* الدكتور عبدالله شنفار
ما بين خطاب المحبة؛ “لِتَعَارَفُوا” وخطاب الكراهية؛ “لتتنابذوا”؛ يظهر في كل وحين؛ تافه من التافهين؛ فيقوم بحرق أوراق كتب عليها القرآن؛ بغية استفزاز المسلمين وازدراء دينهم؛ لأن لديهم قابلية سهلة وكبيرة جدًا للاستفزاز..! لكن؛ هل يستطيع هذا التافه نزع القرآن من صدري حيث حفظته ووعيته منذ طفولتي!؟
لمقاربة هذا الموضوع؛ ننطلق من مقولتين للمفكر القطري الدكتور جاسم سلطان؛ يقول في الأولى: “خطاب الكراهية والانتقاص من الأمم الأخرى؛ أصبح منتشرًا لدرجة أن فاعله يقوم به دون أن يستشعر التناقض بين ما يكرهه وما يمارسه..”
أمَّا في الثانية؛ فكتب يقول: “خطاب الكراهية وتأجيج نار البغضاء وارتفاع جرعة التشاحن بين البشر؛ سلوك منتشر لدرجة أن الغاضب منه؛ هو ذاته من يحتضنه ويغذيه..”
فالعقل المسلم أكبر، وأكثر سهولة من غيره قابليةً للاستفزاز. والملاحظ أنه كل عشر سنوات؛ وبشكل ممنهج يتم استفزاز المسلمين من أجل تشتيت تركيزهم وتفكيرهم؛ وصرفهم عن التفكير في أهم قضاياهم. وهذه الاستفزازات ليست وليدة اليوم؛ بل تعود إلى عقود خلت؛ آخرها:
1. حرق المصحف الشريف في السويد من طرف متطرف دانماركي يحمل الجنسية السويدية من أمام أمام السفارة التركية في ستوكهولم،
2. وقبل ذلك: (آيات شيطانية)؛ وهي رواية من تأليف إبليس سلمان رشدي كبير الشياطين.
3. فيلم [براءة المسلمين] (Innocence of Muslims) كما عرف سابقًا باسم براءة بن لادن (Innocence of Bin Laden) وأخرج باسم محاربو الصحراء (Desert Warriors)؛ وهو فيلم أمريكي معادي للإسلام.
4. فيلم “فتنة” المسيء للإسلام الذي أنتج في سنة 2006؛ ويتخلله تمثيل رديء وخدع سينمائية شديدة البدائية.
5. الرسومات الكاريكاتورية الـ 12 التي نشرتها صحيفة «يولندز بوستن» عن النبي محمد في 30 سبتمبر 2005؛ والتي وأثارت عاصفة عتية من الاحتجاجات داخل العالم الإسلامي.
6. رسوم فرنسا المسيئة للنبي محمد بن عبدالله وحملة المقاطعة لمجلة “شارلي إيبدو”.
7. فيلم “سيدة الجنة”؛ الذي يستهدف السيدة فاطمة ابنة النبي محمد صلى الله عليه وسلم؛ والذي قررت شركة (Cineworld) البريطانية سحبه من دور العرض السينمائية تحت ضغط غضب الشارع المسلم.
فازدراء الأديان أو التجديف (Blasphemy)؛ هو عدم إظهار نوع من التقدير؛ والاعتبار والاحترام تجاه ديانة معينة؛ من الديانات السماوية؛ أو شخصيات مقدسة في ديانة ما؛ أو تجاه رموزها الدينية؛ أو تجاه عاداتها وتقاليدها ومعتقداتها؛ سواء في الديانات: الإبراهيمية أو الإسلامية أو المسيحية؛ وتتولد عنها ردود فعل بالإدانة الشديدة لكل ازدراء للأديان. وهي ليست حرية رأي أو تعبير؛ بل عبث ووقاحة وخطاب كراهية مقيت.
إن مفهوم خطابات الكراهية أصبح له بُعداً وتفسيراً واسعاً جدًا بين الأمم والشعوب. فقد لاحظنا كيف أن مجرد تلميح في خطاب (دونالد ترامب) رئيس الولايات المتحدة الأميركية السابق؛ حتى سارع مالكي الموقع إلى إغلاق حسابه من على فيسبوك وتويتر؛ وتعليقهما وحذف وقطع إرسال مباشر لكلمة كان بصدد إلقائها عبر لايف- من على حسابه؛ وذلك من أجل ضمان الانتقال السلس والسلمي للسلطة بأمريكا.
وبالتالي فتنامي أنماط خطاب الحقد والكراهية يعد إحدى المقدمات الأولى لكل أشكال العنف والارهاب وعدم الاستقرار في العالم.
