كيف نفهم فكر الدكتور العثماني رئيس وزراء المغرب من خلال كتبه بعد تطبيع الرباط علاقاتها مع إسرائيل بوجوده-الجزء 1+2
صالح الشحري
1/الجزء الأول من مراجعتي لكتاب رئيس الوزراء المغربي سعد الدين العثماني “في فقه الدين والسياسة”
اجتذبت مؤسسة الحكم المغربية الكثير من الأضواء بعد خطوة التطبيع مع إسرائيل، وحيث إن حزب العدالة والتنمية هو الذي يشكل الوزارة في المغرب، فإن الجمهور الإسلامي توقع منه موقفاً آخر ضد التطبيع، حيث يعتبر هذا الحزب امتداداً للأحزاب الإسلامية، ولكن البعض يرون أن له نكهة مختلفة.
أحاول هنا أن أقدم شيئاً عن فكر الدكتور سعد الدين العثماني رئيس الوزراء المغربي، من خلال كتابه في فقه الدين والسياسة، وهو كتاب صدر له قبل أن يكون رئيساً للوزراء، ترى كيف سيتعامل صاحب هذا الفكر مع الانفتاح مع إسرائيل وتطبيع العلاقات معها؟

لا شك أن التجارب المهمة في العمل الإسلامي التي برزت من خلال تطورات حزب النهضة في تونس وحزب العدالة والتنمية في المغرب خليقة بالاعتناء والمدارسة، خاصة أنها قد استطاعت أن تتجنب إلى حد كبير الكثير من الصراع مع قوى مجتمعية.
الأمر الذي أدى إلى جر الحركات الإسلامية المشرقية إلى صراع وجود كانت نتيجته حتى اللحظة الراهنة ألا يأخذ مشروعها الإسلامي طريقه إلى النور، وهذا الكتاب يوضح بجلاء الكثير من اختلاف أنماط التفكير بين المغاربة والمشارقة التي انتهت إلى اختلاف المشهد
المؤلف من أبرز الزعماء المغاربة
فبالإضافة إلى تجربة العثماني السياسية الفريدة هو صاحب معرفة علمية ثرية، وابن لعائلة أمازيغية (بربرية) معروفة بالعلم والعلماء منذ ألف سنة، كما أنه طبيب متخصص في الطب النفسي، وحاصل على الإجازة في علوم الشريعة والدراسات العليا في الفقه، وهو أحد منظري الفصل بين العمل الدعوي والسياسي، وتطبيق ذلك على أرض الواقع.
وهو أحد القادة الشباب الذين تولوا مسؤولية حركة الشبيبة الاسلامية بعد خلو مقعد الرئيس المؤسس عبدالكريم مطيع بهجرته خارج المغرب، حيث أسس هو وزملاؤه الحركة التي ورثت الشبيبة وعرفت لوقت قصير بالجماعة الإسلامية، لكن قناعات العثماني أدت إلى تغيير الاسم إلى حركة الإصلاح والتجديد حتى لا يفهم من الاسم السابق إقصاء أو نفي الاسلامية عن الآخرين (كما يُفهم من إسم الاخوان المسلمين مثلاً)، وقد غيرت الحركة قيادتها أكثر من مرة وكانت في ذلك سباقة لمثيلاتها في الساحة الإسلامية.
يتضح من كتاب العثماني “في فقه الدين والسياسة” أن فكره تأصيلي ملتحم بالواقع وقد أصل للمشاركة السياسية، ولعله تمكن من إقناع الكثيرين من الحركيين الاسلاميين برؤيته التي كانت غريبة على الحركيين الإسلاميين باتكآئه على تراث ابن تيمية.
علاقة الدين بالسياسة
يرى العثماني في هذا الكتاب أن العلاقة بين الدين والسياسة ليست علاقة فصل، لأن الدين حاضر في السياسة في كل البلدان والثقافات بدرجة من الدرجات، ولكن هذه العلاقة ليست علاقة وصَل تام؛ لأن الفعل السياسي في الإسلام دنيوي بامتياز، فهو بشري اجتهادي تقديري، رغم كونه من حيث العموم يخضع لمبادئ الدين وأحكامه.
