الواقع السياسي في المشرق العربي تحت مجهر اللبنانية رويدا الرافعي

إيطاليا تلغراف

 

 

 

 

*محمد البندوري

 

 

قدمت الباحثة رويدا الرافعي قراءة تشكيلية من خلال «الموسوعة الصغيرة» التي صدرت في خمسة أجزاء رسمت معالم الواقع السياسي في المشرق العربي، إذ رامت مختلف المراحل التي مرّت منها الحركة التشكيلية منذ مرحلة النكبة إلى مرحلة الربيع العربي، وما رافق ذلك من تحولات سياسية واجتماعية وثقافية. وهو ما يقود إلى سبر أغوار الواقع التشكيلي الذي جسد الواقع السياسي، ما أدى إلى معرفة حصيفة تقصدت البعد المفاهيمي الذي طرأت عليه تغيّرات على المستوى الفني في سياقاته المتنوعة، وعلى المستوى الاجتماعي والثقافي والسياسي، وبذلك فقد بعث التشكيل في المشرق العربي صورة متكاملة عن مضامين حية تنبثق من عمق الواقع بكل تفاصيله. فعبّر عن الصراعات المتنوعة، حيث إن مجموعة من الأعمال الفنية لعدد من الفنانين ظلت محملة بالأحداث والوقائع، ومشبعة بتأثيرات المناخ الاجتماعي والسياسي والثقافي، ما جعل من الفن بؤرة للجدل في رصد صريح من عدة مناح للعلاقة الواعية بين الفن والسياسة.

هذه «الموسوعة الصغيرة» زاوجت بين حدود الفن، والسياسة، في نطاق مجموعة من التقاطعات الشكلية والرمزية والمضامينية، التي ساءلت مختلف الأوضاع وما شابها من تأويلات متنوعة ومتناقضة؛ وبذلك فقد جالت الفنانة الباحثة رويدة الرافعي فنيا وعلميا ومعرفيا ونقديا في عمق تاريخ المشرق العربي، لترصد مجمل التحولات التي انبثقت من بؤر التوتر، ومن صلب الإبداع، على نحو من التكامل، لتكشف عن حلقات محجبة في الواقع التشكيلي وما حمله من تحديات.

وفي هذا الخضم شكلت هذه الموسوعة إبداعا قويا، وإن لاطفت به الفنانة الباحثة رويدا جوهر التشكيل في بعده الفني والسياسي والاجتماعي والثقافي؛ فإنها في الآن نفسه قدمت صورة حضارية متقدمة عن المبدع في المشرق العربي وعن أفكاره وارتباطه بالقضايا العربية الجوهرية، وصراحته ويقينه بمنهجية تشكيلية تصب في عمق الأحداث التي عرفتها الساحة العربية، فوضعت التشكيل في المشرق العربي في خانة التأمل، لتُنتج خطابا حضاريا من زاوية نقدية قرائية، برؤية مسعفة للتحدث عن إدماج الصمت في خلفيات التشكيل لمدة طويلة، ثم الخروج بخطاب متقدم يسلط الضوء على جدلية العلاقة بين الأحداث السياسية والصياغات التشكيلية في كل الفنون من نحت وتشكيل وغير ذلك، ما ينم عن عبقرية الفنانة الباحثة رويدا الرافعي، وينم كذلك عن قدرتها الفائقة في تشكيل خطاب حضاري جديد في الساحة الفنية النقدية المعاصرة. لقد وضعت التشكيل في المشرق العربي تحت مجهر القراءة الفاحصة، فرسمت صورة متعددة الوظائف البنائية ثم الدلالية، وهي صورة تنسجم مع تاريخ المسكوت عنه في التشكيل العربي، ومع تجربة النقد المعاصر، إذ شكلت مساحة قرائية للفن التشكيلي في أبعاده المتنوعة التي قلبت المفاهيم، وأفصحت عن معالم الأشكال المتسترة وراء حجب اللون والرمز المحملة بالإيحاءات والتعابير والمغازي والدلالات في عالمنا المعاصر.

