نوستالجيا طقوس الزواج في المجتمع التقليدي بالمغرب بين الثابت والمتغير.. منطقة الجنوب الشرقي نموذجًا (*)

إيطاليا تلغراف

 

 

 

 

*الدكتور شنفار عبدالله

 

 

نتيجة التحولات الاجتماعية والثقافية التي يعرفها العالم؛ طقوس الزواج بالمغرب؛ طرأ عليها تغييرًا كبيرًا. حيث كان في السابق حفلات العرس أو (تِسْليت) تدوم 7 أيام متتالية على مستوى العائلات، وكل يوم يحمل تسمية خاصة به؛ ذلك ما سنتناوله على الشكل التالي:

• مرحلة الخطوبة:
تعتبر الخطوبة من عادات المنطقة التي تبدأ قبل الزواج من خلال خطوات تقليدية؛ تبدأ بتوجه كبير العائلة الأب أو الجد أو الأخ الأكبر الذين يحظون بالاحترام وبالوقار، إلى بيت والد الفتاة التي يقع عليها اختيار الأسرة ويكون مصحوبًا بمجموعة من المعارف من ذوي المكانة الاجتماعية المعروفين برجاحة العقل وفصاحة اللسان.
بطبيعة الحال هذه المرحلة تسبقها كواليس تواصلية من خلال أم الولد وأم الفتاة أو أحد الأقارب غالبًا ما تكون أخت العريس أو نظرة خاطفة للفتاة وهي تحضر الحطب أو الماء الشروب من الحنفية أو العين أو بئر الدوار… وما إلى ذلك. وأحيانًا يؤخذ رأي العروس.
لكن الغالب أنه لا الفتى ولا الفتاة يؤخذ برأيهما؛ بحيث نجد سيادة مفهوم العائلة غ الأسرة الأبوية من خلال ذكورية صارمة لا تفتح مجالًا للنقاش من قبل الفتاة.
وبعد موافقة الطرفين تبدأ خطوات الإتفاق على تحديد قدر المهر ونوعه وتحديد موعد الزفاف.
فالتحالف أو الترابط العائلي والقبلي، يقوم على قاعدة الزواج أو المصاهرة، أي ما يمكن أن يطلق عليه سوسيولوجياً؛ بالاستعمال الاجتماعي للقرابة من خلال الوظائف التي تتم تعبئة الجماعات من أجلها بالفعل، وبالتالي فالزواج ببنت العم يفرض نفسه في الواقع، بحيث ينظر إلى الزواج بأجنبية أو أجنبي بأنه خطر يهدد ميراث “اجْماعة”؛ أو ما يعبر عنه بالقول الشعبي في تمغربيت؛ “لا تدع خيرنا يتولاه غيرنا”.

• مرحلة ( سقيمو):
وهو اليوم الأول من حفل العرس؛ حيث يتم تزيين العرسان بالطيب والحناء واللباس الجميل والحلي. وأهم ما فيه هو حدث (أسني)؛ (ليس المقصود به الحدث المشئوم المتعلق بضرب فندق أطلس أسني بمراكش؛ حيث وقعت في 24 غشت من سنة 1994 أول عملية إرهابية فوق التراب المغربي)؛ ولكن أسني أو “اسنايْن”؛ يعني الركوب من خلال إرسال أربعة أشخاص أقوياء وأشداء إلى بيت العروسة مصحوبين بصندوق أصفر اللون مصنوع من الخشب يحمل ملابس وزينة العروس. وهؤلاء هم من يتولى السهر على ركوب العروس ومرافقتها؛ والقيام بعملية الخفر (Escorte) إلى بيت الزوج في اليوم الموالي من ثاني أيام العرس أو ما يسمى (تناكا).

• مرحلة (تناكا):
هو اليوم الثاني، وبعد تناول الفطور، يشهد موكب انتقال وخروج العروس في اتجاه بيت الزوجية على متن ظهر الحصان المسرج بشكل أنيق يليق بالعروسة ومحاطة بالحراس الأربعة الأقوياء، الأشداء السالفي الذكر. في موكب جماهيري عبارة عن لوحة فنية يتخللها الغناء والمرح والزغاريد والعروس محاطة بامرأتين من أقرباء العروسة تشد كل واحدة منهما برجل العروسة حتى لا تسقط من فوق ظهر البغلة التي يعترض سبيلها قطاع طرق يسمون (إقطعن). في محاولة يائسة لمنع ذهاب العروسة إلى بيت زوجها ومغادرة بيت أهلها بشكل هزلي يحيل إلى من لا يعرف تقاليد المنطقة؛ أن الأمر عبارة عن خصام جدي ومستميت بين الطرفين، حيث من يصر على أخذ العروسة ومن يمانع في ذلك؛ إذ يعتبر الحصول على العروسة بهذا الشكل ليس بالأمر الهين. وهي إشارة موجهة للعريس ليعرف مدى قيمة المرأة في المجتمع ودورها المحوري حتى لا يهينها أو يعتدي عليها.

