الوهابية.. الخمينية.. الطّالبانية

إيطاليا تلغراف

 

 

 

 

محمد الحبيب الدكالي

 

 

هي ثلاث اتجاهات في فهم الإسلام نبتت في ثلاثة بلدان إسلامية لها وزنها في الأمة في مراحل مختلفة من تاريخها الحديث والمعاصر، وهي ظاهرات أحدثت تأثيرات كبيرة في تشكّل وسيرورة الأوضاع في هذه البلدان الثلاثة الوازنة، كما امتدت تأثيراتها إلى بلدان إسلامية عديدة وحتى في أوساط الجاليات الإسلامية في المَهاجر.

وخلافا لحالة وتجارب ما يعرف بـ “الإسلام السياسي” كفكر وتنظيمات وأحزاب، التي أشبعت إلى حد ما تحليلا ونقدا بمستويات مختلفة من الموضوعية، لم تحظ الأخوات الثلاث المذكورة أعلاه بالقدر الكافي من التحليل والتقييم، ضمن السياقات العامة التي تعرفها الأمة حاليا، فهي قِطَعٌ رئيسية ضمن فسيفساء الشِّيَع المنتشرة في طول الأمة وعرضها، وكل واحدة منها تتكلم باسم الإسلام.

قد تبدو هذه الأخوات الثلاث، للوهلة الأولى، أنها مختلفة جدا فيما بينها، بل متعارضة، وهذا صحيح إلى حد ما عندما يتعلق الأمر بالاختلافات فيما بينها حول القضايا الفرعية في طروحاتها حول مفهوم الإسلام أو الشريعة أو الأحكام الفقهية مثلا. ولكن إذا نظرنا إليها بإمعان من حيث مرجعيات رُؤاها التأسيسية التي تنطلق منها في طروحاتها حول الإسلام، ومن حيث تعاملها مع القضايا الكبيرة في الواقع، سنجد أنها تشترك في عدة خصائص رئيسية:

كلها تُجمع من حيث المبدأ على الإيمان بالوحي والسنة، وبالقطعي المُجمع عليه في قضايا الحلال والحرام.
كلها استدعت وأعادت إنتاج نفس التفسيرات للوحي والسنة التي أنتجها المسلمون في القرون الغابرة بنفس روح التعصب والانغلاق المذهبي وبنفس المواقف الحدّية التي سادت من قبل.
كلها غيّبت مفاهيم كبرى في الوحي والسنة وأبرزها مقاصد ومتطلبات الاستخلاف الإلهي للإنسان في الأرض، كالكرامة الإنسانية والقسط والرحمة والشورى وعمارة الأرض والتعارفية كمفاهيم أساسية في الوحي.
كلها وصلت، كإيديولوجيات مذهبية “إسلامية”، بغض النظر عن ظروف النشأة، إلى الحكم وتشكيل أو المساهمة في تشكيل الدولة والنظام السياسي في بلدانها (أي في السعودية وإيران وأفغانستان)، وكلها اعتبرت أنظمتها السياسية “أنظمة إسلامية”.
كلها طبقت “أحكاما شرعية” بالإكراه في مجالات سياسية مفصلية كاعتبار “وليّ الأمر” (السعودية) و”وليّ أمر المسلمين” (إيران) و”أمير المؤمنين” (أفغانستان) كحكام “شرعيين” لا يجوز “الخروج” عليهم أو معارضتهم ولهم الحق في ممارسة الحكم المطلق بشكل أو بآخر، وهم فوق “مجالس الشورى” أو “البرلمان” وفوق القضاء والسلطة التنفيذية.
كلها طبقت سياسات بالإكراه بمستويات مختلفة حول المرأة في بلدانها، وهي نصف المجتمع، عبر تكريس نظرة دونية لها باسم الإسلام وتأسيس “شرطة أخلاق” و”الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر” و ما شابههما.
كلها صادرت الحريات والحقوق على نطاق واسع ولم تسمح بأي نوع من المعارضة السياسية واعتمدت على أجهزة المخابرات والشرطة لقمع الاحتجاجات الشعبية وسجن المعارضين والتنكيل بهم.
كلها فرضت على شعوبها إيديولوجيا عقائدية وسياسية بشعارات دوغمائية بلغت حد التقديس.
كلها فشلت في إدارة الشأن العام وتحقيق القسط بين الناس وبناء نظام إقتصادي عادل وقوي يحجّم الفقر ويوسع دائرة الكفاية والعيش الكريم لشعوبها.
كلها فشلت في إدارة العلاقات مع الجيران ومع العالم خدمة لمصالح وتوجهات الطبقة الحاكمة وانخرطت بأشكال مختلفة في تأجيج الفتن بين المسلمين، والمساهمة بوعي أو بدونه في تنفيذ أجندات الطاغوت الغربي في الأمة.

هذه الظاهرات، بالنظر إلى طبيعة خطاباتها وحجم تأثيرات ممارساتها الخطيرة في الأمة باسم الإسلام، تتطلب من الباحثين المسلمين المتخصصين في علم الاجتماع السياسي وعلم نفس الجماعات، تحليلات معمقة بغرض فهم العوامل والكيفيات التي تفسر استمرارية وجود هذه الاتجاهات الثلاثة وما شابهها وما تولّد عنها من جماعات و”رموز” في الأمة، وتشخيص المخاطر التي تشكّلها هذه الاتجاهات على محاولات إعادة بناء الذات وصياغة البديل الحضاري الأصيل الذي تطمح إليها الصفوة والنخب المسلمة من الراشدين العقلاء الواعين.

أذكر قبل بضع سنوات أنني ذكرت لصديقي د. أحمد الريسوني ملاحظات حول أدوار “مشايخ” و”دعاة”، هم لا يحصون في الأمة، الذين يوجهون تفكير قطاعات واسعة من الشعوب الإسلامية وفهمهم للإسلام وفقا للموروثات الأكثر تخلفا وتعصبا، من قبيل الاتجاهات الثلاث وما شابهها، والأخطار الكبيرة التي يشكّلونها على مشاريع تجديد أمر الأمة الحقّ، فأجابني: “تلك هي معركتنا الكبرى”.

إيطاليا تلغراف


شاهد أيضا
تعليقات
الآراء الواردة في التعليقات تعبر عن آراء اصحابها وليس عن رأي جريدة إيطاليا تلغراف.
تعليقات الزوار
Loading...