حرية التعبير

إيطاليا تلغراف

 

 

 

 

ذ.بد البصير جمال أحمد عيد

 

 

حرية التعبير واختلاطها بالعمل الصحفي والرسم بهدف توصيل رسائل مبطنة أو تسليط الضوء على ظاهرة ما تحت عنوان “الرسم الكاركاتور” قد يخرج عن النمط الأخلاقي بشكل واضح.

تعكير صفو العلاقات بين دول شقيقة وخلق الفتن والبلابل بين الشعوب ونشر الكراهية والرذيلة بين الشباب والمراهقين، والإساءة للأديان والمعتقدات، كل هذا لا يجب أن يُتَستر عليه تحت مظلة الفن أو حرية التعبير.

حرية التعبير لها حدودها، فالحرية لن تكون حرية إن كان الغرض منها الإساءةُ للآخرين أو الانتقاص منهم.
جاء الإسلام باحترام حرية الاعتقاد ونهى عن المساس بها أو الإساءة للأديان والمعتقدات الآخرى.

حرية التعبير تأتي باحترام وجهات النظر المختلفة وإن كان هناك من يريد أن يبحث في الخلافيات فبهدف التقارب لا التنافر أو توسيع الفجوات.
إن الحوار المنضبط والمؤدب هو الطريق الأمثل إلى احترام الحريات. قال تعالى: (وجادلهم بالتي هي أحسن..). كما أن جميع التقاليد والأعراف والقيم الإنسانية المتوارثة لا تجيز لأحدٍ أن يستخف بالآخر أو يحط من قدره، فكيف بمن يسيء إلى معتقداتهم ورموزهم الاعتقادية.

احترام الآخرين منوط على احترام كل العادات والتقاليد التي يمارسها الآخرون بغض النظر عن لون بشرتهم أو طبيعة لبسهم أو لغتهم أو معتقدهم وهذا ما أكده الحديث الشريف: (إن الله لا ينظر إلى صوركم ولا إلى أشكالكم ولكن ينظر إلى قلوبكم وأعمالكم).

ويجب على المجتمعات أن تجرم كل من يسيء ويتهكم ويستهزء بالآخرين لأن ذلك من شأنه أن يفسد المجتمع ويفككه وينشر الكراهية ويحرضُ على الجريمة بين الشعوب.

إن الإسلام دين عظيم، حيث قال تبارك وتعالى: (يا أيها الناس إنا خلقناكم من ذكر وأنثى وجعلناكم شعوباً وقبائل لتعارفوا..) لم يقل الله تبارك وتعالى خلقكم شعوباً وقبائل لتحاربوا أو تتباغضوا.

وأما الدين المسيحي فله وجهة موافقة حيث جاء في الإنجيل:‏ «امقتوا ما هو شر،‏ والتصقوا بما هو صالح» وليس هناك أشر ممن يسخر بالآخرين وينتقص منهم.

إن أمن المجتمعات مسؤوليتنا كلنا من أصغر فردٍ فينا إلى أكبرنا الآباء والمعلمين والقادة والحكماء والأدباء كلهم يجب أن يكونوا في خندق واحد لحماية الأجيال القادمة من هذه الآفة. كلنا مسؤولون عن نشر قيم التسامح والتآخي بين أفراد المجتمع الواحد.

وكما أن القوانين تجرم الأعمال السيئة التي تضر بالمجتمع مثل السرقة والقتل والاحتيال والاعتداء على الآخرين فمن باب أولى أن تجرم من ينشر البغضاء بين نسيج المجتمع الواحد. قال تبارك وتعالى: (الفتنة أشد من القتل)، وإن تجريم مثل هذه الأفعال يجنبنا أن يصدق علينا المثل: (من أمن العقوبة استمرأ الذنب).

إن الناظر في الضجة التي أحدثتها الرسوم المسيئة إلى النبي عليه الصلاة والسلام يعلم يقيناً أنها ليست مسيئة للأديان بل هي مسيئة لكل القيم الأخلاقية والانسانية.

رسوم فيها من الوقاحة والسفالة الأخلاقية الشيء الذي يستحي الرجل أن يمررها لزوجته للتنظر إليها! فأي انحلالٍ أخلاقي يدعون إليه باسم الحرية والانفتاح؟!

لا يوجد إنسان يقبل أن توجه هذه الرسوم إليه أو لأحد من أقربائه فكيف بمن نعتبرهم قدوة لنا ومعلمين ومُخَلِّصين لهذه البشرية؟! وهل هذه طريقة مناسبة لنشكرهم على ما بذلوه من تضحية وتعبٍ من أجل بناء الإنسان والسموِّ به.

إن هذه السلوكيات بين الفينة والأخرى تبدو وكأنها مدروسة لنشر الرذيلة والإنحلال بين الشعوب. وما ينغص عليك إلا أنهم يغلفونها ببعض الشعارات التي سئمت منها الشعوب: “الحرية” و”الإنفتاح”.

“الحرية والإنفتاح” وعكسهما “الرجعية و التعصب” كلاهما يفسد علينا حياتنا، ولا نحصل من كليهما سوى على مزيد من التخلف والتدهور المجتمعي والسقوط في مستنقع الكراهية، والخاسر الوحيد منه هو نحن. بكل تأكيد هم قلة من هنا وهناك، والواجب على الجميع التكاتف وعدم الإصغاء إلى كليهما.

الجريمة مهما كانت كبيرة أم صغيرة، ستبقى جريمة وسنبقى ندور في حلقة مفرغة من الكره والاستهزاء والاعتداء والقتل. نريد مجتمع مسالم يعيش بسلام بعيداً عن كل هذه الأمور.

كل الديانات تدعو للتسامح ويجب أن نبذل كل الجهود في سبيل تعليم التسامح وطرق العيش المشترك بين التلاميذ في المدارس والجامعات ودور العبادة.

وقد ذُكِرَ في التوراة: “لا تضطهدوا الغرباء فأنتم تعلمون مشاعرهم فقد كنتم غرباء في أرض مصر” لاويين 18:19

لكن للأسف وبعد كل ذلك يأتي علينا من يجعل من الإساءة للأديان شيئاً من حرية التعبير.

حرية التعبير لا تعني أن تغتصب مني كرامتي وتسخر من معتقدي وقدوتي. كيف يمكنكم أن تدَّعوا أنكم تحترمونني وأنتم تسخرون من أمي وأبي أو تشتموهم أو تكذبوا عليهم. فكيف بمن يتهكم ويسخر من ديني ومعتقدي ثم بعد ذلك يدَّعي أنه يحترمك ويقدرك؟! الدين والمعتقدات هي من باب أولى أن تصان وتحترم.

إيطاليا تلغراف


شاهد أيضا

شاهد أيضا