*غسان الاستانبولي
لعلّ الحالة التي يعيشها الكيان الإسرائيلي منذ وصول بنيامين نتنياهو ويمينه المتطرف إلى السلطة، هي الحالة الأكثر تجسيداً وتعبيراً لمصطلح “عنق الزجاجة”، إذ أن الحكومة الحالية أوصلت “إسرائيل” فعلاً إلى عنق الزجاجة، وبالتالي فلا هي قادرة على العودة إلى داخل الزجاجة كما كانت منذ تأسيسها، ولا هي قادرة على الخروج لتمارس سيطرتها على كامل منطقة الشرق الأوسط، وبتجرّدٍ، وللأمانة كان لسوريا الدور الأكثر تأثيراً في منع “إسرائيل” من الخروج، وذلك منذ أن رفضت سوريا إتفاقيات السلام الإسرائيلي المزعوم، مع كلٍّ من مصر والأردن والسلطة الفلسطينية، وبنتيجة هذا الموقف الصلب الذي قاده الرئيس السوري الراحل حافظ الأسد، وبما كان يملك من تأثير على مجمل القادة العرب، وبنتيجته أجبرت سوريا معظم الدول العربية على السير خلفها في رفض هذه الاتفاقيات، بل كانت ملهمة للشعوب العربية لرفض التطبيع، وأكملت الإجهاز على الحلم الإسرائيلي من خلال صمودها في الحرب الكونية، التي ما تزال مُستمرة منذ أكثر من إثني عشر عاماً، والتي شُنت عليها لأجل “إسرائيل”.
بالتأكيد لم نتفاجأ بحالة الفوضى التي تجري في “إسرائيل” الآن، فمن يتابع هذا الكيان، ومنذ تصنيعه، يرى أنه كيان مُفكّك ولكنه مُغطى بكثير من أوراق التوت، وأن انفجاره حتمي، كونه مُجتمع غير متجانس، بُني على العنصرية التي مورست بكلّ المراحل، وبنتيجتها قُسّم المجتمع الإسرائيلي إلى طبقتين، أولهما، يهود الأشكناز (العرق الأبيض) ، وهم الذين أتوا من أوروبا وروسيا، ويُعتبرون هم الأسياد، ولهم الحظوة في كلّ شيء، من حيث السكن والعمل والراتب المُضاعف، وحتى على مستوى القطعات العسكرية التي يتجندون ضمنها، فمن المعروف أن سلاح الجو الإسرائيلي وما يحمله من ميزات هو حكرٌ على هذه الطبقة، أمّا الطبقة الثانية، فهي يهود السفارديم (العرق الأسمر)، التي بدورها تنقسم إلى عدة طبقات، حيث يأتي يهود الفلاشا ( الأثيوبيون)في الدرك الأسفل، ويُعاملون معاملة العبيد.
خلال السنوات الطويلة السابقة، كان المُكلّفون بتشكيل الحكومات الإسرائيلية يرفضون أن يشاركهم في حكوماتهم وزراء ينتمون لأحزاب دينية مُتطرفة، وذلك بسبب اعتقادهم أن هؤلاء سيجرّون الكيان إلى العنف، الذي سيُقابل بالعنف، ولكن في الحكومة الحالية وجدنا أن نتنياهو قد تحالف معهم، ووضع بعض زعمائهم على رأس وزارات حسّاسة، وغايته الأولى من ذلك هي النجاح في تشكيل حكومة يكون هو على رأسها، وهذا ما يؤجل ملاحقة القضاء له بقضايا الفساد، وبالتالي يؤجل دخوله إلى السجن، ومعروف عن الرجل أن مصلحته الشخصية أهمّ من أيّة مصلحة أخرى، بما فيها مصلحة الكيان الإسرائيلي، وبنتيجة هذا التحالف أصمّ أذنيه عن كلّ النصائح والنداءات. التي يرى مُطلقوها أن “إسرائيل” ذاهبة إلى الخراب، بدليل التحذير الذي أطلقه رئيس الكيان إسحاق هرتسوغ، حين قال منذ أيام قليلة: “مشاهد اليوم هي كارثة وكابوس، وشعبنا يتمزق، وقد وصلنا إلى نقطة اللاعودة”، والدليل الآخر هو الفجوة الأميركية الإسرائيلية التي بدأت تتسع، بدليل ردّة الفعل الأميركية على تصريح وزير المالية، ووزير الدولة للشؤون الأمنية بتسلئيل سموتريتش، الذي دعا الى محو قرية “حوارة” بالضفة الغربية، ليأتي الردّ الأميركي على لسان المتحدث باسم وزارة الخارجية الأميركية نيد برايس، والذي اعتبر أن تصريحات سموتريتش “مُقزّزة، وغير مسؤولة”، ومن الطبيعي أن يكون موقف الأميركي مُعارضاً لتأجيج العنف الذي تسير به “إسرائيل”، كون الأميركي يُقدم ملفاتٍ أخرى على الملف الإسرائيلي في فلسطين، مثل ملف النووي الإيراني، وملف الحرب الروسية الغربية في أوكرانيا، وملف مُحاصرة الصين التي يعتبرها العدو الأقوى في قادم الأيام، ومن سوء حظه وحظ الإسرائيلي، أن تنجح الصين في المصالحة السعودية الإيرانية، وما من شكٍّ أن هذه المُصالحة ليست وليدة أيام أو أسابيع، بل هي نتاج عملٍ استمر لشهور، لأن الواقع يقول أن المفاوضات بين الجانبين، والتي كانت تجري في كلٍّ من عُمان والعراق، ناقشت كلّ ملفات المنطقة، وبأدقّ التفاصل، ومؤكد أن هذه المصالحة تعني اقتراب السعودية خطوةً كبيرةً نحو الصين، وبالتالي ابتعادها بمقدار نفس الخطوة عن النفوذ الأميركي، مع ما قد تولده هذه المصالحة من منعكسات إيجابية لصالح كافّة دول الإقليم، وخاصّة على دول كانت قبل الإتفاق تمثّل مراكز تنازع إيراني سعودي، كاليمن والعراق وسوريا ولبنان.
وبكلّ الأحوال، فأزمة الكيان هي ليست ما يمرّ به حالياً من أحداث داخلية، لأن هذه الأحداث قد تستمر وتتزايد، ولكن الاحتمال الأكثر واقعية هو أنها قد تنتهي بتسوية أو بتدخل أميركي مباشر وقوي، أو باستقالة حكومة نتنياهو، بل الأزمة تكمن في أن هذا الكيان انكشف حتى أمام مستوطنيه، فظهر على أنه كيان مؤقت، وذلك حين أصبح عاقراً عن إنجاب القادة، وحين أثبت مستوطنوه عدم استعدادهم للتضحية في سبيله، كما أثبتوا أن إنتماءهم الأهمّ هو للدول التي قدموا منها، وما زالوا يحملون جنسيتها، بدليل تزاحمهم للحصول على جوازات سفر إلى تلك الدول، وحين يتمرد الجيش على القيادة السياسية عند أول منعطف، كلّ ذلك يُثبت للجميع وبالدليل القاطع صحة مقولة السيد، بأن:”إسرائيل أوهن من بيت العنكبوت”.
*كاتب وباحث سياسي سوري





