جدلية الأمية المعيارية والأمية الوظيفية في تدبير الشأن العام المحلي والإقليمي والجهوي والتشريعي
الدكتور شنفار عبدالله(*)
على هامش الجدال القائم حول؛ لماذا لا يمنع الاشخاص الذين لا يتوفرون على مستوى دراسي أو ثقافي معين؛ من الترشح للانتخابات التي تجري حاليًا بالمغرب؟ وهل هناك نص قانوني يمكن اعتماده لمنعهم من الترشح؟
ومن أشد الأمور درامية ما يتم تقاسمه على مواقع التواصل الاجتماعي؛ هذه العبارة: (هل هناك حالة وبائية تدعو للخوف وللقلق والرعب؛ أكثر من: (8792) مستشارًا جماعيًا لم يتجاوز مستواه التعليمي والدراسي مستوى ابتدائي!؟
و(4739) مستشارًا جماعيًا لا يتجاوز مستواه حد معرفة القراءة والكتابة!؟)
ماذا يقصد بالأمية المعيارية؟ وماذا يقصد بالأمية الوظيفية؟ ما هو الفرق بين الأمية المعيارية التي على بالكم؛ والأمية الوظيفية أو الإدارية؟
لتحليل هذا الموضوع ننطلق من بعض التعريفات؛ التي قد تبدو مملة للقاريء؛ ولكن مع ذلك لابد منها لإزالة بعض الألغام من مساحة الفكر.
فماذا يقصد بكلمة أمي؟
ونجيب بأن كلمة “أمي” وردت في القرآن الكريم منسوبة إلى رسول الله: “النبي الأمي” صلى الله عليه وسلم. وكذلك نجدها في قوله تعالى في سورة الجمعة: (هو الذي بعث في الأمين رسولًا منهم يتلو عليهم آياته ويزكيهم ويعلمهم الكتاب والحكمة وإن كانوا من قبل لفي ضلال مبين).
فأمة وأمية؛ نسبة إلى التي لا تعرف لا الكتابة ولا القراءة.
وفي تعريف منظمة اليونسكو؛ الأمي هو الشخص الذي لا يستطيع أن يقرأ ويكتب أو يفهم عبارة قصيرة وبسيطة في حياته اليومية.
وفي تعريف آخر؛ الأمي؛ هو الذي يعجز عن التواصل مع غيره خارج الخطاب الشفهي.
وباستحضار التاريخ؛ كان ورد في المادة 28 من الميثاق الجماعي للعام 1976؛ الملغى بالقانون التنظيمي 13/113؛ على أنه: “لا يجوز لأعضاء المجالس الجماعية الذين لا يثبتون توفرهم على مستوى تعليمي يعادل على الأقل مستوى نهاية الدروس الابتدائية؛ أن ينتخبوا رؤساء ولا أن يزاولوا مهامًا بصفة مؤقتة.”
ومن خلال قراءة في السياقات والمناقشات التي واكبت تنزيل هذا الفصل من قبل المشرع، نشير إلى الاقتراح الذي تقدم به حزب الإتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية آنذاك، والذي نزل بقوة في إقرار هذا الفصل؛ والمتمثل في اشتراط مستوى بكالوريا على الأقل لمن يرغب في تولي رئاسة مجلس جماعي معين. لكن بعد نقاش كبير وقوي وماراطوني بالنظر إلى النسق السياسي والاجتماعي للنخبة الوطنية وضعف المستوى في صفوف “أصحاب الشكارة والمال والأعمال” والمراهنة على بعض الأعيان في ضبط النسق وتهدئة الخواطر من طرف القوى العاملة والفاعلة في الحقل السياسي والاجتماعي؛ جاء هذا النص في ذلك الشكل.
هذا، ومن خلال تحليل التعبير في الفصل: “على الأقل مستوى…” نشير إلى أن هذه السلطة التقديرية المخولة للإدارة في تحديد المستوى الثقافي والدراسي؛ كانت أثارت العديد من المشاكل؛ حيث أحيانًا تفسر على أنها تحيل إلى اشتراط القراءة والكتابة وأحيانًا أخرى تكتفي بأن يتجاوز الشخص الراغب في الترشح لتولي منصب الرئيس؛ فقط (حد معرفة القراءة والكتابة.)
هذا؛ ولما واجه رجال السلطة الإدارية المحلية آنذاك مشكل الإدلاء بالشواهد التي تثبت المستوى التعليمي، وما تلاه من طعون قضائية؛ توصلت مصالح ولايات وعمالات وأقاليم المملكة ببرقية استعجاليه عممتها على مختلف القيادات والباشويات باعتماد أية شهادة كيفما كان نوعها كتفسير واسع منها لهذا الفصل، لكن بتشاور بطبيعة الحال مع كافة الهيئات السياسية؛ حيث نعرف أن انتخابات 2002 كانت تشكل إرهاصات أولية لانتخابات نزيهة وشفافة؛ لكونها أول إنتخابات تجرى على عهد جلالة الملك محمد السادس بعد توليه العرش العام 1999. وكل ما تعلق بها خضع لتشاورات وتسويات مع كافة الاحزاب من قبل وزارة الداخلية في شخص السيد إدريس جطو وزير الداخلية آنذاك.
