بقلم الدكتور خالد علمي
تطمح المملكة المغربية إلى تعزيز دور قطاع التكوين المهني الخاص والتعليم العالي الخاص في منظومتها التعليمية، أملا منها في ربط قطاع التعليم والتكوين بالتنمية، عبر تعليم يوفر معارف عملية قابلة للاستخدام، -الاقتصادي بالخصوص-، وتأهيلا تستوعبه حاجيات السوق، وبالتالي يوفر وظائف عمل يمتص بها المجتمع بعضاً من ضغوط البطالة عليه. وتتم المراهنة على هذا القطاع الخاص باعتباره قطاعا واعدا من الناحية الاقتصادية بشكل أساسي، الشيء الذي جعلها تتجه نحو تقديم مجموعة من التسهيلات على مستوى التدابير والمقتضيات المنظمة، وفق مقاربة تجمع بين الجودة والربح والضوابط القانونية. إلا أن هذا القطاع الخاص بشقيه المهني والعالي عرف خلال السنوات الأخيرة تطورات تبدو متناقضة، ففي الوقت الذي يعرف الأول تراجعا ملحوظا كانت من أبرز تجلياته إغلاق العديد من مؤسساته، يشهد الثاني نموا وتطورا مضطردا تجلى أساسا في تزايد عدد الجامعات الخاصة وامتداد خدماتها التعليمية إلى مجال الطب والصحة.
مؤسسات التكوين المهني الخاص بين ضعف الجاذبية والإفلاس.
يتوزع التكوين المهني بالمغرب بين مؤسسات تابعة لمكتب التكوين المهني وإنعاش الشغل OFPPT العمومي، مؤسسات تابعة لقطاعات حكومية، مؤسسات تابعة لجمعيات غير حكومية، ومؤسسات القطاع الخاص. ويستحوذ مكتب التكوين المهني وإنعاش الشغل OFPPT على الحصة الأكبر من عدد المتدربين في هذا النمط من التكوين (90% من عرض التكوين المهني العام) بنصف مليون مقعد بيداغوجي في 368 مؤسسة تكوينية و320 تخصص مهني، في حين أن عدد المسجلين في القطاع الخاص يتراوح في حدود 60 ألف فقط، وهو في تناقص سنويا. ويكتسي التكوين المهني كقطاع اقتصادي و اجتماعي أهمية بالغة، ويفرض حضوره بميدان التربية والتكوين بالمغرب منذ الخمسينيات من القرن الماضي. فالقطاع يستقطب التلاميذ والطلبة ابتداء من المستوى الإعدادي، وهو ما يعني مساهمة القطاع في محاربة الهذر المدرسي وتكوين الطلبة بعد البكالوريا في المسالك التقنية المتخصصة، والإجازات المهنية للاستجابة لحاجيات سوق الشغل.