وقد سادت هذه النظرية في العمل الإسلامي في المغرب فمثلاً حركة التوحيد والإصلاح حركة للدعوة والتربية، غير أنها لا تمارس العمل السياسي، بل وتترك العمل السياسي كلياً إلى حزب العدالة والتنمية، وهذه مستقلة عن تلك استقلالاً تاماً.
السنة والفقه المقاصدي
يتحدث الفصل الأول في الكتاب عن الفقه المقاصدي، وهو منهج في التعامل مع الفقه شاع في المغرب وبرز فيه أئمة في الماضي كالقرافي والشاطبي، وهو منهج يدعو إلى الالتفات إلى مقاصد الشارع في الأحكام المتعلقة بالواقع البشري المتغير، خاصة وأن المتابع للقران والسنة يراها ترشد إلى ارتباط الأحكام بعللها ويدور الحكم مع العلة حيث دارت، هذا في المعاملات أما في العبادات فالمطلوب هو تنفيذ النص دونما بحث عن العلة، ويدلل الكاتب على خطر الحرفية في فهم النصوص بأدلة كثيرة ومن الأدلة التي ساقها قوله صلى الله عليه وسلم: “إذا أتيتم الغائط فلا تستقبلوا القبلة ولا تستدبروها ولكن شرقوا وغربوا”، فالعلة أبانها الرسول هي احترام القبلة بعدم الاستقبال والاستدبار، ولكن التشريق والتغريب خاص بمجتمع المدينة التي تقع شمال مكة، أما التشريق والتغريب في غيرها فقد يعني استقبال القبلة واستدبارها، إذن بالفهم الحرفي من غير اتباع المقاصد يخرج النص عن معناه، وعلى ذلك أمثلة كثيرة..
ثم يتحدث عن أقسام تصرفات رسول الله فمنها ما هو لازم لجميع الامة بإطلاق، ومنها ما هو غير ملزم في أحكامه الجزئية التي يجب أخذها في إطار الملابسات والظروف التي صاحبتها أول مرة، ومثل ذلك تصرفه في القضاء والإمامة.
علم أصول الفقه
هو العلم الذي جاء لضبط الفهم، وخاصة ضوابط الاستنباط الفقهي، ومنهجه عقلي مجاله الواقع، ومن مناهج أصول الفقه اضافة إلى الاستنباط الاستقراء، أما لماذا كانت الحاجة إلى علم أصول الفقه؟ فمن الواضح أن ذلك كان لأسباب أهمها: بُعد الزمان عن عصر الوحي، والحاجة إلى ضبط العُرف اللغوي، حيث قد تختلف مدلولات اللغة باختلاف البيئة التي تستعمل فيها زمانياً ومكانياً، وضبط المناخ القرآني الذي نزل ضمن جو عام كان سائداً في زمن الوحي، ففُهم من خلال ضوابط في لا وعي الناس، لذا فقد تميز علم أصول الفقه بالاعتماد على الكليات والقواعد العامة لضبط التشريع، بدلاً من الضياع مع الجزئيات.
قد يقول قائل ولكن ما ينشأ عن هذا قد يخالف ما نعرفه عن اكتمال الدين في عصر الرسول، يرد الإمام الشاطبي أن اكتمال الدين إنما يعني اكتمال أصوله الكلية التي بها تُستنبط الكليات وتعرف، وحفظ الدين إنما هو حفظ الأصول وصيانتها عن التبديل والتحريف والخطأ، إن من مزالق التعامل مع نصوص الشريعة هو أن تؤخذ بعيداً عن كلياتها، وهذا قد يؤدي إلى عكس المراد شرعاً من حكم النص، ولهذا أنكرت أمنا عائشة مثلاً فهم بعض الصحابة لأحاديث رويت عن رسول الله مثل إنكارها على ابن عمر حديث إن الميت ليعذب ببكاء أهله عليه لأنه يعارض الأصل القرآني (ولا تزر وازرة وزر أخرى)، ولذا فسرت الحديث بأن المقصود بعذاب الميت تألمه علي أهله لا أن يعاقب عليه، وحين ننتقل إلى السياسة الشرعية يرى بعض الإسلاميين أن في مشاركة الإسلاميين غيرهم في العمل السياسي هو إعطاء الولاء لغير المؤمنين، وليس ذلك إلا لجهلهم بمقاصد الشرع المطلوبة في الحكم على الواقع البشري، وسوء فهم لحرفية بعض النصوص وذلك لعدم فهمها ضمن كليات الشريعة في الموازنة بين المصالح والمفاسد، واحتمال أدنى المفسدتين إذا رجح الوصول إلى أعلى المصلحتين.