أطلق لحيتك وخضبها بالحناء واسدلها كما تشاء؛ وامتلك من الأموال والغنى والسلطة واليد الطُّولى ما تشاء؛ لكن تذكر دائمًا الكرامة الوجودية للإنسان والقيم المشتركة بين الأمم والشعوب.
وفي تحليل هذا الموضوع نطرح هذا السؤال المنهجي ونقول: ما هي أنماط ودرجات التفكير في خطاب الحقد والكراهية لدى البعض من الناس؟ هل الديانات سبب من أسباب الصراع بين الشعوب والأمم!؟
ونجيب بأن هناك عدة أنماط من التفكير، وعدة درجات لخطاب الحقد والكراهية السائد في المجتمعات، وبين شعوب وأمم الأرض. ومن خلالها يمكن تحديد أنماط ودرجات إرهاب الناس لبعضهم البعض.
نجد هناك من يكره إنسانًا ويضمر له الحقد والكراهية في قلبه ولا يبديها له؛ بحيث يكتفي برفع أكف الضراعة فيدعو عليه بالهلاك؛ كما هو الشأن لدى بعض مشايخ العصر، وخطباء وأئمة المساجد عند نهاية خطبة الجمعة، أو عقب كل صلاة، أو مناسبة دينية؛ إذ تسمعه يختم بهذا الدعاء المقيت؛ دعاء بالتهلكة:
“اللهم شتت شملهم؛ اللهم يتم اطفالهم؛ اللهم رمل نساءهم؛ اللهم اجعل أموالهم ونساءهم غنيمة للمسلمين!”
نجد كذلك من دعاء الكراهية الغير المستجاب له؛ حينما يدعو أحد المشايخ خارج العصر؛ ممن بنهلون علمهم وثقافتهم من الكتب ذات الأوراق صفراء اللون؛ الذين لا سلامة في فتواهم لا فكرًا ولا شرعًا؛ حيث يدعون على كل أمم وشعوب العالم بهذا القول؛ المستحيل الاستجابة له:
“اللهم أَرْسَلَ عَلَيْهِمْ طَيْرًا أَبَابِيلَ تَرْمِيهِمْ بِحِجَارَةٍ مِنْ سِجِّلٍ لتجَعَلَهُمْ كَعَصْفٍ مَأْكُولٍ.! اللهم سَمِّم الهواء والاكسجين الذي يستنشقونه ويتنفسون له.”
ومن أشد الأمور غرابة أن تجد الناس يرددون وراءه بحماسة كبرى كلمة: آمين! بمعناها: “اللهم استجب لهم”.
وهم سواسية في كل الديانات؛ وهذه تدوينة لأحدهم كتبها على جدار حسابه على تويتر؛ يقول فيها: (اللهم زلزل الأرض من تحت أقدام (ملالي) ثم الملاعين، ولا تبقي منهم ولا تذر. اللهم عليك بهم إنهم لا يعجزونك. اللهم عليك بالحرس الثوري، ودمر وليهم السفيه واجعلهم شذر مذر. اللهم يتم أبنائهم ورمل نسائهم.
اللهم آمين يا رب العالمين. وصلي وسلم وبارك على سيدنا موسى وعلى أنبياء شعبك إسرائيل.)
لا حولة ولا قوة الا بالله العلي العظيم؛ اللهم اسق قلوب عبادك بالرحمة وأخرجهم من الجهل والضلالة إلى النور.
وهناك نمط آخر ودرجة أخطر من الكراهية؛ وهي أن تكره إنسانًا وتستمر في إلحاق الأذى به؛ إما: باللفظ أو التهديد والوعد والوعيد؛ دون تنفيذ ذلك. أو عبر نمط من الخطاب ودرجة أشد وأعلى من الكراهية؛ وهي أن تكره إنسانًا، فتشرع في أذيته بالفعل وقد يصل الأذى إلى حد القتل.
ومن أشد أنماط خطاب الكراهية وأعلاها درجة على الإطلاق؛ هي لما يطال خطاب الكراهية مجموعة من البشر أو البشرية جمعاء دون تمييز بينهم؛ حيث يحدد مفهوم الشجاعة لدى البعض من هؤلاء في تفعيل حزام ناسف، فيقرر قتل أكبر عدد من الناس الأبرياء داخل مقهى أو تجمع في ساحة عمومية أو ملعب رياضي؛ ويمكن أن يطال القتل أكبر عدد من الناس حتى لو كانوا داخل أحد المساجد عقب أو أثناء؛ صلاة الجمعة أو صلاة الجماعة. والذين لا يعرفهم ولا يعرفونه حتى. وهذا ما يفعله الانتحاريون الارهابيون.