وكان تقرير المجلس الأعلى للتربية والتكوين والبحث العلمي قد أبرز جانبا مظلما فيما يخص قطاع التكوين المهني بالمغرب، حيث أكد أن هذا الأخير يعـرف اختلالات كبيرة، تحد مـن أدائه و قدرته على إذكاء حركية فعالة للتشـغيل وإعداد الرأسمال البشري، الذي تحتاجه التحولات الاقتصادية والمجتمعية المرجوة في البلاد، وذلك للأسباب التالية : 1- غياب تحديد دقيق ومؤسساتي للأدوار المنوطة بالتكويـن المهني، فـي إطار النموذج التنموي الوطني وما يتناسب مـع التوجهـات الدولية التي باتت تمنح للتكويـن المهني دورا محوريا فـي التنافسية الاقتصادية وفي الرقي الاجتماعي للأفراد، 2- فشل التكوين المهني في الاستجابة لحاجيات المقاولات “كما وكيفا” من حيث الكفاءات الضرورية، بسبب تقادم العرض التكويني، ذلك أن المستويات المقترحة (تخصص، تأهيل، تقني، وتقني متخصص) تنبني على أساس نموذج أصبح متجاوزا لتنظيم العمـل، وتشكل عائقـا أمام اندماج الخريجين فـي سوق الشغل، وهذا ما يفسر ارتفاع معدل البطالة في صفوف الخريجين من القاعدة نحو القمة في هرم المستويات المهنية للتكوين حتى يصل إلى نسبة 27% بالنسبة للتقنيين المتخصصين، والشيء ذاته أكدته المندوبية السامية للتخطيط، 3- استمرار النظرة السلبية عن التكوين المهني، وذلك بسبب الصعوبات التي يواجهها خريجوه في ولوج سوق الشغل و إمكانية متابعة مسارهم الدراسي، 4- عدم انسجام نموذج التكوين المهني وافتقاره إلى الالتقائية واتسامه بتداخل عدة أنواع وأنماط لعمليات التكوين، 5- ضعف الحماية والأجر في مناصب الشغل التي يوفرها الاقتصاد الوطني للخريجين، 6- ضعف الميزانيات المخصصة لقطاع التكوين المهني، وغياب حسن استثمار واستعمال الموارد المالية المرصودة له (الميزانية المخصصة لقطاع التكوين المهني بالمغرب تقدر ب 0.5% من الناتج الداخلي الخام في مقابل 1.5% في فرنسا، مثلا).
بالنسبة لقطاع التكوين المهني الخاص الذي يشمل في مجمله، مقاولات استثمارية من النوع الصغير والمتوسط ويستهدف أساسا الطبقة المتوسطة سوسيو-اقتصاديا، فقد ساهم بفعالية، بحكم تراكم تجاربه عبر التاريخ، في تدعيم القطاع إلى زمن غير بعيد، وذلك في العديد من التخصصات بمختلف قطاعات الاقتصاد الوطني، وكان النواة الأولى لانطلاق العديد من مؤسسات التعليم العالي الخاص. ويمنح الإطار القانوني لمؤسسات التكوين المهني الخاص “القانون رقم 13.00″، الصادر سنة 2000، صفة شريك للدولة من جهة، ويكرس صفة “خدمة عمومية” على نشاط التكوين الذي تقوم به هذه المؤسسات من جهة أخرى. وقد ساهم هذا القانون في تطوير ودعم القطاع -إلى حد ما- على مستويات تنظيم عرض التكوين، وتأهيل التأطير الإداري والبيداغوجي وجودة عرض التكوين، وذلك بوضع مسطرة اعتماد المعاهد والاعتراف بشهاداتها، ومساهمة الدولة، منذ سنة 2007، في تكاليف التكوين بالنسبة لصنف التكوين التقني المتخصص، وكذلك من خلال تأهيل الموارد البشرية، وتحديد الخصائص الفنية للمعدات التقنية-البيداغوجية اللازمة لضمان جودة أفضل.
وبالرغم مما ذكر، فقد بات قطاع التكوين المهني الخاص اليوم يواجه عدة عوائق تبطئ ديناميكيته، أدت، خلال السنوات الأخيرة، إلى إغلاق العديد من المؤسسات وارتفاع عدد المقاعد الفارغة في المؤسسات المتبقية، مما ينذر بقرب الإفلاس النهائي لهذا القطاع الخاص. فبالإضافة إلى المشاكل التي يعانيها قطاع التكوين المهني ككل (الواردة أعلاه)، يواجه القطاع الخاص مشاكل إضافية خاصة به، منها :