ثم ينتقل المؤلف إلى شرح فقه مراتب الأعمال، الذي بغير فهمه لا يجوز الاتكاء على حفظ بعض النصوص، بل إن ابن تيمية قال إن أبا هُريرة من أحفظ الصحابة ولكن أين فهمه من فهم ابن عباس وتفسيره واستنباطاته، فهمة الأول كانت مصروفة إلى الحفظ والتبليغ وهمة الثاني إلى الاستنباط وتفجير النصوص وشق الأنهار منها واستخراج كنوزها، وفي القرآن أمثلة كثيرة على مراتب الأعمال، (أجعلتم سقاية الحاج وعمارة المسجد الحرام كمن آمن بالله واليوم الآخر وجاهد في سبيل الله) وآية (إن تبدوا الصدقات فنعما هي وإن تخفوها وتؤتوها الفقراء..)، وقد وضع علم الأصول قواعد مراتب الأعمال، فقسمها في واقع البشرية بالترتيب إلى ضروريات وحاجيات وتحسينات، بل إن الضروريات لها مراتب فما تعلق منها بالدين ليس في التأكيد كتلك التي تتعلق بالنفس ولا ما يتعلق بالنفس كالذي يتعلق بالعقل، وعلى العامل في الحقل الدعوي أن يعرف درجات الأمر ودرجات النهي وأن ينزل كل ذلك منزلته بغير إفراط أو تفريط، ويرى المؤلف أن غياب الإحساس بالأولويات أدى إلى أخطاء كثيرة لدى العاملين في الحقل الدعوي، إذ أدى إلى انصرافهم عن العمل في الضروريات تجنباً للتفريط في الحاجيات أو التحسينيات وفي هذا خلل جلي.
التجديد في الدين
التجديد في الدين أمر أصيل والحديث المشهور يفيد: (إن الله يبعث لهذه الأمة على رأس كل مئة سنة من يجدد لها أمر دينها)، وعليه فالدين قابل للتجديد، وإذا لم يتجدد فمسؤولية المسلمين أن يجددوا، وقد اشتهر عن ابن القيم تعليقه على فصل في تغيير الفتوى بتغير الزمان والمكان والأحوال والنيات والعادات، واعتباره أن ذلك جزء من رسالة الإسلام، على أنه لا تجديد في الدين بغير ضوابط، أهمها أن يكون ضمن القواعد الكلية للدين، فقاعدة لا ضرر ولا ضرار تعني أن المصلحة العامة مقدمة على المصالح الخاصة، وثانيها ألا تتعرض الأحكام القطعية الثابتة – وهي قليلة – إلى اي نقض أو معارضة.
2/ الجزء الثاني من مراجعتي لكتاب رئيس الوزراء المغربي سعد الدين العثماني “في فقه الدين والسياسة”
أما عن السياسة الشرعية والتجديد فالعثماني يرى في كتابه أن بعض المنشغلين بالعمل الإسلامي يعانون في فهمهم من الغلو في التشبث بالأشكال على حساب المقاصد، ومن الوقوف عند الظواهر على حساب المعاني، وهذا يؤدي إلى جمود وإلى مفاسد تتعلق بعقائد الأمة ومبادئها ومصير الملايين من أبنائها، وإنما أتت الشريعة لتحقيق المصلحة.
والمصالح عند الأصوليين ثلاثة: فمصلحة معتبرة، وهي ما ثبت اعتبارها بالأدلة الشرعية كالحدود والقصاص، ومصلحة ملغاة وهي ما ثبت بالأدلة ردها وعدم اعتبارها، وكلتا المصلحتين المشار إليهما واضحة ولا مجال للاجتهاد والتجديد فيهما.
