ربط المسؤولية بالمحاسبة في أنماط التدبير الجماعي للشؤون المحلية بالمجتمع المغربي التقليدي

إيطاليا تلغراف

 

 

 

 

*الدكتور عبد الله شنفار

 

 

ينص أول فصل من الدستور المغربي للعام 2011؛ على أن “نظام الحكم بالمغرب نظام ملكية دستورية، ديمقراطية برلمانية واجتماعية.
يقوم النظام الدستوري للمملكة على أساس فصل السلط، وتوازنها وتعاونها، والديمقراطية المواطنة والتشاركية، وعلى مبادئ الحكامة الجيدة، وربط المسؤولية بالمحاسبة.” انتهى منطوق الفصل الدستوري.

المجتمع المغربي التقليدي، تميز بأنماط تدبير جماعي تنم عن وجود فكر التدبير للشؤون المحلية بشكل مستقل عن تدخل الدولة. كما تميز بربط المسؤولية بالمحاسبة في أنماط التدبير الجماعي للشؤون المحلية بالمجتمع المغربي التقليدي؛ بشكل أكثر صرامة منه في الوقت الحالي؛ خاصة في بلاد ما سمي ب: (السيبة)؛ التي إذا تجاوزنا المعنى القدحي للكلمة؛ فإنه شكل من أشكال التدبير المحلي لشؤون الأهالي؛ من خلال بنية مسيطرة ومجتمع تراتبي؛ حيث نجد سيادة مفاهيم تمثل التضامن في شقيه: تضامن الضرورة وتضامن الندرة وتضامن الوفرة المحلية والآليات التي يتم من خلالها التواصل واجتماع (اجْماعة) من أجل تدبير شؤون القبيلة والدوار والقصر أو المدشر، كتجمعات شكلت النواة الأساسية الأولى لانطلاق وبروز الوحدات الإدارية الترابية.

هذه المفاهيم تسود كثيرًا في الجنوب والجنوب الشرقي والبادية المغربية، كمعطى أصلي يشكل محورًا ومرجعية أساسية لفهم المغرب العميق والحقيقي، وليس المغرب المزيف؛ مغرب المدن الحديثة المدارة بأحزمة دور الصفيح، وسيادة ثقافة واقتصاد الدراويش، والباعة الجائلين بالشوارع والأزقة. والتي لها حمولة ورصيد تاريخي في إعمال المقاربات التشاركية والفكر التعاوني والتضامني في تدبير الشؤون اليومية المحلية. حيث تتولى النخبة التي تدير الشأن المحلي وتتخذ القرارات التي تهم شؤون اجْماعة، وتتشكل من زعيم أو (شيخ) القبيلة، الذي يتم اختياره من لدن شيوخ القبائل.

نجد كلمة (تَوَلَه) و(تادُّولَه) أو (الدولة) والتداول والتناوب؛ هي مفاهيم لها امتداد تاريخي وأبعاد وسياقات حضور مكثف في المخيال الاجتماعي للقبائل، خاصة بالجنوب الشرقي من المغرب، وهذه المفاهيم تحيل إلى التوالي أو التناوب في إدارة وتدبير شؤون القبيلة أو التجمعات السكانية، خاصة: في مجال الرعي، وفي الإشراف على توزيع مياه السقي، وفي إطعام فقهاء وأئمة المساجد… إلى غير ذلك، بشكل؛ دوري من خلال تناوب أفراد هذه العائلة أو الفخذة أو تلك في التدبير والإشراف على مصالحهم. و”تادولة أو توله” واجب لا يمكن التحلل منه، وعليك أن تقوم به على أحسن وجه، تحت مساءلة ومراقبة أعيان القبيلة وباقي أفرادها، الذين ينزلون العقاب في حق المخالف الذي لم يدبر ما أنيط به على أحسن وجه، أو بدره، كأن يترك القطيع يأكلها الذئب أو يترك المخزن: “دار القبيلة” يتعرض للضياع والتلف… إلى غير ذلك، وقد يذهب أبعد من ذلك إلى تحميله المسؤولية التاريخية، كمقاطعة أفراد الفخذة، أو إقصائها من تولي مهام أخرى في القبيلة، كشغل منصب مقدم أو جراي أو شيخ أو أن يكون أحد كبار القبيلة المنتخب أو ممثلها في علاقتها بالقبائل الأخرى.
هذا، وبالاضافة الى ذلك؛ نجد هنالك مفاهيم أخرى تدل على تحضر وثقافة المجتمعات في التضامن والتنظيم والقيم والعدالة في تدبير شؤونهم اليومية.