1- المساطر المعقدة لعملية تأهيل الشعب وما يتعلق بمنح الاعتماد للمؤسسات. 2- تعقيد المساطر للاستفادة من التدابير التشجيعية الواردة في القانون 13.00، خصوصا ما يتعلق بالتحفيز الجبائي عن عمليات اقتناء سلع التجهيز و الممتلكات العقارية الضرورية وغيرها، 3- المنافسة الغير مدروسة من لدن المؤسسات العمومية وخاصة مكتب التكوين المهني وإنعاش الشغلOFPPT، الذي يفتح في بعض المراكز الحضرية والمدن نفس الشعب التي تعتمدها المؤسسات الخاصة عوض تنويع العرض بتخصصات أخرى، قد تكون المنطقة في أمس الحاجة إليها، 4- عدم انخراط مؤسسات التكوين المهني العمومي في الاستثمار في مجال التكوين الصناعي الذي يتطلب ميزانيات ضخمة تفوق بكثير القدرات الاستثمارية للمؤسسات الخاصة، 5- المنافسة غير العادلة من لدن المعاهد العمومية والكليات فيما يرتبط بالمشاركة في الصفقات العمومية، ذات الصلة بالتكوين، 6- فتح العديد من المؤسسات التكوينية التي تشرف عليها جمعيات المجتمع المدني كدور الشباب والجمعيات الاجتماعية والأندية ومؤسسات التعاون الوطني، والتي تحض بدعم كبير من الدولة والمؤسسات العمومية، 7- تعثر الإجازات المهنية المحدثة بمؤسسات التكوين المهني الخاص بشراكة مع الوزارة المكلفة بالتعليم العالي، والتي تضمنها برنامج العمل المعتمد في إطار المخطط الإستعجالي. 8- عدم تسهيل خلق نظام الممرات بين مؤسسات التكوين المهني الخاص والمؤسسات الجامعية، 9- ضعف المساهمة التي تقدمها الدولة في مصاريف التكوين لفائدة المتدربين المنحدرين من العائلات محدودة الدخل، والتي تقدر ب 4000 درهم سنويا للطالب الواحد، وهو مبلغ لا يمثل سوى ثلث مصاريف التكوين المعمول بها لدى مؤسسات التكوين الخاصة المعتمدة، 10- عدم تشجيع أرباب العمل على إدماج خريجي هذه المعاهد بتحفيزات خاصة، كتحمل الدولة -مثلا- تكلفة الضمان الاجتماعي لهذه الفئة من الشغيلة…، 11- غياب التأطير من طرف الدولة لفائدة المكونين والإداريين العاملين بالقطاع، 12- ضعف جاذبية التكوين المهني عند الفئات المتوسطة من المجتمع القادرة على أداء مصاريف التكوين المهني الخصوصي، وضعف القدرة المادية الكافية بالنسبة للفئات الدنيا، بالرغم من أن القطاع لا يتطلب أسعارا مرتفعة جدا في العموم (ما بين 6 آلاف حتى 15 ألف درهم سنويا).
وأمام هذا الوضع، أعلنت الوزارة المكلفة بالقطاع، سنة 2019، التزامها بتأهيل وتنمية مؤسسات التكوين المهني الخاص، وذلك من خلال إجبارية -وليس اختياريا كما كان من قبل- حصول مؤسسات التكوين المهني الخاص على الاعتماد/الاعتراف من طرف الدولة، مع إلزام المؤسسات غير المعتمدة، كمرحلة انتقالية، بتقديم المسجلين عندها لاجتياز امتحانات نهاية التكوين التي تنظمها المؤسسات العمومية، وذلك قصد تمكين الخريجين من شهادات معترف بها من طرف الدولة. كما التزمت الوزارة بالتعبئة الجماعية لمختلف الفاعلين والمتدخلين من أجل إنجاح هذا المشروع الهام، الذي يتوخى النهوض بقطاع التكوين المهني الخاص. وفي نفس السياق، تم إعطاء انطلاقة أشغال إنشاء توسعة المعهد المتخصص في مهن معدات الطائرات و لوجستيك المطارات بمدينة النواصر في شهر مارس 2021، بحضور ممثلي كل من وزارة التربية الوطنية والتكوين المهني والتعليم العالي والبحث العلمي، وزارة الصناعة والتجارة والاقتصاد الأخضر والرقمي، السلطات المحلية، مكتب التكوين المهني وإنعاش الشغل، المكتب الوطني للمطارات، تجمع الصناعات المغربية في الطيران والفضاء، ووكالة “تحدي الألفية بالمغرب”، وهو المشروع الذي استفاد من دعم صندوق “شراكة” المحدث من تمويل حكومة الولايات المتحدة الأمريكية، ممثلة بوكالة “تحدي الألفية”، ويستهدف مواكبة المنظومات الصناعية للطيران، من حيث توفير الكفاءات المؤهلة. وقد تجسدت الشراكة بين مختلف المتدخلين في هذا المشروع من خلال إنشاء “مجلس المؤسسة” كنموذج للحكامة في إطار شراكة بين القطاعين العام والخاص، توفر سنويا 1200 مقعد بيداغوجي في تسع شعب مختلفة، ك لوجستيك المطارات، ومعالجة الأسطح، والمعالجة الحرارية، والتصنيع الآلي، وميكانيك صيانة الطائرات، وهياكل الطائرات، وتلحيم الطائرات.