أما النوع الثالث من المصالح فهي المصالح المرسلة، وهذه مناط الاجتهاد، وهي مصالح ملائمة لمقاصد الشرع، لكن لا يشهد لها دليل خاص لا بالاعتبار ولا بالإلغاء، كفعل أبي بكر في جمع المصحف مثلاً، ويخضع الحكم فيها لموازنة المصالح والمفاسد ولتحقيق مقاصد الشريعة.
(لولا حداثة قومك بالكفر لنقضت البيت ثم لبنيته على قواعد إبراهيم)، لقد كان في إعادة بناء الكعبة على قواعد إبراهيم مصلحة تمناها رسول الله، لكن لما عارضتها مفسدة تنفير أهل مكة حديثي العهد بالإسلام تركها رسول الله صلى الله عليه وسلم.
السياسة الشرعية كما يقول ابن القيم ما كان فعلاً، بحيث يكون الناس معه أقرب إلى الصلاح وأبعد عن الفساد، وإن لم يشرعه رسول الله ولا نزل به وحي.
وقد ناقش أحد الفقهاء من قال (لا سياسة إلا ما وافق الشرع) فقال: إذا كان المعنى لم يخالف ما نطق به الشرع فصحيح، ولكن لو كان المقصود أنه لا سياسة إلا ما نطق به الشرع فغلط، بل فيه تغليط للصحابة، مثل الخلفاء الراشدين الذين أمروا بأشياء كثيرة لم ترد فيها نصوص كالدواوين مثلاً.
أما أبرز مثال على المصالح المرسلة والتعامل معها بالترجيح مع المفاسد فهو تولي الولايات العامة، وفي فتاوى ابن تيمية يقول: لو كانت الولاية غير واجبة ومن تولاها أقام الظلم فتقدم لتوليها من قصده تخفيف الظلم ودفع أكثره باحتمال أيسره، كان ذلك حسناً مع هذه النية، وكان فعله لما يفعله من السيئة بنية دفع ما هو أشد منها جيداً، ومثال ذلك تولي يوسف خزائن الأرض في مصر، ليدفع عن الناس عاقبة القحط والمجاعة، بينما يعمل مع ملوك غير موحّدين، وقد لا يقيمون العدل في رعيتهم.
إذن: فهل تُولّى الولايات العامة لحكام لا يقيمون حكم الإسلام، وهل يُعتبر من الركون إلى الظالمين؟ (وَلَا تَرْكَنُوا إلى الَّذِينَ ظَلَمُوا فَتَمَسَّكُمُ النَّارُ) الآية.
الإجابة بالطبع لا؛ لأن الركون المنهيّ عنه هو الرضا بما عليه الظَلَمة، أو تحسين أفعالهم وتزيينها عند غيرهم، ومشاركتهم في شيء من تلك الأبواب، فأما مداخلاتهم لرفع ضرر واجتلاب منفعة عاجلة فغير داخلة في الركون.
هل الدولة الإسلامية مدنية أم دينية؟
هل ينسجم وجود الإسلام ومجتمع الإسلام مع دولة مدنية، تَنبنِي فيها الشرعية على إرادة الشعب، وتصدر فيها القوانين من مؤسسات مخولة بالانتخاب، وتتخذ قرارها وفق ما تراه مصلحة للمجتمع؟
يبحث الكاتب عن الإجابة في تصرفات الرسول صلى الله عليه وسلم.
فيمكن تقسيم التصرفات النبوية إلى تصرفات تشريعية وتصرفات غير تشريعية، فالتصرفات التشريعية هي ما صدر عن الرسول للتشريع والاقتداء، وهي إما تصرفات بالتشريع العام في توجهها إلى الأمة كافة، إما بالتبليغ وإما بالفتيا، وهناك تصرفات بالتشريع الخاص، وهي مرتبطة بزمان ومكان وأحوال وأفراد معينين، وليست عامة للأمة كلها، ويدخل فيها تصرفاته بالقضاء والإمامة، وهي مُلزمة لمن توجهت إليهم فقط وليست عامة للأمة كلها.
