*د.محمد الدكالي
أتيحت لي الفرصة لأزور السودان بحكم عملي عدة مرات منذ 1997، شرقه ووسطه وغربه، شاهدت فيها عن كثب العوامل والأوضاع المفصلية التي حكمت السياقات التي عاشها البلد خلال الثلاثين عاما الأخيرة وأوصلته إلى ما وصل إليه الآن من اقتتال داخلي يمكن أن يتطور إلى حرب أهلية مدمرة لأمد طويل.
السودان أفريقيا مصغرة، من حيث الجغرافيا (1.860.000 كلم مربع) ومن حيث البيئات السكانية واللغات والآديان والثقافات والموارد الطبيعية. جغرافيا شماله امتداد للصحراء الكبرى، ووسطه امتداد للسّفانّا العظيمة، وجنوبه جزء من الجغرافيا والبيئة الاستوائية. أهله تمازجت قبائله الأصلية وتصاهرت مع كبريات القبائل الأفريقية من جنوب الصحراء الكبرى وغرب أفريقيا ومع القبائل العربية الوافدة من شبه الجزيرة العربية وحتى من أفريقيا الشمالية منذ فجر الإسلام. وهذه الديناميكية البشرية بقيت نشطة طوال أربعة عشر قرنا. تعايش فيه السودانيون، كمجتمع، بكافة أعراقهم وغالبيتهم العظمى مسلمون، مع المسيحية ومع الديانات الأفريقية التقليدية في بتساكن يكاد يكون مثاليا. ثقافاته الاجتماعية بقيت محافظة على تنوعها وطابعها القبلي شديد التنوع لحمتها الإسلام واللسان العربي، باستثناء أهل الجنوب الذين انفصلوا مستقلين بدولتهم الجديدة بعد استفتاء سنة 2011. أما الموارد الطبيعية وهي من كل نوع في كل مناطق السودان، فما اكتشف منها فهو هائل، أما ما لم يكتشف أو ما لم تعلن عنه الشركات الغربية وما كشفت عنه الأقمار الصناعية فهو يسيل لعاب كل القوى العالمية الكبيرة. ومع أربعين مليونا من السكان تكون القاعدة البشرية كافية للانطلاق نحو بناء المستقبل لو أحسن تدبير كل هذه الموارد.
ومن عرف الشعب السوداني وخالطه عن قرب سيكتشف بسرعة طيبته المتميزة، وكرم وسماحة الناس العفوية المنغرسة بعمق في وجدانهم، سيّان عند أهل الشّمال (كما يسميهم السودانيون) أو الشرق أو الوسط أو عند الفور غربه أو لدى أهل ولايتي كردفان جنوب السودان أو لدى قبائل الدّينكا والنّوير والشُّلُك وهي كبرى قبائل الجنوب الاستوائي المستقل قبل سنوات فقط.
هذا التشكّل المجتمعي والثقافي والديني للسودان كجغرافيا وكموارد هائلة، الملتحم إلى حد كبير بأواصر الدين واللسان العربي، تشكل فيه العصبيات القبلية في نفس الوقت بصيغها الأكثر تجذّرا، نقطة ضعف كبيرة لم تخفف من غلواءها أية سياسات تعليمية أو ثقافية طوال سبعين عاما من الاستقلال. في جميع الحالات تبقى الأهمية الجيوسياسية والجيوستراتيجية للسودان ذات أبعاد كبيرة الأهمية بالنسبة لمستقبله كدولة وفي علاقاته بالقارة الأفريقية وفي دوره في العلاقات بين هذه الأخيرة والعالم العربي. في نفس الوقت، ينظر الغرب، ككتلة استعمارية إلى السودان بشاكلته هذه، مصدر توجس حقيقي من حيث تأثيراته الثقافية بعيدة المدى على مساحة كبيرة من جغرافية مصالحه الاستراتيجية في القارة.