هذا وتجدر الإشارة ان صندوق “شراكة” يهدف أساسا إلى الإسهام في تعزيز الاندماج المهني للشباب، والرفع من تنافسية المقاولات، واعتماد نماذج لحكامة متوافق بشأنها مع المهنيين، ومن المنتظر ان يستفيد 15 مشروع من هذا الصندوق بمبلغ استثماري يناهز 1026 مليار درهم، تهم إحداث وتوسعة وإعادة تأهيل أو تحويل لمؤسسات التكوين المهني العام في قطاعات الفلاحة والصناعة والسياحة والبناء والأشغال العمومية والنقل والخدمات اللوجستية، والصحة، بسبع جهات من المملكة. كما تجدر الإشارة كذلك، أن وكالة “تحدي الألفية” بالمغرب، تقدم دعما تقنيا لقطاع التكوين المهني ولمختلف الشركاء، وخصوصا في الجوانب التي تهم إعداد وتصميم المناهج.
وتطمح الدولة من خلال هذه المبادرات إلى دفع قطاع التكوين المهني الخاص إلى المساهمة -عبر التكوين- في المشاريع الإستراتيجية الكبرى للدولة كمشاريع البعث الصناعي في مجال السيارات والطائرات ومشاريع الطاقات المتجددة. لكن الظاهر أن هذا القطاع بشكله الحالي لا يمتلك مقومات المساهمة الفعالة، بسبب ضعف حجم استثمارات الغالبية الساحقة من مؤسساته. وفي نفس الوقت، ستكون الجاذبية المتدنية لقطاع التكوين المهني -بشكل عام- عند الشباب والأسر، جراء تراكم إخفاقات تدبير القطاع، تحديا كبيرا أمام محاولة جلب استثمارات خاصة كبيرة لهذا القطاع من التكوين. وبذلك، قد يكون الاعتماد على قطاع التكوين العام فقط، أو إدماج التكوين”القبلي” للشباب في دفاتر تحملات المشاريع الاستثمارية الكبرى إحدى الوسائل “الآنية” للاستجابة لحاجة هذه المشاريع الإستراتيجية الكبرى لليد العاملة المؤهلة من صنف التكوين المهني.
نمو سريع للمؤسسات الجامعية الخاصة.