وحتى بعد وصول العروس إلى بيت الزوج بعد مشقة الأنفس وبعد عناء كبير وعراك شرس بين قطاع الطرق والموكب المرافق لها؛ فإن المعركة لم تنته بعد؛ حيث أنه بعد تناول وجبة الغذاء، يبدأ الصراع من جديد؛ لكن هذه المرة عن طريق الكلام من خلال الغناء والفلكلور؛ من أحيدوس وأحواش وأقلال ولعبة السيف والركبة والهرمة… وغيرها من أنواع الفلكلور؛ كمؤشر ومعيار للتحضر الذي عرفته هذه المجتمعات التقليدية. بحيث أن الفن هو إحدى صور ومظاهر التحضر الأساسية في استمرار حضارة الشعوب؛ يتخلل ذلك التباهي وتبادل المدح والهجاء بين الطرفين أو ما يطلق عليه (ازنزي)؛ وازنزي هذا، هو نوع من الهجاء ومحاولة التشويش على أم العروسة ومحاولة إقلاق راحتها وإغضابها والتي تكون ردة فعلها أخذ بنتها العروسة وإرجاعها إلى بيت عائلتها.

إلا أنه يتدخل فريق الصلح ويقدم الاعتذار والمدح في حق الأم لثنيها بالتراجع عن قرارها الخطير هذا! وهذا يدل على المكانة التي يعطيها الأفراد وتحظى بها المرأة بالجنوب الشرقي؛ حيث لا يكرمها إلا الكريم ولا يهينها ويذلها إلا اللئيم.
وأنا أهبش وأنبش في بعض العقود والوثائق والمخطوطات القديمة مما ترك لي أجدادي؛ عثرت على عقد زواج جدتي؛ موثق في العام 1893؛ أي قبل حماية فرنسا وإسبانيا؛ يتضمن عبارة: “وعصمتها بيدها”؛ وتعني أنه يجوز للزوجة أن تشترط على من يريد الزواج بها أن تكون عصمتها بيدها؛ إذا كان لديها تخوف من أن يحرمها من بعض حقوقها؛ أو مخافة أن يعضلها؛ كأن يضيق عليها أو يمنعها.

فإذا طلقت نفسها وقع الطلاق، وبطلاقها نفسها تستحق ما قرره لها الشرع، والقاضي ينفذ أحكام الشرع، فلا يسوغ له أن يخرج عنها.
كذلك وجدت عبارة: حقها في الكَدِّ والسعاية.” وهو مضمون ما تنص عليه المادة 49 من مدونة الأسرة: “لكل واحد من الزوجين ذمة مالية مستقلة عن ذمة الآخر، غير أنه يجوز لهما في إطار تدبير الأموال التي ستكتسب أثناء قيام الزوجية، الإتفاق على إستثمارها وتوزيعها…”
هذه كل قواعد ومباديء المذهب المالكي في دول شمال إفريقيا.
ويأتي أحد الحداثيين ليحدثنا عن حقوق وتحرير المرأة المستمدة من قوانين أوروبا والغرب. ويروق له التبجح بلغة مولير قائلًا:
«émancipation de la femme»

• مرحلة (تيسي):
يتميز هذا اليوم بظهور العريس أمام الملأ، والذي اختفى عن الأنظار طيلة أيام الفرح. وإعادة تزيين العروس من جديد وتخضيب جسدها بالحناء وأنواع الزينة والحلي من الفضة والذهب. وعند المساء يوجه موكب العرسان نحو عين الساقية أو البئر؛ حيث تقوم العروس بتشتيت ورمي حبات اللوز على الجمهور الذي يتدافع في التقاطها، لتعود محملة بماء عين الساقية الذي ترش به عتبات منزل الزوجية الجديد كطقوس النظافة والطهارة التي يقوم بها السكان بأنفسهم.
ويبقى الفرح مستمرًا إلى وقت متأخر من الليل؛ حتى حلول مرحلة الوداع.

• مرحلة (تامسيْفْطتْ):
أو يوم الرحيل أو الوداع الأخير. وفي هذه المرحلة يتم تزيين العروس بأبهى الحلل ولأول مرة يتم كشف وجهها أمام الجمهور. وبذلك ينتهي حفل العرس والوداع بين عائلتي العريس والعروس والاختتام بقراءة الفاتحة والدعاء الصالح للزوجين.
لكن حاليًا تم التخلي نسبيًا عن جزء كبير من هذه العادات والتقاليد؛ مع الأسف؛ وتم اختزالها في يوم واحد ولم يعد ذلك التشويق الذي كان في السابق، وعرف عدة تغييرات حتى على مستوى مواد الزينة باستبدال الحناء بمواد أخرى عصرية والنكافة واستبدال البغلة بالسيارة والفلكلور بالمجموعات الغنائية أو “الديدجي”. وحتى اللباس تم التخلي فيه عن الكسوة المصنوعة من الصوف وزيف الحرير الأصفر اللون وما إلى ذلك من التغييرات التي طرأت على العرس التقليدي بالمنطقة.
لكن في ظل محددات الدولة الوطنية هل يمكن الحديث عن القطيعة مع التقاليد والعادات والتحالفات القبلية والعشائرية العشوائية؟
____
(*)_ يقصد بالجنوب الشرقي؛ أقاليم: (ورزازات، زاكورة، طاطا، الرشيدية، تنغير، ميدلت)

*كاتب وباحث ومفكر وراصد مغربي

إيطاليا تلغراف


شاهد أيضا
تعليقات
الآراء الواردة في التعليقات تعبر عن آراء اصحابها وليس عن رأي جريدة إيطاليا تلغراف.
تعليقات الزوار
Loading...