فيها، لكنهم لم يستجيبوا له رغم ما سمعوا ما في رسالته من بلاغة الكلام بل كذبوه واتهموه بالفرية وكيف يزعم أن الله سوف يعطل مساجدهم ومعابدهم ودورهم من عبادته وتوحيده وادَّعَوْا أنه لا ينبغي أن تمحى من أرضهم المساجد والكتب والعبَّاد لأنهم هم من يعبدون الله في الأرض، فأخذوه وقيّدوه ورموا به في السجن.
فعندما فعلوا ذلك بنبيّهم إرميا بعث الله عليهم بختنصر فأقبل بجيش جرار من بابل إلى أورشليم فنزل بساحتهم وحاصرهم وجاس خلال الديار فلما اشتد بهم الحصار فتحوا له الأبواب فدخلها وبطش بهم بطش الجبارين فقتَّلهم شر قتلة، وهدم بيوتهم، ووطئهم بالخيل، وساق السبايا والصبيان، ودك الحصون، وهدم المساجد، وحرق التوراة، و خرب بيت المقدس، وفعل بهم الأفاعيل.
وهو كذلك إذ أخبروه أنه كان من بين ظهرانيهم نبي جليل اسمه إرميا يدعوهم ويعطف عليهم ويحذرهم ما أصابهم ووصف خبرك هذا لهم وأخبرهم أنك سوف تقتل محاربيهم وتسبي نسائههم وتهدم دورهم ومعابدهم وتحرق توراتهم، ولكنهم كذبوه واتهموه بالفرية وقيدوه وأدخلوه السجن.
فتأثر بختنصر بقصة إرميا مع قومه بني إسرائيل وأمر بإخراجه من السجن وإحضاره أمامه.
فقال له : “أكنت تحذر هؤلاء القوم ما أصابهم؟“ فحكى له قصته معهم فقال بختنصر: “بئس القوم قوم كذبوا نبيهم وكذبوا رسالة ربهم فهل تريد أن تلحق بي في بابل فأواسيك وأكرمك وإن أحببت أن تقيم في بلدك فلك الأمان”.
فأجابه إرميا قائلا: “إني لم أزل في أمان الله ولم أخرج من ساعة قط ولو أن قومي أطاعوني فلن يمكنك منهم ولا من غيرك ولم يكن لك عليهم سلطان” .
فلما سمع بختنصر كلام نبي الله إرميا هابه وتركه، فأقام إرميا في الشام يدعو قومه.
وتشتت بنو إسرائيل وتفرقوا في أنحاء الأرض يعيشون في التيه والمهانة والذل والغربة لسبعين عاما، قال تعالى:” وقطعناهم في الأرض” بعد أن كانوا أعز أهل الأرض وبعد أن فضلهم الله على العالمين، ولكنهم انحدروا إلى أسفل سافلين بسبب الضعف الإيماني المتمثل في التواني عن تطبيق الأوامر واجتناب النواهي وقد ينتهي بصاحبه إلى مرحلة أخطر وهي الإبتعاد كليا عن الإيمان والدخول في استحلال المحرمات ونقض العهود، والحجود والكفر والشرك، والإجتراء على الله.
هذه القصة لنبي الله إرميا عليه السلام هي واحدة من القصص البليغة التي توضح أن منهج الله مع خلقه جميعا واحد: فقد أمرهم بتوحيده والإنقياد لإرادته وأحكامه وهذا هو جوهر الإسلام دين الأنبياء ورسالاتهم، ويحس المرء عند قراءة هذه القصص بالإنسجام النفسي مع وحدة رسالات السماء ويشعر بقلبه يفيض محبة لجميع الرسل الكرام.
“آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنزِلَ إِلَيْهِ مِن رَّبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ كُلٌّ آمَنَ بِاللَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِّن رُّسُلِهِ وَقَالُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا غُفْرَانَكَ رَبَّنَا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ”
صدق الله العظيم.