تعتمد الخريطة الجامعية على التصور الذي تبناه المغرب بخصوص الجهوية المتقدمة، وهي خريطة تمتاز بالتنوع في شكل المؤسسات : جامعات عمومية تستقطب الحصة الأكبر من الطلبة، مؤسسات التعليم العالي غير التابعة للجامعات كمؤسسات تكوين الأطر التابعة لعدة وزارات، أقسام تحضيرية للمدارس العليا، معاهد تقنية جامعية، مدارس عليا للمهندسين، مدارس عليا تخضع في تسييرها للشراكة بين القطاع العام والخاص، ومدارس وجامعات خاصة. وقد مر المغرب منذ 1990 بمجموعة من المبادرات الاصلاحية التي لم تكتمل، كان أولها سنة 1997 من خلال صدور النظام الأساسي للأساتذة الباحثين، وتلاه القانون المنظم للتعليم العالي القانون 00/01 وإصلاح نظام التعليم العالي سنة 2004، والتعديل البيداغوجي سنة 2009، ثم مراجعة الهندسة البيداغوجية سنة 2014، وانتهى اليوم بإدماج نظام البكالوريوس. ويمكن ملاحظة ان ما يميز هذه المبادرات الإصلاحية هو عدم استمراريتها وعدم خضوع أجرأتها للتقييم العلمي المطلوب حتى يتم تثمين المكتسبات وتجاوز الصعوبات ومعالجة المشاكل البنيوية الحقيقية. المتمثلة أساسا في : 1- المنظومة القانونية التي يجب أن تكون آلية للتسهيل والتطوير والتجويد والعدالة، 2- مضمون التعليم الذي يجب أن يكون موحدا منفتحا ومتكاملا على مستوى التكوين والبحث، 3- تحقيق الجودة بالمعايير الدولية التي تجعل البحث والإنتاج العلمي في صلب التنمية الاقتصادية والاجتماعية للبلاد، 4- ضعف التفاعل ومحدودية التماسك والتجانس بين مكونات التعليم العالي، 5- ضعف آليات التوجيه، 6- عدم التساوي في التوزيع الجغرافي للمؤسسات وطبيعة التكوينات المقدمة…
بالنسبة لقطاع التعليم العالي الخاص، فقد عرف تطورا ملحوظا حين تم إقرار نصوص القوانين المؤطرة للقطاع سنة 2010، ونشر لائحة المسالك المعتمدة من طرف المؤسسات الخاصة سنة 2012، ومأسسة المقاربة التشاركية بين الدولة والفاعلين السوسيو-اقتصاديين سنة 2014. فقد ارتفعت جاذبية قطاع التعليم العالي الخاص عند الفئات المتوسطة من المجتمع في ظل المشاكل التي يعرفها التعليم العالي العام وارتفاع متطلبات سوق الشغل، وكذاك عند الطلبة الأجانب خصوصا الأفارقة منهم. فكان أن ارتفعت نسبة المسجلين من 11% إلى 15% من مجموع الطلبة الجامعيين بالمغرب ما بين سنتي 2016 و2017 بالنسبة للمؤسسات المنبثقة من الشراكة بين القطاعين العام والخاص، و نسبة 31% ما بين سنتي 2017 و2021 بالنسبة لمؤسسات القطاع الخاص ككل. وتحض التّخصّصات الطبيّة بإقبال مهم خلال السنوات الأخيرة بنسبة تصل إلى 57%. لكن، ونظرًا لارتفاع تكاليف الدراسة بهذه المؤسّسات الخاصّة (أكثر من 70 ألف درهم في السّنة في بعض الأحيان)، يبقى الاستقطاب فيها محدودًا، إذ تمثل هذه المؤسسات سوى 6% من مجموع العرض التعليمي العالي بحوالي مائتين مؤسسة خاصة وحوالي 60 ألف طالب. وللتخفيف من ثقل تكاليف الدراسة، لجأت الدولة إلى إنشاء آلية لضمان قروض تمويل الدراسة، تحت اسم “EnseignementPlus”، ويتعلق الأمر بصندوق الضمان قصد تشجيع البنوك على تقديم قروض الدراسة للطلبة، قد تصل ضمانة الدولة فيه إلى 60% من قيمة الدين والفوائد.