جذور الأزمة السودانية
هي مزيج من العوامل الداخلية أساسا والخارجية. وبرؤية تاريخية مقتضبة للسياقات الاجتماعية والسياسية والخارجية، انتهت ولاية الدولة العثمانية على السودان التي بدأت منذ وصول بعثة القائد العثماني أوزدمير باشا سنة 1555 إلى السودان على عهد السلطان سليمان القانوني، واستقرار الإدارة العثمانية في ميناء جزيرة سَواكن ومن ثمة الإشراف على إدارة الصراع في مواجهة البرتغاليين والإسبان الذين تحالفوا مع الحبشة للسيطرة على السودان والإمارات الإسلامية في القرن الأفريقي. وكان الوجود العثماني في السودان قد بدأ بعد نداء وجهه زعيم إمارة هَرَر (شرق أثيوبيا) أحمد بن إبراهيم (استشهد سنة 1543 في معركة ضد البرتغاليين) إلى سليمان القانوني لجماية الوجود الإسلامي في القرن الأفريقي. وستنتهي الولاية العثمانية على السودان وعموم القرن الأفريقي بعد انفصال الوالي العثماني محمد علي باشا عن الخلافة العثمانية واستقلاله بحكم مصر (1820-1885)، وبذلك انتقلت الإدارة العثمانية للسودان من إسطنبول إلى القاهرة.
ومع بدايات المرحلة الاستعمارية، حاول الإنجليز احتلال الخرطوم سنة 1855 بواسطة قوة عسكرية بقيادة الجنرال شارلز غوردون ذي الماضي العسكري البارز في الصين، الذي سرعان ما واجه ثورة عارمة المعروفة بالثورة المهدية قادها الإمام محمد بن أحمد بن فحل الملقب بالمهدي (1843-1885) هزمت فيها القوة العسكرية الإنجليزية بعد عدة معارك هزيمة ساحقة وتم تحرير الخرطوم ومقتل الجنرال غوردون شر قتلة عندما قطع الثوار رأسه وعلقوه على رمح (1856). لكن الإنجليز سيتمكنون من احتلال السودان سنة 1899 وسيستمر إلى سنة 1956.
ومنذ استقلال السودان في تلك السنة، سيدخل البلد في مرحلة تشكّل الدولة السودانية الحديثة متأثرا بكل التوجهات السياسية والإيديولوجية التي كانت تعتمل في الساحة العربية والدولية من اتجاهات ليبرالية ديموقراطية وشيوعية (كان الحزب الشيوعي السوداني من أقوى الأحزاب الشيوعية العربية)، وإسلامية وقومية عربية.. وتعاقبت حكومات مدنية وانقلابات عسكرية وانتفاضات شعبية عدة. كانت مرحلة تتسم بعدم الاستقرار السياسي. وهنا تجدر الإشارة إلى تجربة فريدة قصيرة استولى فيها الجنرال عبد الرحمن سوار الذهب على الحكم بتنسيق مع قادة الانتفاضة الشعبية من أحزاب ونقابات في أبريل 1985، ثم قام بتسليم الحكم للمدنيين كما وعد بعد أقل من سنة، وبقي هذا الرجل يحظى باحترام كبير في السودان وخارجه وقد عرف بزهده في المناصب وبإخلاصه لوطنه وبأدوار بانية متواصلة إلى أن توفي رحمه الله سنة 2018.
بالنسبة للقوى الدولية الغربية، فقد اعتبرت السودان كأحد أهم المداخل إلى أفريقيا بعد المرحلة الاستعمارية المباشرة. وبالنسبة لأنجلترا والولايات المتحدة كان هناك تركيز على تقسيم السودان وفصل الجنوب. وستندلع الحرب الأهلية الانفصالية الأولى بين الجنوب والشمال قبيل استقلال السودان استمرت سبع سنوات (1955-1972)، ولم تنجح محاولة الانفصال تلك، لتستأنف من 1983 إلى 2005 وتوقيع اتفاقية “نيفاشا” بين الجنرال عمر البشير وجون غارانغ قائد قوات الحركة الشعبية لتحرير السودان لاقتسام السلطة والثروة، تولى بموجبها منصب نائب رئيس الجمهورية وصولا إلى إجراء استفتاء في جنوب الجنوب وإعلان استقلاله سنة 2011. وفي سنة 1989 سيستولى “الإسلاميون” على السلطة بانقلاب عسكري بقيادة الجنرال عمر حسن البشير، ليبدأ تشكّل أهم العوامل التي أوصلت السودان إلى ما وصل إليه الآن.
