*دكتور محمد براو
المحور الثاني: الحكامة الاقتصادية
سيرا على المنهج المتبع في هذه الأوراق التحليلية، بمحاورها الأربعة، يتناول المحور الثاني في مبحث أول فحوى المنظور الملكي للحكامة الاقتصادية (أولا) وفي مبحث ثان محاولة من الباحث في بسط تأملاته واستنتاجاته (ثانيا).
ننتقل اعتبارا من هذه الحلقة من المبحث الأول إلى المبحث الثاني الذي يتضمن تأملاتنا واستنتاجاتنا.
ثانيا: تأملات واستنتاجات
في أهمية الحكامة التنموية وعلاقتها بالحكامة الديموقراطية
إذا كانت السياسات العمومية المغربية قد أولت تاريخيا أهمية أكبر للمقاربة القانونية والسياسية للديموقراطية، فإن من الملاحظ أن منظور الملك محمد السادس قد بدا عليه الدفع نحو تعديل ميزان المعادلة في اتجاه البحث عن التوازن بين مسار التنمية الاقتصادية والاجتماعية وتثمين الإمكانات البشرية من جهة والحاجة لإعادة تجديد وتصليب البناء الديموقراطي للدولة والمجتمع المغربيين من جهة أخرى.
من أجل ذلك فإن التحرير الاقتصادي الذي انتهجه المغرب إنما الهدف المفترض منه ذو الأولوية هو تخفيف وطأة الفقر على فئات عريضة من الشعب المغربي، وتعبيد الطريق نحو التقدم في مسيرة الإصلاح السياسي والاجتماعي….
ومن هنا فإن التطور الاقتصادي يعتبر شرطا ضروريا للتطور الديموقراطي، صحيح أن المغرب يعرف وضعا اقتصاديا مريحا نسبيا لكنه غير مأمون من الهزات والمخاطر المتأتية من عدم القدرة على التحكم في العوامل غير القابلة للسيطرة عليها كالمناخ وتغيرات الوضع المالي العالمي وهذا ما أبانت عنه الآثار الجانبية للأزمة المالية على المغرب كما أكد على ذلك وأقره الملك في أحد خطبه؛ ومع الأخذ بالاعتبار هذا الاستدراك فإن المغرب قد حقق مكاسب اقتصادية إيجابية متقدمة نسبيا عن مكاسبه الاجتماعية؛ ولا سيما على منجزاته ذات الصلة بالتنمية البشرية…
وهذا التقييم المختلط من حيث النتيجة يحيل على التساؤلات الفلسفية والتجربيبية الكبرى المتعلقة بالعلاقة التفاعلية بين الإصلاح السياسي والإصلاحات الاقتصادية والاجتماعية، أو بين الحكامة الرشيدة في بعدها السياسي من جهة والحكامة الرشيدة في بعديها الاقتصادي والاجتماعي من جهة أخرى. ذلك أن دور الحكامة الرشيدة ومؤسساتها وآلياتها إنما الغرض منه جعل الممارسة الديموقراطية تحت مجهر المتابعة والتقييم على مستوى مضمونها الاقتصادي والاجتماعي وضمان حق الرأي العام في تتبع حسن تدبير الشأن العام بواسطة أدوات موازية للأدوات السياسية التقليدية؛ فيحصل على أخبار موضوعية بما جرى ويجري في دواليب العمل الحكومي، تطلعه على حقيقة ما فعله الحاكمون بالانتداب الانتخابي.
وإذا كان الاعتقاد الواسع في العالم عموما وفي الغرب خصوصا أن هناك علاقة اعتماد تزامني متبادل بين طرفي المعادلة فإن التدقيق في الموضوع في بلد كالمغرب يؤدي إلى ملاحظة معادلة مختلفة فليس بالضرورة أن التطور السياسي يعتمد اعتمادا تزامنيا متبادلا وطرديا على التنمية الاقتصادية والاجتماعية وليس بالضرورة أن التنمية الاقتصادية والاجتماعية تعتمد اعتمادا تزامنيا متبادلا وطرديا على التنمية السياسية، الأمثلة المقارنة التي تؤيد هذه التحفظات موجودة وهي غير قليلة في آسيا وإفريقيا. والحقيقة أن الخلاصة المقارنة هنا تحيل على ما جاء في المنظور الملكي للحكامة السياسية وهي أن لكل بلد منهاجه وإيقاعه الخاص به والمستجيب لتاريخه وهويته فيما يخص المسار الإصلاحي والتنموي…(راجع الفقرة الأخيرة من الحلقة 2 ومجمل الحلقة 12).
توجيهات مرجعية من أجل ترشيد السياسات العمومية الجديدة: لضمان شروط النجاعة والنجاح لهذه السياسات الجديدة، يدعو الملك لاستلهام مقتضيات الدستور، وإعطاء الكلمة للشباب، والانفتاح على مختلف التيارات الفكرية، والإفادة من التقارير والدراسات التي أمر بإعدادها، وخاصة حول “الثروة الإجمالية للمغرب” و”رؤية 2030 للتربية والتكوين”، وغيرها. وفي أفق بلورة واعتماد هذه السياسات، يحث على الإسراع بإقامة المجلس الاستشاري للشباب والعمل الجمعوي كمؤسسة دستورية للنقاش وإبداء الرأي وتتبع وضعية الشباب.
نعم للنقد البناء لا للعدمية: الملك يعاود التأكيد بلهجة صارمة وحازمة، على أنه لن يسمح –ومعه الشعب المغربي- لدعاة السلبية والعدمية، وبائعي الأوهام، باستغلال بعض الاختلالات، للتطاول على أمن المغرب واستقراره، أو لتبخيس مكاسبه ومنجزاته. لأنه يدرك أن الخاسر الأكبر، من إشاعة الفوضى والفتنة، هو الوطن والمواطن، على حد سواء. وأنه سيواصل السير بمعية شعبه وقواه الحية، لتجاوز المعيقات الظرفية والموضوعية، وتوفير الظروف الملائمة، لمواصلة تنفيذ البرامج والمشاريع التنموية، وخلق فرص الشغل، وضمان العيش الكريم…
إعادة التأكيد على أن آليات وقواعد الحكامة الجيدة الشاملة والدامجة هي مفتاح ودعامة النجاح الأساسية: ذلك أن تحقيق المنجزات، وتصحيح الاختلالات، ومعالجة أي مشكل اقتصادي أو اجتماعي، يقتضي العمل الجماعي، والتخطيط والتنسيق، بين مختلف المؤسسات والفاعلين، وخاصة بين أعضاء الحكومة، والأحزاب المكونة لها…
(يتبع)
حصريا حقوق النشر محفوظة
*باحث ومحلل في الشؤون السياسية والاستراتيجية
خبير دولي في الحكامة ومكافحة الفساد
[email protected]