وحسب الوزارة المكلفة بالقطاع، هناك 142 مؤسسة خاصة مرخص لها وتمارس نشاطها برسم السنة الجامعية الحالية 2021-2022 عبر ربوع المملكة وفي تخصصات متعددة، و 32 مؤسسة معتمدة يمكنها تسليم شواهد معترف بها من طرف الدولة في التخصصات المعتمدة. ويمكن تقسيم المشاريع الاستثمارية لمؤسسات التعليم العالي الخاص إلى :
1- مؤسسات ذات تخصصات محددة، 2- مؤسسات جامعية متعددة التخصصات، وعددها 10 جامعات، منها 5 أنشأت في إطار شراكة مع الدولة وهي: الجامعة الدولية بالرباط، جامعة محمد السادس المتعددة التخصصات التقنية، جامعة محمد السادس للعلوم الصحية، الجامعة الدولية Abulcasis و الجامعة الأورومتوسطية بفاس، 3- مجموعات مؤسسات دولية انصهرت تحت إطارها مؤسسات مغربية. كمجموعة LCI-Education الدولية التي انضوت تحت لوائها مدارس HEM ومدارس Collège LASALLE ، ومجموعة Honoris-United-Universities التي انضوت تحت لوائها مدارس EMSI و مدرسة EAC وجامعة Mundiapolis ، ومجموعة KMR-Holding التي انضوت تحت لوائها جامعة UIC و جامعة UPM ومدرسة SupdeCo . وهذا المزج بين المدارس والجامعات الخاصة قد يطرح السؤال عن المعايير الأكاديمية التي يتم بها تحويل عدد من المؤسسات ذات المواصفات غير الجامعية إلى جامعات أكاديمية، منها مثلا، وجوب توفر جامعة الطب الخاصة على مستشفى جامعي خاص بها و بمواصفات محددة.
ومع تسارع ظهور الجامعات الخاصة ودمج المؤسسات الخاصة في مجموعات دولية وتوسع الشراكات البيداغوجية مع المؤسسات التعليمية عبر العالم لتشمل مؤسسات أنجلو-ساكسونية، يحاول التعليم العالي الخاص الانتقال إلى التعليم باللغة الانجليزية بدل اللغة الفرنسية -كما كان من قبل-، قناعة منه بان اللغة الإنجليزية -لغة البحث العلمي والتكنولوجيا- هي التي ستفتح الأبواب بمصراعيها نحو العالمية، وهو ما قد يساعد على تعزيز جاذبية المؤسسات التعليمية المغربية في القارة الإفريقية، تماشيا مع التوجه الإستراتيجي “الاقتصادي” للمملكة المغربية في القارة الإفريقية.
على مستوى البحث العلمي والتقني والابتكار، تعلن المؤسسات الجامعية الخاصة طموحها إلى جعل البحث العلمي مرتكزا أساسيا في نظامها التعليمي، نظرا لأهميته في إحداث المعارف العلمية ونشرها وتقليص الفترة الزمنية بين الاكتشافات العلمية وتطبيقاتها على المستوى السوسيو-اقتصادي. وتحاول في هذا الإطار، خلق الهياكل وتوفير الإمكانيات والتجهيزات الضرورية وظروف العمل وتيسير الحصول على المعلومات العلمية والتقنية ومحاولة إيجاد شراكات مع مراكز وطنية ودولية وتمويلات من القطاع العام والخاص -مع وجود الإكراهات المرتبطة بضعف النسيج الاقتصادي- لخلق بحث علمي بهتم بمواضيع تستجيب لحاجيات الاقتصاد الوطني.
