*الدكتور عَبْدُ اللَّهِ شنفار
في تحليل هذا الموضوع؛ الذي يشكل نوعًا من الإحراج والازعاج والارتباك الفكري لدى البعض؛ نستحضر إحدى كتابات المفكر الاستراتيجي، والراصد الاجتماعي المغربي؛ الدكتور محمد خمسي؛ التي جاء فيها تحت عنوان: “زْمَانْ عندو الوسخ في الضوصي ديالو..!”
فعبارة: (عندو الوسخ في الضوصي ديالو)؛ هي إبداع مغربي محض..!
كانت طريقة ولا زالت؛ تستبطن فكرة خبيثة ودنيئة في الإدارة العمومية المغربية!
ومعناه؛ أن هناك “صحيفة” ما؛ بِأَيْدِي كَتَبَه؛ كاللعنة تطارد أشخاصًا ما؛ في مكان ما؛ وزمانٍ ما! ولسبب ما! يكتب فيها شخص ما! ثم تخرج أخبار الصحيفة يومًا ما؛ فتنتشر في الآفاق على نطاق واسع! تختزل الإنسان بكرامته الوجودية في عبارة: “عندو الوسخ في الضوصي ديالو..!” وتتناقلها الأسماع؛ فيتخذها البعض مطية لإبعاد وتهميش وإقصاء كفاءات وطنية مشهود لها بالنزاهة والانضباط في أداء عملها..
الآن جاءت مرحلة الترقيات بناءً على صناعة لوسخ علانية وبالعلالي في الضوصي..!! ومن بين تجلياتها:
1. الامتناع والتملص من أداء الواجب الوطني والقانوني المفروض في الضريبة؛ وبالملايير؛ أوَليْست هذه وسخًا في الضوصي!؟
2. الكذب علانية وبيع الوهم في حملة إنتخابية كلها ريع ورشوة؛ أوَليْست وسخًا في الضوصي!؟
3. تشغيل الأقارب في مناصب دون مراقبة أو محاسبة؛ وبدون رقيب ولا حسيب؛ ومع وجود حالة التنافي؛ أوَليْست وسخًا في الضوصي!؟
4. استغلال النفوذ لنزع ممتلكات الناس، والتوسع على حساب المجال الغابوي والترامي على الملك العمومي البحري وآلاف الهكتارات من أراضي الجموع والسلالية؛ أوَليْست وسخًا في الضوصي!؟ (…)
المهم؛ لقد تغيرت التعريفات وأصبح الوسخ في الضوصي يُقرأ عبقريةً وذكاءً ومكرًا ودهاءً؛
فهل أصبح الوطن غنيمة يشترط حقك منه؛ وفيه؛ أن يكون الوسخ في الضوصي..!؟”
فعبارة “عندو لُوسَخْ فالضوصي ديالو” هي عبارة عن صحيفة؛ أو سجل صك إتهام؛ كتبه شخص ما؛ بمزاج ما؛ وعلى سجية ما؛ صاحبها صدره مليء بالحقد والغل والكراهية؛ حَلَّافٍ مَهِينٍ هَمَّازٍ مَّشَّاءٍ بِنَمِيمٍ. مَنَّاعٍ لِّلْخَيْرِ مُعْتَدٍ أَثِيمٍ. عُتُلٍّ بَعْدَ ذَٰلِكَ زَنِيمٍ؛
من المستحيل البراءة مما وجه من اتهامات كيدية وكاذبة؛ مهما ألحنت في الحجة والدليل من خلال المرافعة؛ ومهما بلغت قوة المُناصرة من طرف بعض العقلاء الذين يخافون الله عز وجل؛ إلى يَوْمَ الْقِيَامَةِ؛ حيث هناك فقط؛ عِندَ رَبِّكُمْ تَخْتَصِمُونَ.
من أغرب ما يمكن أن تسمع في حياتك! وأنت تحاول الدفاع عن نفسك؛ حينما يقول لك أحد الأغبياء؛ وهو واثق من نفسه: “نعرف عنك ما لا تعرفه أنت عن نفسك..!”
