*محمد فرحات
موت عبد الوهاب بلفقيه في قدر الله. موته بهذه الطريقة سيبقى يسائل كل من له صلة بالفقيد رحمة الله عليه وغفرانه.
لن أخوض في هذا الحدث-الفاجعة لأنه من شأن اهل الاختصاص في جهاز القضاء .
و أود هنا أن أذكر بموت سياسي فرنسي قد تتشابه الى حد ما ظروف وفاته، ألا هو بيير بيريغوفوا الوزير الأول في عهد الرئيس فرانسوا ميتران.
انتحر بطلقة نارية بعد أن لم يعد يطيق غدر الأصدقاء و الرفاق في الحزب وعداوة خصومه السياسيين وتحقير الصحافة له بشكل هيستيري وعدم الكف عن الغور في المياه العادمة وإخراج احداث تذكر بماضيه كعامل بسيط وتدرجه في أسلاك السياسة بدءًا بالنضال النقابي. عابوا عليه مالا أخذه من صديق له سلفًا لشراء بيت يأويه وزوجته لاقترابه من القاعد.
في كلمة تأبين ألقاها ميتران في حق صديقه شبه الخصوم من ممتهني الصحافة بالكلاب الشرسة التي لاتتوانى في نهش لحم كل كائن حي. وهو ما صرنا نلحظه عندنا بعد أن خرقت صحف الانترنيت ومواقع الانفصال الاجتماعي حرمة البيوت وأعراض الناس وحميمية الأسر والعائلات وحتى الفرد في خلوته مع نفسه لم يسلم من حمالة الحطب عبر ميكروفون وخيط من مسد يربطها بكاميرا تسجيل و بث حي على شاشات عشرات الملايين من الكومبيوترات والهواتف.
التمرس في السياسة رهيب. يذيقك من عصارة كل محرم عسلًا صائغا ورحيقا معطرًا بألف زهرة وخمرة معتقة لا ينال سكرتها إلا من خرق حاجز المحرم وتعدى حدود الممنوع اجتماعيا وأخلاقيًا.
لم يكن بلفقيه ضحية عمر أو زيد ، لأنه من المفروض انه يعرفهم حق المعرفة كرجل سياسة ينتظر خبث هدا وصدق ذاك وحتى غدر أولئك.
الأمر الآن بيد القضاء سيقول كلمته الفصل. يبقى أننا عشنا بمناسبة هذه الانتخابات مخاضًا سياسيًا عسيرًا من دون شك لكن من أحسن قراءة تداوله سيفهم أننا على باب مغرب آخر ، مغرب جديد لن تعود السياسية تمرسًا يأتي من معين تغديه روافد النضال والنظريات السياسية التي كانت تحبل بها مدرجات الجامعات و مؤلفات المفكرين وشحذ أفكار المثقفين وتأطير الأحزاب والنقابات والجمعيات.
كل هذه الإطارات ستبقى ولن تزول لكن مضمون برامج عملها سيتغير وسيخضع لقواعد السوق وبورصة القيم ليس المالية بل بورصة المزايدات والشعارات والاوهام والاحلام. سيصبح التعاقد السياسي كالتعاقد مع المقاول على سكن في طور الإنجاز، لا شيء يضمن للمشتري حصوله على السكن.
بالله عليكم، أرشدوني الى حزب واحد أو رجل واحد تعهد بأن يكون برنامجه الانتخابي مشروع عقد سياسي مع الناخب. وكما قال هود عليه السلام لقومه “أليس منكم رجل رشيد”.
أذكر من يعقل و يرعوي بخطاب جلالة الملك محمد السادس في غشت 2015 حينما دعا المواطنين إلى المشاركة في الانتخابات الجهوية والجماعية التي تم إجراؤها في شتنبر 2015 محذرا أن هذا الموعد الانتخابي يعطي المواطنين “سلطة القرار في اختيار من يمثلونهم، وأنه عليهم إحسان الاختيار، لأنه لن يكون من حقهم غدا، أن يشتكوا من سوء التدبير، أو من ضعف الخدمات التي تقدم لهم”.
اللهمَّ إنك أيها المواطن قد بُلِّغت، اللهم فاشهد
*سفير سابق