لكن لماذا يفعل هؤلاء كل هذا؟ والجواب بسيط: فهم يفعلون ذلك لا لشيء؛ فقط لأنهم يختلفون عنهم في المذهب والأيديولوجيا والفكر والملة أو الدين أو العرق.
ومن أشد الأسئلة درامية؛ هي لما يموت كل هؤلاء ويعم الوباء وتصبح زوجات هؤلاء أرامل وغنيمة للمسلمين! هل في استطاعة هؤلاء المسلمين دفن كل هذا الكم الهائل من الجثت؟ هل باستطاعتهم الزواج بكل هاته الأرامل؟
إن التحضر والقيم والإيمان بالفكر المغاير والكرامة الوجودية للإنسان؛ فهم حديث، يتنافى وأنماط التفكير الرجعي بنشر الحقد والكراهية في صفوف الناس.
فهم العالم الذي نعيش فيه؛ إحدى أزمات الفكر الإسلامي المعاصر؛ فنحن لم نستوعب العالم الذي نعيش نحن فيه.
فالمخدرات والمسكنات الكلامية في الخطاب؛ لا تحل أبدًا قضايا الشعوب والأمم ومشاكل وهموم الناس؛ بل التسامح والأفعال والحلول؛ هي من تجعل منهم أناسًا مقبولين لدى الآخر.
مجتمعاتنا تراكم أطنانًا من العداءات تجاه مجتمعات وشعوب وأمم أخرى؛ عوض بناء جسور المحبة والتواصل؛ معتقدة أن الآخر يعيرها أهمية ومنشغل بها، في حين هو قد لا يعتبر لها وجودًا أصلًا؛ إلى أن تثير هي بنفسها انتباهه فيعقد لها الحزم والعزم؛ وردة الفعل من طرفه حينذاك تكون موجعة؛ بعدما كان ينظر إليها أنها ربما تعاني مجرد أزمات وتحتاج إلى من يساعدها للخروج منها.
مفهوم الكرامة الوجودية للإنسان عرف تطورًا في الفعل والأداء؛ ولقد كرم الله بني آدم؛ حتى وإن سجله لازال خاويًا صفرًا. فبعدما سواه ونفخ فيه الروح؛ أمر الملأ الأعلى بالسجود له تعظيمًا وتكريمًا وتشريفًا له حتى وأنه لازال لم يقدم شيئًا في الوجود والكون؛ وسجله فارغًا.
وبالتالي حرر الله تبارك وتعالى الإنسان من اللعنة الأبدية التي اعتقد التفكير الديني القديم قبل الإسلام أنها تطارد بني البشر بعد الخطأ المرتكب بأن عصى آدم وحواء ربهما بالاقتراب من شجرة أمرًا بألا يأكلا منها؛ ويفهم من خلال قوله تعالى: (وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَىٰ.)
وفي المقابل الآخر، نجد من أشد الأفكار غرابة؛ أن بعض حاملي فكر الكراهية والتطرف؛ يرددون قولًا غريبًا: “نحن والجائحة معاً للإطاحة بالأنظمة القائمة!” وهم سواسية في ذلك؛ فالفكر الماركسي أصبغ على أيديولوجيته مفهوم النظرية العلمية واعتبر الحتمية أو ميكانيكا التاريخ شيء بديهي الوقوع، وبمجرد اتحاد عمال العالم فينهضون يتم القضاء على الطبقة البورجوازية.
أما بعض الفكر الإسلامي؛ فيزعم أن خطته وفهمه تطابق خطة وفهم الإله وأنه الوحيد الذي لديه الطبعة الأصلية للحقيقة الدينية؛ والآخرون عندهم مجرد نسخة مزيفة. وكأنه اطلع على اللوح المحفوظ واسترق السمع وعرف كل ما يجري حول خطة واستراتيجية الإله.
وكذلك الفكر الرأسمالي أو الحد الأقصى القائم على التنافسية وطحن الآخر في إطار لعبة بحكمها سقف قواعد السوق، دون الأخذ بعين الاعتبار المشترك من الأخلاق والقيم الإنسانية.
وهنا يمكن القول بظهور الأعراض المرضية على مفهوم الديمقراطية كعلة تحملها بداخلها؛ وتندر باقتراب نهاية عالم وتوجهات إيديولوجية؛ حيث أصبح استدعاء الديكتاتورية لقهر شعوب وأمم أخرى؛ من أجل تحقيق الرفاه لشعوبها على حساب الأولى؛ أمر واقع ويحصل كل يوم بين الدول.
وختامًا؛ فبقدر ما نفعل؛ ونعمل؛ فإننا نصنع التاريخ؛ فعلى الأقل؛ ليكن تاريخا مليئًا بالأمجاد؛ لا تاريخا مليئًا بالكراهية وبالأحقاد.
* الكاتب والمفكر المغربي





