وكان الله بالسر عليمًا

إيطاليا تلغراف

 

 

 

*الدكتور شنفار عبدالله

 

 

الشعوب العربية الإسلامية قد ابتلاها الله بالأزمات! شعوب تمضغ اليأس وتتجرع اللوعة وتجتر ذكريات الماضي!
شعوب مسكونة بأنماط تفكير تقوم على التمني بحدوث معجزات تخرجها من الظلمات إلى النور؛ مع أنه ما نيل المطالب بالتمني؛ بل تؤخذ الدنيا غلابا؛ مصداقًا لقول الشاعر أحمد شوقي؛ وبالقدرة على الفعل وردة الفعل!

أمة مسكونة بالاستدلال بالعظمة؛ عظمة الرسل والأنبياء! نعم الأخذ بعظمة رسل وأنبياء قومهم وعصرهم؛ صلى الله عليهم وسلم؛ ولكن هم أناروا لنا الطريق ورسموا لنا خطة وضرب لنا بهم مثلًا؛ لتفادي الوقوع في الأزمات!
أمة مسكونة برد الابتلاءات والأزمات إلى الاستشهاد بالكثرة والاحتكام إلى فعل الغالبية من الناس ومن شعوب العالم! لكن استحضار الأغلبية المبتلات هي الأخرى؛ يختلف كثيرًا عن الابتلاء الذي نحن فيه؛ ولا مجال للمقارنة والقياس مع وجود شاسع الفارق!

فنحن أمة تنام على الدمار في أفغانستان!
وتُصْبح وتفطر على كارثة انفجار عمل إرهابي في الصومال وسوريا والعراق وعملية انتحارية في تونس وفي 16 ماي بالدار البيضاء بالمغرب!
وتتغدى على أزمة سياسية في ليبيا ولبنان واليمن ومحاولة قلب النظام في الأردن وموريتانيا؛ بطرق غير دستورية وغير شرعية ومشروعة!
ونُمْسي ونتعشى على مجزرة قصف يشنه الطيران الحربي الاسرائيلي على الأطفال والنساء والشيوخ والمباني والمنشآت الفنية والبنيات التحتية والفوقية في قطاع غزة!
دون تحويل العائد من كل هذه الابتلاءات والأزمات والضربات المتوالية الموجعة؛ إلى خبرة وعبرة واعتبار لتفادي الوقوع فيها مستقبلًا.
ومن أشد الأمور غرابة؛ أن يختزل الجواب في الوقوف عند عبارات وأجوبة جاهزة ويقال: “المؤن مبتلى!” “وقدر الله وما شاء فعل!” “ولم نكن نتوقع!” وباستحضار قوله تعالى:
{وَمَا أَصَابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ.}
وكذلك في قوله: {أَوَلَمَّا أَصَابَتْكُمْ مُصِيبَةٌ قَدْ أَصَبْتُمْ مِثْلَيْهَا قُلْتُمْ أَنَّى هَذَا قُلْ هُوَ مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِكُمْ.}
وفي قوله: {مَا أَصَابَكَ مِنْ حَسَنَةٍ فَمِنَ اللَّهِ وَمَا أَصَابَكَ مِنْ سَيِّئَةٍ فَمِنْ نَفْسِكَ.}
وقوله عز وجل: {وَلَوْلَا أَنْ تُصِيبَهُمْ مُصِيبَةٌ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ.}

هناك خلل بنيوي في أنماط التفكير يستحيل الخروج معها من مختلف أبعاد الابتلاء؛ ما دمنا لم نستطع تدبير الاختلاف والتواصل وفهم الواقع وفهم معنى التعايش والتكامل والتضامن والتطابق والتمازج والاستفادة والتفاعل مع تجارب شعوب وأمم العالم؛ في كيف تجاوزت محنها وكيف حولت العائد من الابتلاء الى خبرة وعبرة.
إن الإشكال المطروح في القضية الفلسطينية؛ يتجلى في كيف يمكن تفكيك جدلية الاعتماد المتبادلة في معادلة:

* خيار التفاوض بدون مقاومة؛
* والمقاومة بدون أجندة تفاوضية.