دور “الإسلاميين” في الأزمة
من بين المشكلات الخطيرة التي وجد فيها “الإسلاميون” أنفسهم عندما استولوا على الحكم ، الحرب الأهلية الدائرة آنذاك في الجنوب، فقد وصل جون غارانغ إلى ولاية النيل الأزرق وباتت الخرطوم نفسها مهددة وسط تفسخ سياسي حزبي وضعف في الدولة كدولة في سياساتها وفي أجهزتها التشريعية والتنفيذية.
في نفس الوقت كان تقدير النخبة “الإسلامية” الحاكمة عسكريين ومدنيين، أن الأولوية الأولى هي تأمين السيطرة على مفاصل مؤسسات ومقدّرات الدولة أي الجيش والمخابرات والاقتصاد والإعلام. أما الأولوية الثانية فقد كانت إيقاف زحف الجنوبيين الذين أصبحوا يهددون العاصمة نفسها، والزحف في الاتجاه المعاكس إلى “جوبا” عاصمة الجنوب. في مرحلة أولى نجح حسن الترابي في التمويه على علاقة “الإسلاميين” بانقلاب 1989 وساد الاعتقاد في الأوساط الدولية والإقليمية بأن الانقلاب من صنع العسكريين فقط، لكن سرعان ما تبينت الحقيقة وباتت النخبة الحاكمة المدنية/العسكرية مستهدفة بشراسة بالغة من طرف قوى دولية وإقليمية. وقد نجح النظام الذي بدا متماسكا في مرحلة أولى في القيام بتعبئة هائلة لكسب الحرب في الجنوب، فتم تجنيد عشرات الآلاف من الشباب السودانيين وعدد كبير من كبار الكوادر من أساتذة الجامعات والأطباء والمهندسين.. ونجح النظام في دفع الجنوبيين إلى مشارف جوبا فعلا. كانت حربا بشعة هلك فيها عشرات الآلاف من أبناء السودان شماله وجنوبه. وبالنسبة للجنوبيين فقد انخرطت فيها أكبر ثلاثة قبائل وهي “الدّينكا” و”النّوير” و”الشُّلُك”، وكثيرا ما كانت المعارك تدور في المناطق الاستوائية حيث تنتشر الأمراض المستوطنة والمستنقعات المهلكة. كانت الحرب مأساة هائلة لكل السودان.
عمل “الإسلاميون” على السيطرة على قطاعات اقتصادية وتجارية عبر مجموعات من رجال الأعمال، وسيطروا على قطاع الإعلام مقابل تضييق على وسائل الإعلام التي لم تكن خاضعة لتوجهاتهم. وعلى المستوى السياسي، سيطروا على البرلمان عبر الدعاية المكثفة والتمويل الحزبي، ونفس الشيء بالنسبة الجامعات، بينما كانت أجهزة المخابرات تراقب كل شيء، وسيطال القمع والسجن المعارضين خاصة بعد الانقسام الذي حصل في صلب “الحركة الإسلامية” التي سيطرت على الدولة وأجهزتها وعلى الجامعات، ونال المنشقين النصيب الأوفر من المحاكمات وأحكام السجن وكان أبرزهم د. حسن الترابي نفسه وعدد من القيادات والقواعد التي ساندته. وفي واقع الأمر تعلق الأمر بصراع بين اتجاه انغمس بشكل متزايد في الدكتاتورية بقيادة الجيش، وجناح كان يطالب ببسط الشورى والحريات العامة وبناء مؤسسات الدولة الفدرالية على أسس من “الشورى الديموقراطية”. وتعكس كتابات ومواقف حسن الترابي هذا التوجه كمفكر سياسي مجدد في مراحل مختلفة من عطاءه العلمي والفكري، أو كرجل دولة وسياسة بعد سيطرة “الإسلاميين” على الحكم من مواقع المسؤولية المختلفة التي اضطلع بها أثناء المشاركة في الحكم، أو من موقع المعارضة التي كلفته سنوات من السجن بالتقسيط وقد تجاوز السبعين.