إن التحليل الضيق لهذا الفصل يحصر اشتراط المستوى الثقافي في رئيس المجلس. لكن تتمة الجملة “… ولا أن يزاولوا مهامًا.” وهذا يعني أن الأمر يسري حتى على نواب الرئيس الذين قد يزاولون العديد من المهام في غياب أو حتى في حضور رئيس المجلس. مما فتح الباب أمام الادلاء بعدة شواهد فتحت المجال للهزل والسخرية والضحك أحيانًا من خلال فحواها ومضمونها أو من خلال الاختبارات التي يجريها القضاة على الرؤساء المطعون في مستواهم الثقافي.
ونستحضر هنا مثالًا لفحوى إحدى الشواهد المسلمة لرئيس إحدى الجماعات الترابية والمسلمة له من قبل شيخ إحدى الزوايا؛ والتي تبدأ بتوطئة تقليدية: “إن الحمد لله… يعلم من كتابنا هذا المصون؛ أن السيد فلان بن علان… قد حفظ أسماء الله الحسنى وأتمها وتلاها علينا… وقد أتم حفظ حزب كامل من القرآن الكريم؛ فاستحق بذلك هذه الشهادة التي تثبت التخرج من المدرسة العتيقة أو الزاوية الفلانية…”
وفي شهادة أخرى نجد تعبيرا آخر أكثر قوة من تلك؛ حيث تضمنت إحدى الشواهد المدلى بها من أجل إثبات المستوى الدراسي، العبارة التالية: “… فقد امتحناه ووجدناه بحرًا من العلم..!!”
ولكن لما تم اختبار هذا البحر من العلم من طرف القاضي الإداري للمحكمة الإدارية بأكادير؛ حيث أحيانا يلجأ القاضي إلى طرح عملية حسابية على الممتحن أو يطلب منه كتابة إحدى الجمل أو إسمه الشخصي والعائلي؛ طلب منه القاضي كتابة اسمه فعحز هذا البحر من العلم على أن يكتب حتى إسمه.
لكن الأمية ليست دائمًا معيارًا في تدبير الشأن العام؛ بحيث أن العديد من رؤساء الجماعات الترابية، استطاعوا تدبير شؤون الجماعة وحققوا نجاحات كبيرة في ذلك.
وهناك رؤساء جماعات ترابية أخرى يتوفرون على مستوى ثقافي عالي أو متوسط؛ ومع ذلك لم يوفقوا في تدبير التنمية المجالية على مستوى جماعاتهم. بحيث بقوا حبيسي الصراعات وسياسة شد لي نقطع لك ولي الاذرع؛ إما بين الرئيس وموظفيه والاغلبية والمعارضة في المجلس ومع السكان؛
أو يدخل في صراعات مع ممثلي السلطة الادارية الترابية؛ كصراع رئيس جماعة مع القائد والباشا ورئيس الدايرة. أو صدام رئيس مجلس عمالة أو إقليم مع عامل العمالة أو الإقليم. أو أو الدخول في مواجهة مباشرة لرئيس جهة مع الوالي. مما يؤثر سلبًا على خدمة التنمية في غياب التكامل والتآزر والتضامن والتعاون وغياب التنسيق والتعايش.
والسبب يكمن في أن هذا الرئيس أو ذاك الذي تتجاذبه عدة ضغوطات؛ شخصية ومصلحية وحزبية…؛ هو بكل بساطة، يحاول أن يختزل كل مجهودات الأفراد والجماعات والمؤسسات في شخصه! ومن طباعه تجسيد الأزمة دائمًا في الآخرين!
وبالتالي نميز بين الأمية بمعناها المعياري والأمية الوظيفية؛ بحيث أن العديد من المسؤولين الحاصلين على شواهد عليا؛ هم في الصراحة يجمعون بين الأمية والعجز المتعدد الأبعاد في نفس الوقت.
فالعجز المتعدد الأبعاد في صفوف النخبة المحلية يتخذ عدة تمظهرات؛ فماذا يقصد بمصطلح العجز؟ وما هي الأشكال التي يتخذها العجز الذي تعاني منه النخبة المحلية والإقليمية والجهوية والتشريعية؟ وكيف يؤثر سلبًا على القرار المحلي ورسم السياسات العامة والعمومية الترابية؟
فعجز عن الشيء؛ إذا ضعف ولم يقدر عليه أو إذا لم يكن لم يكن حازمًا فيه. ونقول أُعْطِي معاشَ عَجْز بالنسبة للعامل أو الموظف إذا انعدمت لديه القدرة على العمل.