يا سلام! ويا له من تطاول على الله سبحانه؛ الذي يقول: (هَٰذَا كِتَابُنَا يَنطِقُ عَلَيْكُم بِالْحَقِّ؛ إِنَّا كُنَّا نَسْتَنسِخُ مَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ.)
فالله عز وجل هو الوحيد الذي اختص بمعرفة ذلك؛ وقد أقسم على ذلك بِ: [الْقُرْآنِ الْمَجِيدِ]
يقول تبارك وتعالى: (وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنسَانَ وَنَعْلَمُ مَا تُوَسْوِسُ بِهِ نَفْسُهُ. وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ.) سورة قَ الآية: 16.
هي إحدى وسائل الاستراتيجيات العشر التي حددها المفكر الأمريكي (نعوم تشومسكي) المستعملة للتحكم؛ وإلهاء الشعوب؛ ومنها:
معرفة الأفراد أكثر ممّا يعرفون عن أنفسهم؛ بحيث يرى أنه خلال الخمسين سنة الماضية، حفرت التطوّرات العلميّة المذهلة، هوّة لا تزال تتّسع بين المعارف العامّة وتلك التي تحتكرها وتستعملها النّخب المتحكمة.
لكن هذا معناه أنّ الأنظمة؛ في أغلب الحالات؛ تمارس سلطة على الأفراد أكثر من تلك التي يملكونها على أنفسهم؛ فقط؛ دون أن تستطيع أو تكون لها القدرة على معرفة أو علم مَا تُوَسْوِسُ بِهِ نفوس الأفراد؛ حيث كان الله وحده بالسر عليمًا.
ما أكثر ضحايا الربط الظرفي الخاطيء بالأحداث وتلفيق التهم ظلمًا وجورًا؛ والإشاعات والتخوين..
البعض من الناس يستسهل إطلاق الكلمات: مثل الاتهام بالخيانة ونشر الإشاعات وبالتجسس وبالفساد… وغيرها من الاتهامات؛ من خلال التنابز بالألقاب ونسج الحكايات ومختلف صور الكذب ونشر الدناءة من أجل الإساءة.
هؤلاء لا يدركون أنه بقدرما تُحَرِّكْ بِهِ لِسَانًا أو تَنطق بكلمات أو سلوك أو تصرف معين؛ فإنهم يصنعون التاريخ المليء بالكراهية وبالأحقاد.
فبكل كلمة تصنع فجوة في جدار البيت الذي تسكنه، وتتعايش فيه؛ ولا يستغرب على جاهل ومن لا وعي له مثل هكذا سلوك.
ولكن النخب الاجتماعية الواعية من الأُولُو بَقِيَّةٍ يَنْهَوْنَ عَنِ الْفَسَادِ فِي الْأَرْضِ؛ يقع عليها عبء ودور كبير في التوجيه والتأطير.
فالوطن واحد؛ وكل كلمة خيرة تبقى مهمة في التلاحم والتعايش والتكامل والتضامن وصنع تاريخ مليء بالأمجاد.
لذلك يقال أن التهم المرتبطة بفكر المؤامرة؛ غير قابلة للمرافعة أو الطعن أو الإلغاء؛ أو حتى إعادة النظر؛ من أجل إثبات البراءة منها؛ وتبقى عالقة في الفضاء إلى يَوْمَ الْقِيَامَةِ؛ حيث هناك فقط: (عِنْدَ رَبِّكُمْ تَخْتَصِمُونَ.)
هناك؛ حيث يُعادُ تمثيل مشهد الجرائم جميعها بشكل دقيق جدًا من قبل الخالق عز وجل: {هَذَا كِتَابُنَا يَنطِقُ عَلَيْكُم بِالْحَقِّ؛ إِنَّا كُنَّا نَسْتَنسِخُ مَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ.}
فالاشاعة والكذب؛ من إنتاج وتأليف شخص خبيث وجبان، وسيناريو وإخراج شخص حاقد، ونشر وتوزيع من طرف شخص آخر حقير، وتصديق من إنسان ساذج.
_____
* مفكر وكاتب وراصد اجتماعي ومحلل سياسي واقتصادي مغربي