وبلوغا لأهدافها في تجويد خدماتها عبر تلبية متطلبات طلابها وموظفيها وتنظيماتها وفضاءاتها، تحاول هذه المؤسسات تطوير مواردها البشرية والبيداغوجية والبحثية، وذلك بمحاولة استقطاب الكفاءات المغربية التي تعيش في الخارج والكفاءات الغربية للاستفادة من خبرتها العلمية وعلاقاتها على الصعيد الدولي التي راكمتها داخل الجامعات والمؤسسات البحثية ومراكز القرار في أوروبا وأمريكا الشمالية. ولملأ ما ينقصها من أساتذة، تعمد إلى استقطاب المتميزين من أساتذة الجامعات العمومية، بمعنى أن هذه الجامعات الخاصة تعتمد على الجاهز من الكفاءات، ولم تصل بعد إلى مستوى الاستثمار في الموارد البشرية على المدى الطويل عبر التكوينات والبعثات للخارج…
إن المبررات الأساسية المعلنة من طرف الدولة للتوجه نحو تشجيع الجامعات الخاصة هي ان هذه الأخيرة قادرة على : 1- تجاوز إخفاقات التعليم الجامعي العمومي، 2- تنويع العرض التعليمي عبر تخصصات جديدة، 3- ملأ النقص الحاصل في تخصصات معينة أخرى كالطب والطاقات المتجددة، 4- جلب الخدمات التعليمية المقدمة للطلبة الذين يرغبون في متابعة دراستهم في الخارج إلى المغرب، 5- وأخيرا خلق بحث علمي يستجيب لحاجيات الاقتصاد الوطني والتنمية المستدامة. وفيما يبدو أن مواجهة إكراهات التنمية وثقافة السوق، تتم بالاتجاه المتسارع نحو التعليم الجامعي الخاص الذي يعتمد على عنصر الاستثمار المالي، مع العلم أن هذا التوجه لا زال يمارس بكثير من التحفظ والحذر في الغرب، باعتبار أن الجامعات الخاصة التي يمولها المستثمرون عادة يحركها حافز الربح السريع، وليس حافز التطور العلمي والأكاديمي، لذلك نجد أن الجامعات ذات المستوى الأكاديمي المحترم في الولايات المتحدة ما زال أغلبها محصورا في الجامعات الحكومية، أو الجامعات الخاصة الممولة من جمعيات أهلية لا تتوخى الربح. بالنسبة للمغرب، يجب أن يكون خيار الشراكة الذي تنهجه الدولة مع بعض الجامعات الخاصة المحددة، دافعا إلى عقلنة المنطق الربحي الذي يحكم هذه المقاولات الخاصة، ولم لا، خلق جامعات خاصة غير ربحية، شريطة أن لا تسقط في نمطية البيروقراطية العمومية.
نحو شراكة فعالة.
يشهد قطاع التكوين المهني الخاص و التعليم العالي الخاص زيادة في عدد الشراكات بينه وبين القطاع العام، وهذا أمر في بالغ الأهمية من حيث الحوكمة، شريطة أن يكون جميع الشركاء مستعدين للعمل على مستوى المدى الطويل. فبالرغم من أن إدارة تلك المشاريع توكل بالكامل لأصحابها، فإن حضور الدولة قد يطمئن المستثمرين بضمان العناية وإتمام الإجراءات اللازمة، ويطمئن الأسر بضمان حقوقها في جودة الخدمات المقددة بأسعار معقولة، من جهة أخرى. ولإنجاح وضمان فعالية هذه الشراكات يتعين على الدولة :
1- صياغة إطار تعاقدي صلب يوضح الأهداف والمسؤوليات بين المؤسسات الخاصة والدولة والأجهزة التابعة لها،
2- المراجعة المستمرة للإطار القانوني لمواكبة التحولات والتحديات الجديدة،
3- وضع سياسة ترابية للتعليم الخاص وربطها بنماذج التنمية الوطنية والجهوية،
4- تحديد ضوابط ضمان جودة الخدمات المقدمة،
5- التوفيق بين تشجيع التنويع وضمان توحيد مضمون الخدمات تفاديا لتوسيع الهوة الاجتماعية،
6- انتقاء المؤسسات الخاصة المنتجة للثروة بمنطق المواطنة الذي يقوم على التطوع والإيثار والانخراط -بدون شروط- في بناء الشخصية الوطنية بكل مقوماتها ومكوناتها، وليس فقط على مبدأ الربح والتوسع،
7- تنظيم القطاع بهدف تحسين ظروف المنافسة،
8- الرفع من عرض الخدمات المقدمة من طرف المؤسسات الخاصة وتنويعه و إغنائ،
9- إيجاد تدابير لمساعدة الأسر في الولوج للخدمات المقدمة من طرف القطاع الخاص،
10- ضمان الحق الدستوري في تجسيد مبدأ المساواة والإنصاف وتكافؤ الفرص بين مختلف شرائح المجتمع، وذلك بخلق توازن منصف بين خدمات القطاع العمومي والخاص.