وعدم القدرة هاته؛ عبر عنها القرآن الكريم كما وردت في عدة آيات؛ مثل:
* (كَأَنَّهُمْ أَعْجَازُ نَخْلٍ خَاوِيَةٍ.) ﴿سور الحاقة﴾
* (قَالَ يَا وَيْلَتَا أَعَجَزْتُ أَنْ أَكُونَ مِثْلَ هَٰذَا الْغُرَابِ.) ﴿سورة المائدة﴾
* (قَالَتْ يَا وَيْلَتَىٰ أَأَلِدُ وَأَنَا عَجُوزٌ وَهَٰذَا بَعْلِي شَيْخًا.) ﴿سورة هود﴾
* (فَأَقْبَلَتِ امْرَأَتُهُ فِي صَرَّةٍ فَصَكَّتْ وَجْهَهَا وَقَالَتْ عَجُوزٌ عَقِيمٌ.) ﴿سورة الذاريات﴾
فحينما يعجز الإنسان عن تدبير الشؤون العامة للناس وتحمل المسؤولية؛ لا بأس أن يبحث له عن بديل يساعده ينوب عنه في ذلك؛ فليس الجميع قد حباه الله فضل فن وحسن التدبير.
وحتى نبي الله إبراهيم قد نادى ربه أن يشدد أزره بهارون أخيه؛ (قَالَ رَبِّ اشْرَحْ لِي صَدْرِي وَيَسِّرْ لِي أَمْرِي وَاحْلُلْ عُقْدَةً مِّن لِّسَانِي يَفْقَهُواْ قَوْلِي وَاجْعَل لِّي وَزِيراً مِّنْ أَهْلِي هَارُونَ أَخِي اشْدُدْ بِهِ أَزْرِي وَأَشْرِكْهُ فِي أَمْرِي كَيْ نُسَبِّحَكَ كَثِيراً وَنَذْكُرَكَ كَثِيراً إِنَّكَ كُنتَ بِنَا بَصِيراً.)
هذا؛ ويمكن حصر عناصر العجز الذي تعاني منه النخبة المحلية في مجال تدبير الشؤون المحلية في العناصر التالية:
– عجز على مستوى المطابقة مع الواقع والمتطلبات الاجتماعية للساكنة؛ فالعديد من المنتخبين لم يستوعب بعد المهام المنوطة به في تدبير الشأن المحلي.
– عجز على مستوى المسايرة للتطورات والتحولات الاقتصادية والاجتماعية والسياسية الحاصلة في المجتمع.
– عجز على مستوى الانسجام والتكامل والتمازج والتناغم مع مكونات المشهد السياسي والاجتماعي على المستوى المحلي وغياب استيعاب هذه المتناقضات.
– عجز على مستوى التدبير والتنشيط التنموي المحلي وانعدام القدرة على الخلق والابتكار بحيث يلاحظ عدم الاهتمام كون المرحلة مجرد انتداب غير دائم وتنعدم فيه التعويضات والمعاشات والعديد من الحقوق، مما يؤدي الى نوع من الخمول.
– عجز وظيفي يتجلى في عدم القدرة على استيعاب استراتيجيات التنمية المحلية.
– عجز علائقي ويتجلى في عدم القدرة على خلق شبكة علاقات تساهم في التنمية المجالية. من خلال الاطار العلائقي بين الاشخاص.
– عجز على مستوى المرافعة ومناصرة قضايا الجماعة والبحث عن مصادر التمويل والتعريف بالطلبات الاجتماعية للسكان وتحقيق عمليات التأييد للمشاريع المقترحة.
يلاحظ أن مصطلح العجز المرتبط بمفهومي الأمية الوظيفية والمعيارية يسير حسب نفس المتوالية الحسابية والهندسية في جدلية الاعتماد المتبادلة في معادلة ما هو وظيفي وما هو معياري؛ في تدبير الشؤون العامة وقضايا المجتمع ويحيل إلى فهم متعدد المعاني حسب السياق العام الذي تم توظيفه فيه.
نشير إلى أن القانون لا يشترط أي مستوى دراسي في المترشح للانتخابات؛ طبقًا لمقتضيات الفصل 30 من الدستور المغربي الذي ينص على ما يلي:
“لكل مواطنة و مواطن، الحق في التصويت، وفي الترشح للانتخابات، شرط بلوغ سن الرشد القانونية، والتمتع بالحقوق المدنية والسياسية.”
وهذا ما يفتح المجال أمام وصول جحافل من الذين لا يعرفون لا القراءة ولا الكتابة.
ففي ظل محدودية القدرات الفكرية والثقافية والإبداعية ومختلف صور العجز المتعدد الأبعاد؛ يتعذر السفر بعيدًا إلى فضاءات مفتوحة لصنع المعجزات في تدبير الشأن العام المحلي والإقليمي والجهوي والتشريعي.
(*) كتب ومفكر مغربي





