لماذا استوقفتني سجدة لامين جمال؟

 

 

 

 

 

بقلم/ التجاني بولعوالي

 

لعلّ أهم لقطة استوقفتني في النسخة الحالية من كأس العالم 2026 هي سجود اللاعب لامين جمال، يوم البارحة 21 يونيو، بعد افتتاحه باب التسجيل في مرمى الفريق الخصم. وربما لأنني لم أكن أتوقع أن يُقدم هذا اللاعب المثير للجدل على مثل هذا السلوك، أو لأن شخصيته لا يظهر عليها ما يشير إلى تدين قوي أو التزام ديني ظاهر، رغم تعلقه بالثقافة المغربية وتعبيره عنها في مناسبات مختلفة. ومن المؤكد أن الله عز وجل وحده يعلم ما في القلوب، فكم من شخص حكمنا على مظهره بالفسوق أو الانحراف، بينما يحمل في داخله إيمانا عميقا وصادقا.
يمكن لكل شخص أن يقرأ سجود لامين جمال من زاويته الخاصة، أما بالنسبة إليّ فإنه يوحي بجملة من المعاني التي أود أن أتقاسم بعضها في هذه الخواطر السريعة، والتي أرى أنها تستحق أن تُكتب.
يظهر لي أن لامين جمال عبّر بسجوده في الميدان بشكل واضح عن هويته الإسلامية؛ ليس في دردشة عابرة مع شخص معين، أو في مقابلة مع قناة على اليوتيوب، وإنما أمام آلاف القنوات الرسمية من مختلف بلدان العالم، وأمام مليارات الناس، ليس فقط ممن تابعوا المباراة مباشرة، بل أيضًا ممن شاهدوا هذه اللقطة اللافتة، والذين سيشاهدونها بلا شك في المستقبل. لذلك أعتقد أن لامين جمال كان بهذا السلوك في قمة الشجاعة والجرأة والإقدام، لا سيما في مناخ مشحون لا يخلو من العداء والضغينة والتشكيك في هويته المغربية وعقيدته الإسلامية ومهاراته الرياضية. ولذلك ينطبق عليه إلى حد كبير المثل القائل: “تظهر الشجاعة عند المخاطر الكبرى”.
كما أعتقد أن الإيمان يمكن تشبيهه بتلك الجذوة التي تظل حية تحت الرماد؛ نظن أن النار قد انطفأت، لكن ما إن تهب ريح خفيفة حتى تشتعل الجذوة من جديد. وما أكثر الجذوات الخفية التي تسببت في حرائق هائلة أتت على الأخضر واليابس. وربما يجعل المحيط الكروي الذي يعيش فيه لامين جمال تلك الجذوة صامتة، لكنها ليست خامدة كما قد يبدو للكثيرين. ويدل على ذلك ما ذكرته أكثر من جهة إعلامية من محافظته على الصيام، وحرصه على قراءة القرآن وترديد الأدعية في الميدان. وربما تحجب بعض الصور التي يظهر فيها مع صديقته الجانب الإيماني والتديني في شخصيته، وهو جانب ورثه عن والده المغربي الأصل، وعن جدته المغربية فاطمة التي تكفلت بتربيته في صغره، وظلت تتابعه إلى أن بلغ ما بلغه من شهرة ونجاح.
ثم إن قصة حياة لامين جمال تنطوي على جانب إنساني عميق يجعل المتأمل في ظروف طفولته يتأثر إلى حد بعيد، وربما تدمع عيناه دون أن يشعر. وقد استوقفتني أمور كثيرة في سيرته جعلتني أهتم بهذه الشخصية الكروية الواعدة وأكتب عنها هذه المقالة.
أول هذه الأمور يتعلق بسبب تسميته. فقد ذكرت صحيفة “آس” الإسبانية أن والديه كانا يمران بأزمة مالية صعبة، ولم يكونا قادرين على تسديد إيجار السكن الذي كانا يعيشان فيه، فساعدهما رجلان يُدعيان لامين وجمال في العثور على مسكن. وتقديرًا لهما سمّيا طفلهما بهذا الاسم المركب، دون أن يعلما أن هذا الطفل سيصبح يومًا من أبرز نجوم كرة القدم، ومحط أنظار الإعلام والصحافة العالمية.