أما التصرفات غير التشريعية فهي تصرفات لا يقصد بها الاقتداء والاتباع لا من عموم الأمة ولا ممن توجهت إليهم، وقد صاغ ابن قيم الجوزية في ذلك قاعدةً مهمةً “لا يجعل كلام النبوة الجزئي الخاص كلياً عاماً، ولا الكلي العام جزئياً خاصاً، فيقع من الخطأ وخلاف الصواب ما يقع”، وتعريف هذه التصرفات الشرعية الخاصة ما كانت مرتبطة بتدبير الواقع وسياسة المجتمع، فهي خاصة بزمانها ومكانها وظروفها، يقول الطاهر بن عاشور إنها ليست شرعاً عاماً ملزماً للأمة إلى يوم القيامة، وعلى الأئمة وولاة الأمور بعد الرسول ألَّا يجمدوا عليها، وإنما عليهم أن يتبعوه في المنهج الذي بنى عليه تصرفاته، وأن يراعوا التصرفات الباعثة عليها، والتي رعاها النبي صلى الله عليه وسلم زماناً ومكاناً وحالاً، ومثال ذلك ما نُقل عن الرسول “من أحيا أرضاً ميتة فهي له”، ففي غير عهد الرسول يكون للجهات المسؤولة أن تمضي مثل هذا، أو أن تتصرف بطريقة أخرى حسب مصلحة المجتمع الراجحة.
وكذلك: “من قَتَل قتيلاً فله سلبه”، فقد كان هدف الرسول الترغيب في القتال، وللإمام بعد الرسول أن يمضي تشريعاً آخر، وقد رأينا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم نهى عن ادخار لحوم الأضاحي ما يزيد على ثلاثة أيام في إحدى السنوات، ثم عاد في سنة أخرى فأباح ادّخارها، ولمّا سئل أفاد بأنه في سنة منع الادخار دخل على المدينة خلق كثير من الفقراء فأراد توفير الطعام لهم، ومثل ذلك تصرفاته صلى الله عليه وسلم في الأمور غير الدينية، والمقصود بها ما يقع فيه التنازع لمصالح الدنيا، وفي الحديث عن مسألة تأبير النخل الذي ذُكر لرسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال: “ما أظن ذلك يغني شيئاً”، فترك الناس تلقيح النخل فلم يُثمر، فأخبروا رسول الله فقال: “إن كان ينفعهم ذلك فليصنعوه، فإني إنما ظننت ظناً، فلا تؤاخذوني بالظن، ولكن إذا حدثتكم عن الله شيئاً فخذوا به، فإني لن أكذب على الله”.
ويمكن استنباط بعض المؤشرات التي تتعلق بالممارسة السياسية مثل:
1- الوعي بأن التصرفات النبوية بالإمامة -وهي غير ملزمة- يوفر أساساً منهجياً للعديد من القضايا المطروحة في الفكر السياسي الإسلامي المعاصر، فالإسلام ينزع صفة القداسة عن ممارسة الحُكام وقراراتهم، وكذلك لا قداسة للوسائل التي تتوسل بها الدولة لإدارة شؤون الأمة.
2- الدولة في الإسلام دولة مدنية، قراراتها بشرية، والحاكم لا يستمد شرعيته من قوة غيبية، بل هو مجرد فرد عادي يستمد ولايته من الأمة التي اختارته وكيلاً عنها، وهو مسؤول أمام الشعب في الدنيا، فضلاً عن مسؤوليته أمام الله يوم القيامة. وقد استدلّ الشافعي بحديث “لا تُقبل صلاة من أمَّ قوماً وهم له كارهون”، قال: فمن باب أولى لا يجوز له أن يحكمهم وهم له كارهون.
