*دكتور محمد براو
لقد تم الكشف مؤخرا عن حوادث أخلاقية هزت الجامعة المغربية أصبحت قضايا رأي عام، اتسمت بصبغتها المدوية والدراماتيكية حيث أمسك ببعضها القضاء واتخذت بشأنها الإدارة التعليمية إجراءات صارمة وبعضها الآخر مازال في طور التحقيق.. إننا أمام تحد خطير يلزمه استجابة جادة ومسؤولة تقوم على أساس ركيزتين: سلامة التشخيص ودقة التوصيف وتأمين جواب آني صارم والتفكير في إعداد جواب هيكلي عميق…
فساد مزدوج: أخلاقي ومهني ووجه خطورته ارتباطه بابتزاز وتمييز على أساس الجنس
في هذا الصدد نحن أمام فساد مزدوج : فساد أخلاقي بالمعنى العام بماهو هتك لقداسة الحرم الجامعي من خلال ارتكاب أفعال مخلة بالأخلاق والتعاليم والمثل السامية…وفساد بمعناه الوضعي المهني الضيق بما هو انتهاك لضوابط سلوكية متواضع عليها قانونيا وادريا وأخلاقيا وتتعلق بالنزاهة والاستقامة والشرف والوقار في إيتاء الخدمة العامة طبقا للقواعد المتعارف عليها فيما يخص الوقاية من الفساد والرشوة ومحاربتهما والتي قوامها منع استغلال المنصب العمومي من أجل تحقيق أغراض شخصية … والفساد بهذا المعنى ينطوي على عناصره تكوينية تفترض وجود عنصر الطلب وعنصر العرض وكذا عنصر ثالث محتمل هو عنصر التواطؤ أو الوساطة… نحن إذن في الحوادث الأخيرة أمام فساد وارتشاء مؤداه طلب الحصول على رشوة مقابل تخويل منفعة قد تكون مستحقة أو غير مستحقة، لكن الارتشاء الناجم عن التحرش الجنسي أو المعنوي قد يكون من جهة طالب أي طالب الرشوة الجنسية كما قد يكون بمبادرة عارض لها .وإذا كان المتعارف عليه أن الرشوة تكون عموما نقدية ( المال مقابل النقطة) شراء كتاب الأستاذ من اجل النقطة، أو عينية مثال الطالب الذي يتطوع لشراء اضحية العيد للاستاذ الذي يقبل الأعطية مقابل النقطة وهلم جرا …
الفارق هنا ووجه الخطورة أن الرشوة جنسية ومرتبطة بظروف تشديد وتغليظ كالضغط والإكراه والابتزاز والتمييز على أساس الجنس.. فالواجب الأوجب هو سلامة التشخيص ودقة التوصيف والحذر كل الحذر من الاختزال في التعريف أوالتعميم في المسؤوليات أوالتخليط في المفاهيم.. وفي الوقت الذي لايجوز وضع جمبع الاساتذة أو مختلف الجامعات في سلة واحدة، فإن خطورة الأفعال وكذا حرمة المكان الذي وقعت فيه وتوارد روايات متطابقة حول شيوع هذه الممارسات وارتاطها بمناورات تحايلية على قواعد النزاهة الاكاديمية والحكامة الادارية الجيدة، لا يمكن نفي آثارها المدمرة لصورة الجامعة ولصورة أساتذتها في المجتمع مهما كان نطاقها محدودا أو غير ظاهر ومثبت إثباتا جنائيا مبرما…
إجراءات آنية مناسبة لكن لا مناص من وضع المشكلة في سياق إصلاح أشمل
لقد تم بالفعل تحريك آليات التفتيش والتحقيق والإحالة على المحاسبة الإدارية وأو المساءلة القضائية حسب الحالة. ويمكن القول أن وزارة التعليم العالي قد نجحت في ترك انطباع ايجابي بعد تكليف لجنة تفتيش للتحري والتحقيق واقتراح الإجراءات المناسبة في إطار احترام قرينة البراءة . بحيث تم تأمين جواب قوي إداري وقضائي أفلح مبكرا ووقتيا في بلوغ هدفي الردع الخاص والردع العام لكل من تسول له نفسه المريضة مجرد التفكير في ارتكاب ما لا يحمد عقباه… ينبغي أن نعي أن هذه الحوادث غير جديدة وهي ليست مفاجئة في حد ذاتها لكن الجديد هو كشفها والجرأة في الحديث عنها من قبل ضحاياها، إنها إذن ظاهرة قائمة وتاريخية تشكل الفراغات ومناطق الظل في منظومة حكم القانون و الشفافية والمحاسبة والنزاهة في الوسط الجامعي حضنا دافئا لها وإطارا سالكا للتعايش معها. فضلا عن تغذيتها بواسطة شيوع النظرة الدونية التشييئية للمرأة والتي تكرس وضعيتها الهشة في المجتمع. ولن يتأتى الجواب الهيكلي المتين على هذا “الفساد النسقي” إلا من خلال بلورة “جواب نسقي” قوامه المزج الايجابي بين معادلة كليتغارد المؤسساتية ومثلث كريسي السوسيلوجي الثقافي، في تعريف الفساد وتحديد عوامله ومحفزاته: والإسراع في تنزيل منظومة متكاملة للنزاهة والحكامة الجيدة بشكل متناغم ومتزامن على مستوى قطاع التعليم العالي بيداغوجيا وتظيميا وإداريا. وذلك من خلال العمل على مراجعة منظومتنا المعيارية والمؤسساتية في قطاع التعليم العالي في اتجاه المزيد من الشفافية والنزاهة والمراقبة الذاتية والمحاسبة والمساءلة وحكم القانون. ويبدأ هذا المسار المتكامل والمتسلسل بإرساء قواعد ومنافذ لمزيد من الشفافية تستهدف تحرير اللسان والتشجيع على الكلام والكشف عن الموبقات المسكوت عنها عنوة فقط لأن البعض يمسك بتلابيب القرار الاداري أو أنها في جيبه كما ادعى أحدهم …في هذا الصدد تم رسميا تبني آليتين سريعتين في بعض الجامعات وهما : الرقم الأخضر وخلية الاستماع. ولكن ما ينبغي الانكباب عليه بعمق وروية هو استغلال الاصلاح الجاري الاعداد له في منظومة التعليم العالي من أجبل استحضار واستدماج الحاجة لمعالجة المشكلة الأخلاقية في الجامعة المغربية بوجه خاص ومشكلة النزاهة والحكامة الجيدة بوجه عام.ذلك من خلال تطعيم القانون الاساسي للتعليم العالي وسائر الأنظمة واللوائح والمساطر الداخلية في اتجاه المزيد من الشفافية وتقليص هامش السلطة التقديرية المبالغ فيها أو التي تلامس الاحتكار أو الإنفراد في القرار كمراجعة شروط الانتقاء والولوج الى مسالك الماستر والدكتوراه، وكذا تفادي حالات التنافي وتضارب المصالح: المشرف هو رئيس اللجنة. على ان يتم ذلك من خلال التوافق والمشاركة العمودية والافقية ولاسيما بين الوزارة المعنية وجمعية رؤساء الجامعات حتى لا يتم الوقوع في مطبات أو منغصات تتمثل في تناقض أو تضارب الرسائل والسياسات والاجراءات مع توحيد التفسير وتقليص هوامش التأويل المطاط للفراغات ونقاط الظل التي قد تحتويها النصوص واللوائح …
*باحث ومحلل في الشؤون السياسية والاستراتيجية
خبير دولي في الحكامة ومكافحة الفساد .