هذا؛ ونجد أيضًا مجالس حكم عرفية تطبق العرف، أو ما يسمى ب: (ازرف) بالأمازيغية، يترأسها الشيخ الأدنى وعشرة مساعدين، ويطلق عليهم آيت عشرة، وهناك مجالس الحكم العليا ويرأسها الشيخ الأعلى، ويساعده سبعة أشخاص يختارون من اجْماعة وتبت في القضايا المعقدة. كما نجد أيضًا مجالس حكم خاصة. مع أنني لم أستطع الحصول على أية كتابات أو وثائق تؤرخ لهذه الأحكام، بقدر ما هي حكي شفوي. ومن خلال الاشراف ومشاهدة جلسات حكم منظمة من قبل مجلس لأفراد القبيلة، يعقد في حضورنا بشكل تلقائي، وبشكل عشوائي، دون تحديد مسبق لأعضاء المجلس للبث في النزاع. وبالفعل يصدر الحكم في حق المعني بالقضية، إمَّا بإرجاع الحالة إلى ما كانت عليه، أو تغريمه، أو امتثاله لقوانين الجمعية أو القبيلة. فهم ليسوا في حاجة إلى تدوين أو توثيق هذه الأحكام والقضايا؛ لأن التنفيذ يكون على الفور وفي الحال وإجباريًا أيضًا، و إلا تعرض الفرد للقطيعة والعيش في انعزالية وتهميش مطلق من قبل المجتمع الذي يعيش فيه، وهذه أخطر عقوبة لا يمكن أن يسمح بها أي فرد اجتماعي بطبعه.

العديد من القضايا يتم البث فيها محليًا دون وصولها إلى ردهات المحاكم، وما يتطلب ذلك من مساطر طويلة الأمد، الشيء الذي لا يقبل به الناس خاصة، إذا تعلق الأمر بالترامي على الأرض أو الشرف (الأولاد) أو المال، التي تعتبر قضايا عِرْض، يحدد فيها الأفراد حياتهم.
هذه المجالس هي عبارة عن (محاكم) تصدر أحكامًا تسمى ب (النصاف) أو الإنصاف، من خلال الحكم بالغرامة على من تبث تورطه في قضايا معينة، إمَّا تجاه فرد بعينه، أو تجاه الجماعة.

وطريقة البث في القضايا تتم من خلال عرض النزاع على أحد الأشخاص الذين يتميزون بالورع والذكاء والدهاء والأخلاق والمروءة، ولا يعرفون طرفي النزاع؛ حيث ينقل إليهم موضوع النزاع، دون ذكر إسم الأطراف، فقط موضوع النزاع، وبناء على جرد تلك المعطيات يتم إعطاء و إبداء الرأي حول المشكل أو النزاع المطروح الذي قد يتم استئنافه من قبل من يهمه الأمر؛ حيث يعرض مرة ثانية وبنفس الكيفية على جهة أخرى محايدة لتبدي رأيها فيه؛ وهذه المرة يصبح ملزمًا للأطراف وبدلك قد- حاز قوة الشيء المقضي به-.
هنا نستحضر حينما نادت المعارضة العام 1965 باعتبار (الدوار) و(الدشر) جماعة ترابية وسلطة تنظيمية وشخصية اعتبارية؛

وكذلك على هامش اعتبار الدوار أو المدشر في ظل النموذج التنموي الحالي؛ بمثابة الخلية الاجتماعية الصغرى؛ كمنطلق للسياسة التنموية المجالية. وأيضًا الإطار الاجتماعي الأول الملائم للحياة اليومية لإنسان القرى والبوادي؛ بحيث لم يعد مجرد مكان اجتماعي واقتصادي وثقافي متميزة لتجمعات سكانية، بل أصبح كذلك مؤسسة قانونية معترفًا بها على المستوى الأيديولوجي للدولة؛ مع ضمان حقوق وواجبات الجميع نحو الوحدات الكلية، في إطار السياسات العامة والعمومية والقطاعية؛ أي التمتع بحقوق وواجبات كل عضو وأسرة؛ تجاه الآخرين حسب السن والجنس؛ والمتطلبات الاجتماعية والاقتصادية والسياسية والثقافية في تدبير اليومي.

*مفكر وكاتب ومحلل سياسي واقتصادي وراصد اجتماعي مغربي.

إيطاليا تلغراف


شاهد أيضا
تعليقات
الآراء الواردة في التعليقات تعبر عن آراء اصحابها وليس عن رأي جريدة إيطاليا تلغراف.
تعليقات الزوار
Loading...