الإسلام السياسي وتحديات الإصلاح وتداول السلطة:
يثير لفظ الإسلام السياسي بعض التحفظات، إذ قد يحيل إلى نظرة تجزيئية للدين، بحيث تتبنى كل جماعة مكوناً من مكونات الدين، ويدحض هذا الفهم أن المعنيين هنا لا ينكرون المكونات العقدية والتصورية والعبادية والاجتماعية للدين، ولا يتوقفون عند المكون السياسي وحده، والتحفظ الآخر هو إحالة اللفظ إلى معنى التوظيف السياسي للإسلام، أي إلى نوع من الانتهازية السياسية، والكاتب يشير إلى أن مصطلح الأحزاب السياسية ذات المرجعية الإسلامية هو المصطلح الذي اختاره حزب العدالة والتنمية المغربي للتعبير عن هويته.
أما الإصلاحية التي يقصدها المؤلف فهي تعني إنجاز التحولات الاجتماعية من خلال البنيات الاجتماعية والاقتصادية للمجتمع، أي من خلال المؤسسات القائمة.
أما تداوُل السلطة فيعرفها المؤلف بأنها العملية السياسية التي ينتج عنها تغيير سلمي مدني في الفاعلين في صناعة القرار السياسي، والمنفذين له، والتداول يقتضي:
– وجود تعددية حزبية.
– انتخابات حرة ونزيهة تُعقد دورياً.
– إفراز المؤسسات الحاكمة بناء على نتائج الاقتراع.
منطلقات حزب العدالة والتنمية:
بداية يقول الكاتب إن النظام الملكي المغربي ذو طبيعة خاصة، تتميز بتجذره التاريخي وأصالته القائمة على المرجعية الإسلامية، وله رصيد في النضال ضد الاستعمار أكسبه تقاليد ذات فاعلية في تدبير التوازنات السياسية. وإضافة لذلك يتميز النظام بطبيعةٍ غير طائفية، ويرى حزب العدالة ضرورة التوافق على ثوابت وطنية تضمن الاستقرار وتحمي البلاد من التدخل الأجنبي، ويتم على أساسها التنافس السياسي وتداول السلطة.
أما ثوابته فهي قائمة على الإسلام والوحدة الوطنية والملكية الدستورية، أما مرجعيته الإسلامية فهي الوسطية باجتناب الغلو، والتجديد والتفاعل الخلاق مع الحداثة الفكرية والسياسية.
ولا يعتبر الحزب نفسه وصياً على الإسلام أو ناطقاً باسمه، ويؤكد الحزب على أن حقوق المواطنة الكاملة لا تمييز فيها على أساس الدين أو العرق أو الجنس، والانتماء للحزب انتماء سياسي على أساس المواطنة، واجتهاداته واختياراته اجتهادات بشرية، ويعتمد في سياسته على الاتجاه التوافقي بدلاً من منهج المغالبة والممانعة والإقصاء.
المرأة في فكر حزب العدالة والتنمية:
موقف الحزب من قضايا المرأة يُمثل في نظري أرقى ما وصل إليه الفكر السياسي في الإسلام في الماضي والحاضر، وتذكر أدبيات الحزب أنه نظراً للحيف الذي تعرضت له المرأة ومعاناتها من تفشي الجهل والأمية وهضم حقوقها، واستفحال استغلالها اجتماعياً واقتصادياً وجنسياً، فقد ضعف حضورها في مراكز صناعة القرار، ولهذا يؤكد الحزب على تعزيز دور المرأة فى الحياة السياسية.
يرى الحزب أن هناك فجوة تاريخية أضعفت دور المرأة، ولذا فإنه يحرص على ردم هذه الفجوة بالعمل على تكافؤ الفرص بين الجنسين. ويؤكد على التفاعل الإيجابي والخلّاق مع مكتسبات المرأة التي تحققت في المجتمعات الغربية، وما أفرزه من وثائق واتفاقيات، ويُشدد على أن هذا التفاعل لا يمنعه من إبداء تحفظاته على بعض الأبعاد الفلسفية والأيديولوجية التي تتعارض مع الشريعة.
لعلّي بهذا العرض قد ألقيتُ أضواء كاشفة على تفكير حزب العدالة والتنمية الحاكم فى المغرب، الذي مازلت آمل أن يقف الوقفة المرتجاة ضد التطبيع مع العدو الإسرائيلي.