أمَّا الهتافات في الشوارع والساحات بالعويل والشعارات؛ وعبارات الإدانة والاستنكار وحرق العلم الاسرائيلي؛ وحشد الناس والتفكير اختراق الحدود المزروعة بالألغام؛ واشتراط عدم التولي يوم الزحف؛… وغيرها من صور الاحتجاج؛ كلها في نظري لا تجدي شيئًا ولن تظيف جديدًا للقضية الفلسطينية؛ التي أصبح يتم اختزالها في السقف: القدس وغزة أو معبر رفح أو الضفة؛ عوض القضية الفلسطينية ككل لا يتجزأ.
في جدلية التطبيع لدرجة التصبيع؛ لكن السؤال هو: كيف كان حالك قبل التطبيع؟
قرأت فيما لمحت عيني من أشد الأمور غرابة واستخفافًا بعقول الناس؛ أحدهم كتب يقول: “التطبيع أعطى الضوء الأخضر للجيش الاسرائيلي للتنكيل بأهالي المقدس”! وترديد شعار: “وَيْلاً وَيْلاً يا يهود.. جيش محمد سَيعُود”! وكذا “خَيْبَر خَيْبَر يا يهود.. جيش محمد سَيعُود”!

ترديد هذا الهتاف الذي يستيقظ بمناسبة يوم الأرض؛ أو منع المصلين من دخول مسجد القدس؛ أو شن غارات همجية إسرائيلية على الضفة الغربية أو قطاع غزة أو اجتياح فلسطين أو شمال لبنان… وغيرها من المناسبات؛ حيث يصدح به حلق بعض المشايخ بصوت مرتفع لدرجة تكسير المنبر بالعصا؛ أو جماهير في الشوارع والساحات العمومية!
جيش محمد هذا؛ ﷺ؛ هل يوجد في ثكناته وينتظر الأوامر من أجل التحرك؟ هل يوجد في أساطير الأولين؟ هل هو مجرد وهم؟ هل هو مجر شعار عاطفي؟

صاحب الخطاب السياسي المبني على معطيات الواقع؛ يكون له التزام؛ وعندما لا يستطيع تغيير الواقع؛ فإنه يعمل على إحداث تعديلات وإدخال تغييرات على شروط إنتاج واستمرار هذا الوضع أو الواقع؛ من خلال دراسة معمقة حول الممكن والغير الممكن؛ المنطقي والغير منطقي؛ المتاح والغير متاح من الجيوش واللوجستيك والمعدات وحتى التوقيت والمكان والمناخ الزاهي والخارجي والدولي والعالمي… وغيرها.
أما صاحب الخطاب العاطفي؛ فمسكين له أنماط تفكير بالتمني بأن معجزة ستحدث يومًا ما وتغير حياته ومجريات الصيرورة التاريخية.

اللسان لا يوقفه شيء؛ إلا سعة الإمكانات.
في المجتمعات الحديثة؛ هناك حرب أفكار مستدامة. وعندما نخاطب عقولًا وأفكارًا؛ فنحن نصنع بذلك الرأي العام؛ من خلال محاولة إحداث تغييرات وتأثيرات عميقة فيه.
وبالتالي لكي ننجح في إيصال فكرة معينة؛ لابد من معرفة شيفرات المتلقي أو من نخاطب. هذه الشِّفرات تتغير باستمرار من حال إلى حال؛ وفيها الثابت الذي لا يتحول ولا يتغير وفي حالة جمود.

الأمر اذن يتطلب ذكاء وقدرات لمعرفة قوانين التحول الاجتماعي؛ التي هي عبارة عن فضاءات ومساحات ملغومة ومزروعة بالعديد من الأفكار والقيم والألغام السابقة من مختلف القناعات والمصالح المتناقضة؛ الاجتماعية والسياسية والمالية والاقتصادية والشخصية والعسكرية والإستراتيجية… وغيرها؛ منها الضارة ومنها النافعة؛ ومنها الإيجابية ومنها السلبية.
ومن هذه القوانين والمعايير والمؤشرات؛ والأبعاد المتواجدة في عقول البشر؛ هي إدراك مدى القابلية للأفكار المطروحة ومعرفة مدى عناصر المقاومة وردود فعل الحرس القديم واستيعاب كل تلك المتناقضات الاجتماعية.

فمعرفة شِفرات هذه الذاكرة المشوشة والتي تعيش حالة شك وريب وارتباك أو حالة جمود وركود وأفكار ميتة؛ يتطلب القدرة على التواصل؛ من خلال عملية انتقاء المعلومات ودراستها بدقة؛ لمعرفة من ستقاوم ومن ستقتنع بسهولة ومن يسهل تغييرها؛ مع إخضاعها للتقويم والتتبع والتجاوز لخلق فضاء مفتوح قابل للتطور.
وبالتالي كل خلل في الخطاب والتواصل وفهم الواقع الدولي والمحيط العالمي؛ سوف يؤدي حتماً إلى نتيجة عكسية.
وكان الله بالسر عليمًا.

*باحث ومفكر من المغرب

إيطاليا تلغراف


شاهد أيضا
تعليقات
الآراء الواردة في التعليقات تعبر عن آراء اصحابها وليس عن رأي جريدة إيطاليا تلغراف.
تعليقات الزوار
Loading...