أما الأمر الثاني، الذي لم أكن لأعرفه لولا بحثي عن المعلومات المتعلقة بلامين جمال، فهو حرصه على وضع ثلاثة أعلام على حذائه: علم إسبانيا، وطنه الذي ولد فيه؛ وعلم المغرب، وطن أبيه وجدته؛ وعلم غينيا الاستوائية، وطن أمه. وهذه الأعلام الثلاثة تمثل هويته المركبة التي تتقاطع فيها عناصر ثقافية واجتماعية ولغوية ودينية متعددة.
وقد استحضرت وأنا أقرأ هذه المعلومة الجميلة لأول مرة كلمة للأميرة الهولندية ماكسيما، ذات الأصول الأرجنتينية، حول مسألة الهوية سنة 2007، حيث أوضحت أنه لا يمكن الحديث عن هوية هولندية صافية. واستشهدت في ذلك بالأجيال المسلمة الجديدة في هولندا، التي تجمع بين الهوية الهولندية وهوية أجدادها المهاجرين. كما تحدثت عن زيارتها للمغرب رفقة مجموعة من الشباب الهولنديين من أصل مغربي، الذين يوفقون بين الهويتين المغربية والهولندية، وأعربت عن إعجابها بذلك، معتبرة أن الانتماء إلى ثقافتين والانتقال بينهما بسلاسة أمر غني ومميز. كما أشارت إلى تلميذة هولندية من أصل تركي علّقت حقيبتها، بعد نجاحها في امتحان نهاية السنة، على عمود يحمل العلمين التركي والهولندي معًا.
وأعتقد أن لامين جمال يمكن اعتباره مثالا حيا لهذه الهوية المركبة التي تنفتح على عناصر متعددة في إطار من التفاعل والتكامل. فإذا كانت أمثلة الشباب الهولندي من أصل مغربي أو تركي تجمع بين ثقافتين مختلفتين، فإن تجربة لامين جمال تجمع بين ثلاث دوائر ثقافية مختلفة، وفي سياق عالمي يتجاوز حدود الأسرة والمدرسة وحتى الوطن.
أما الأمر الثالث، فهو أنه عندما انفصل والداه في طفولته المبكرة، لم يجد أمامه سوى حضن جدته المغربية الحنون فاطمة، التي تكفلت بتربيته وسهرت على رعايته إلى أن اشتد عوده في الحياة وفي الملاعب. وكان من الطبيعي أن يتشرب منها روح “تمغربيت” العميقة التي يتحلى بها، وأن يتلقى منها قيم الإسلام التي تبدو متجذرة في شخصيته، وإن لم تظهر دائمًا في مظهره الخارجي.
وخلاصة القول، لا يهمني كثيرا لمن يلعب لامين جمال، ولا لماذا لم يختر المنتخب المغربي، بقدر ما يهمني أنه استطاع، وهو يلعب على أعلى المستويات ضمن المنتخب الإسباني المصنف من بين أفضل المنتخبات عالميا، أن يعبّر عن هويته المغربية دون عقدة أو تردد، وأن يترجم انتماءه الإسلامي في الميدان بشجاعة لافتة، غير مكترث بما قد يواجهه من انتقادات أو مواقف عدائية. وهذا ما ينطبق، بشكل أو بآخر، على الأجيال المسلمة والمغربية الأخيرة، التي رغم أنها وُلدت في أوروبا والغرب، تظل متمسكة بالمكونات الأصلية لهوية أجيال الهجرة الأولى، حيث يتقاطع فيها ما هو إسلامي ومغربي وأمازيغي وعربي وأفريقي.

 


شاهد أيضا
تعليقات
الآراء الواردة في التعليقات تعبر عن آراء اصحابها وليس عن رأي جريدة إيطاليا تلغراف.
تعليقات الزوار
Loading...