إن ما شكلته هذه القراءة التشكيلية في الواقع الثقافي في المشرق العربي، إنما هو مبعث لقيمة فنية في المشهد الفني والنقدي العربي المعاصر، هو مضمون مفارقات شكّلها فعل الجهل بالحقائق التاريخية للتشكيل العربي وفعل الزمن، فطبعتها الموازنة بمُدْخلات أساسية رصدت مراحل تطور الحركة التشكيلية في المشرق العربي والأحداث والتحولات السياسية والمفاهيم القديمة والمستجدة.. لتعزز منطق المُخْرجات بتركيب تشكيلي تفاعلي، حققت من خلاله الفنانة الباحثة – بأمانة في التعبير- مجموعة من الأهداف، إذ وصلت إلى عدد من النتائج التي ارتبطت بمدى تحقيق الشخصية الفنية للفنان التشكيلي المشرقي، سواء على مستوى المهارات الفنية أو التقنيات أو الأساليب، أو في ما يخص التعبير السياسي؛ فلامست بعض التجارب لمجموعة من الفنانين المرموقين الذين بصموا المشهد الفني بتجارب واعية ارتبطت بقضايا ومفاهيم أثرت في مسار الفن التشكيلي وفي الواقع الاجتماعي/ السياسي، الذي انبثقت منه، من خلال خمس محطات؛ تمثلت في التجربة العراقية ثم التجربة اللبنانية والسورية والفلسطينية والأردنية، لتتخطى حدود الفن في نطاقه المعتاد، إلى إنتاج فني نقدي متصل بالإبداع في سياق تعبيري يطال القضايا الإنسانية والتحولات المجتمعية العميقة، والمراحل الإبداعية التي تم سلكها، إذ كشفت الفنانة الباحثة رويدا عما يتستر وراء العمليات الإبداعية في هذه النماذج، وما تنطوي عليه الرموز والأشكال والخطوط والألوان من دلالات ومعان وفكر، في نطاق العلاقة التي تربط التوجه الفني بالمجالين: الاجتماعي والسياسي.

توزعت الأشكال التعبيرية والعناصر اللونية المتباينة، والإضافات بين تمثلات الموروث الثقافي العربي الإسلامي وقيم الحداثة، ما غذى المادة الفنية ورسم معالم التحولات التنوعية المدهشة على المستويات كافة، التي شكلت في بعض هذه المحطات خزانا للمعارف والمعلومات، تَحوّلَ على إثرها الفن التشكيلي إلى باثّ للأفكار والآراء والمفاهيم الجديدة التي تروي الثقافة العربية، وهي غنية بالأحداث الفكرية والاجتماعية التي تتبنى معنى دلاليا في عمق الواقع المتحول، فشكل ذلك مسارا جديدا نحو التغيير، وإشعارا بمسلك فني بصري يقوم على أساس تعبيري وعلى بؤر من التحولات المرحلية بأساليب متنوعة ظلت مرتبطة بالمضامين التي تقوم عليها كل محطة على حدة.

وتُعد هذه الموسوعة انعكاسا فنيا وثقافيا وحضاريا يختزل جملة من المعالم، فتناول المسافة العابرة في الزمن عبر تجارب تشكيلية وعبر محطات؛ قد أشر على نتائج مهمة ستفتح آفاقا واسعة للباحثين لينجزوا بحوثا في هذا المجال الخصب، لأن الفنانة رويدا الرافعي، اعتنت من خلال هذه الموسوعة الصغيرة بأهمية الوصل بين الجانب العلمي والمعرفي، والمجال الفني والثقافي والاجتماعي بدراسة رصينة ومنهجية علمية حصيفة غطت النقص الحاصل في الدراسات العلمية والأكاديمية لتناول ظاهرة الموضوع السياسي في الفن التشكيلي.

*كاتب مغربي

 

 


شاهد أيضا
تعليقات
الآراء الواردة في التعليقات تعبر عن آراء اصحابها وليس عن رأي جريدة إيطاليا تلغراف.
تعليقات الزوار
Loading...