أية قوة للتحكيم في الدساتير..

إيطاليا تلغراف

 

 

 

 

* الدُّكتُور عَبْدُ اللَّهِ شَنْفَارْ

 

 

حينما ينفصل العقل عن الواقع؛ يبقى النظري شيء؛ والواقع شيء آخر؛ ما بين اللجوء إلى سياسة التحكيم وسياسة التسويات. وما بين شرعية القوة؛ وقوة المشروعية؛ تطرح مسألة وجود واستمرار الدولة؛ بالدساتير في معادلة القوة الصلبة والقوة الناعمة.

المجتمعات المتحضرة؛ لا تقبل بالتناحر إلى ما لا نهاية؛ بل تقوم على أساس مبدأ التحكيم لخلق التسويات؛ ومعناه: أن الأغلبية الحاكمة لا تهمش مقترحات وأفكار الأقلية أو المعارضة.

فهل وصلنا إلى هذا النوع من التسويات في العالم العربي؟ هل وصلنا فعلًا إلى مستوى هندسة القضايا والمشاكل الاجتماعية والاقتصادية والسياسية والثقافية المطروحة!؟ وبشكل متفق حولها في إطار التداول على السلطة؟ هل تجاوزنا فعلًا الحزازات الضيقة والانتقامات والابتزاز السياسي والاقتصادي وردود الفعل والاندفاع العاطفي؛ بين مختلف الفاعلين في الفضاء السياسي والاجتماعي والاقتصادي والثقافي المغربي؟ هل وصلنا إلى مرحلة تجاوز الخلافات حول الهوية وأزمة القيم ومختلف التصورات التي يغترف منها كل فاعل سياسي؟ هل تجاوزنا محطة كلها يلغي بلغاه؟

لازلت أذكر في السنة الأولى من الدراسات القانونية؛ حيث كان يدرس معنا وإلى جانبنا بمدرج الإمام مالك في كلية الحقوق بجامعة القاضي عياض بمراكش؛ -العديد من الطلبة: من تونس وليبيا وموريتانيا والسودان… وغيرها من البلدان العربية.
حينها كان الطلبة التونسيين والليبيين؛ يتقاضون منحة من بلدانهم قيمتها أضعافًا مضاعفة؛ مقارنة بقيمة المنحة التي يتقاضاها الطلبة المغاربة (1326 درهمًا كل ثلاثة أشهر) والطلبة السودانيين والموريتانيين.

وبمدرج المختار السوسي بنفس الكلية؛ حضرنا وتابعنا مناقشة أطروحة لنيل دكتوراه الدولة؛ تقدم بها طالب تونسي تحت عنوان: [مفهوم الدستورانية في تونس.] وكان أكثر اندفاعًا وحماسةً؛ في إقناع لجنة المناقشة لقبول أطروحته ونيل علامة مشرفة؛ في تناوله لموضوع التسويات السياسية بين مختلف القوى العاملة في الحقل السياسي التونسي.

بعدها بأيام قلائل؛ حضرنا وتابعنا مناقشة أطروحة أخرى لنيل دكتوراه الدولة بمدرج القاضي عياض؛ تحت عنوان: [مفهوم الدستورانية بالمغرب] تقدم بها طالب مغربي؛ تحت إشراف د. صلاح الدين برحو؛ الطالب الذي ركز على التحكيم الملكي ودور المؤسسة الملكية كضابط للنسق السياسي في المغرب، وضمان استمرار خلق التسويات بين مختلف القوى العاملة داخل المجتمع المغربي؛ حتى لا تتعطل المؤسسات؛ يرافع من أجل إقناع اللجنة بقبول أطروحته ونيل علامة مشرفة.

وفي معرض مناقشته لمضمون الأطروحة؛ قال أحد أعضاء لجنة المناقشة؛ وهو بصدد عقد مقارنة بين أطروحة الطالب التونسي التي نوقشت بالأمس؛ وأطروحة الطالب المغربي التي تناقش اليوم؛ “أن أطروحة الطالب التونسي كانت أكثر جرأة وشجاعة في التناول.”
فرد عليه الدكتور صلاح الدين برحو؛ وهو أحد كبار فقهاء القانون الدستوري بالمغرب؛ بالقول: ” نحن لا نناقش الدستور في المغرب؛ بل نكتفي بالتحليل والقراءة إلى جانب الإحالات والتوجيهات التي يتضمنها الدستور.”

وفي معرض تعريفه لمعنى مفهوم “الدستور”؛ يقول الدكتور صلاح الدين برحو:
“الدستور هو فلسفة، أو فكرة شخص أو عدة أشخاص؛ استطاعوا فرضها والعمل بها؛ إما بالطرق السلمية؛ أو بالطرق العنيفة.”
وأضاف؛ إن الطالب التونسي يناقش مسألة الدستور التونسي بالمغرب؛ والطالب المغربي؛ يناقش مسألة الدستور المغربي؛ بالمغرب.

الدستور يستهدف ثلاث قضايا رئيسية كبرى وهي:
* قضية وجود؛ وتعني ضمان وجود الدولة والإنسان على رقعة أرضية.
* قضية استمرار؛ أي ضمان استمرارية وغياب كل مسببات العنف وكل ما من شأنه زعزعة الاستقرار السياسي والاقتصادي والاجتماعي.
* قضية تنمية وبناء وعمران؛ وتعني تطور وازدهار في جميع الميادين والمجالات.
ثانيًا: محور تحقيق الأمن والسكينة والطمأنينة والصحة والسلامة للساكنة؛ التي بدونها لا يمكن تحقيق الاستقرار.
ثالثًا: محور التدبير الذي من مقوماته: وجود ثلاث عناصر وهي: الإنسان؛ والموارد الطبيعية أو التراب؛ ثم عامل الوقت أو الزمن.

وهناك خمسة أركان تقوي وجود الدولة؛ من خلال تركيز تفكير الشعوب والأمم؛ على الأبعاد والركائز الأساسية التالية:‏
1. العمل الوطني المشترك؛
2. السلم والسلام الاجتماعي؛ لتحقيق الأمن المجتمعي؛
3. تحقيق ألأمن القضائي والقانوني والعدالة؛
4. ترسيخ قيم المواطنة الحقيقية؛
5. عمليات التسويات والتوافقات والتراضي العادل؛ وتغييب التناحر اللامتناهي في الزمان والمكان؛

* والخلاصة:
لو فيه مؤسسة وساطة وتحكيم محايدة تأخذ نفس المسافة بين الذات والموضوع؛ ومن جميع القوى العاملة داخل الحقل السياسي؛ لضمان تأمين عمل جميع القوى السياسية والاجتماعية والنقابية؛ ما وصلت يومًا إلى محاولات البحث عن الخروج من أزمة وعنق الزجاجة.
______
* كاتب ومفكر مغربي.

إيطاليا تلغراف


شاهد أيضا
تعليقات
الآراء الواردة في التعليقات تعبر عن آراء اصحابها وليس عن رأي جريدة إيطاليا تلغراف.
تعليقات الزوار
Loading...