كان صراعا في صلب النخبة الحاكمة بين دكتاتورية متلفّعة بشعارات وطنية و”إسلامية”، واتجاه سياسي وثقافي اجتهد لتأصيل وتنزيل رؤى جديدة حول مفاهيم النظام السياسي الإسلامي والدولة ووظائفها وفي علاقتها بالمجتمع المتنوع قبليا ودينيا وسياسيا، بالاستناد إلى فهم جديد لمبدأ التعاقد بين المجتمع المسلم في غالبيته بمن فيه من أصحاب الملل الأخرى من جهة، والدولة، ولمفهوم الحقوق والحريات، ولطبيعة علاقة النظام السياسي المفترضة بالواقع السوداني الذي تطور في اتجاهات جديدة تماما غير مسبوقة خلال المرحلة الاستعمارية وما بعدها. لكن الغلبة كانت للعصا الغليظة للنظام العسكري الذي كان مدعوما من فئات من قيادات الحركة الإسلامية السودانية.
ومما عقد الأمور أكثر، فشل النظام في بناء التنمية بمعناها الشامل، وعادة ما كان يعزو عوامل الفشل إلى التكاليف الهائلة للحرب في الجنوب ثم في الغرب (دارفور) التي استهلكت موارد الدولة، وللحصار الاقتصادي والسياسي والدبلوماسي المحكم الذي فرضته أمريكا وأوروبا على السودان بحيث لم يكن ممكنا استيراد أية مدخلات إنتاج من تكنولوجيا أو تجهيزات في أي قطاع إلى البلد. بل وصل الأمر إلى شن غارات جوية أمريكية على مجمّع كبير حديث لإنتاج الأدوية في الخرطوم فدمر تدميرا. كما ساهمت السعودية والإمارات في إحكام الحصار بإيقاف التمويلات والاستثمارات في بعض القطاعات وهي التي كانت تنعش الاقتصاد السوداني نسبيا في السابق. فإذا أضفنا إلى كل هذه العوامل دبيب الفساد والمحسوبية المتزايد في الاقتصاد وفي دواليب الدولة واحتدام الصراع في أجهزة السلطة، لم تعد هناك أية فرصة حقيقية أمام السودان للخروج من المأزق الهائل.
أخطاء قاتلة
لقد حكم “الإسلاميون” السودان على مدى ثلاثة عقود حكما فعليا شموليا، وكان السودان أثناء ذلك، كدولة ومجتمعات قبلية وقوى وأحزاب سياسية، يعيش في سياقات محلية وإقليمية ودولية معقدة تكثّفت فيه كل المعضلات الكبيرة التي يمكن توقعها في تلك الحالة. فمع التنوع القبلي بكل الحزازات التقليدية، التي كانت الأعراف والتجارب تجد لها حلولا محلية، تحول هذا التنوع من عامل قوة مفترض إلى عامل ضعف خطير بسبب اعتماد النظام على شراء الولاءات القبلية بالمناصب والامتيازات، وكذلك بسبب الاختراقات الأجنبية لعدد من القيادات المحلية وصولا إلى تدفق السلاح على حركات التمرد والانفصال، وانقداح شرارة التمرد العسكري ضد الدولة بدعاوى التهميش والمناداة بالانفصال، التي واجهها النظام العسكري بالسلاح ارتكبت فيها جرائم واسعة النطاق في حق الأهالي الذين لا ذنب لهم في ظهور الحركات المتمردة والانفصالية. لم يكن ممكنا توقع أية نتيجة أخرى سوى استدامة الاحتراب الداخلي الذي ما يزال مستمرا منذ عشرين عاما، وكان هدف القوى الغربية وما يزال هو تقسيم السودان إلى عدة دويلات وما انفصال الجنوب إلا بداية.
كان التنظير السياسي قويا لدى الحركة الإسلامية في السودان، فقد طرح د. حسن الترابي رحمه الله )دكتوراه في القانون الدستوري من السوربون ودكتوراه في القانون العام من لندن نماذج نظرية متطورة لفلسفة الحكم الإسلامي ضمن الإطار الفدرالي بتأصيلات تجديدية، وإن لم يكن النظام الفيدرالي شيئا جديدا من حيث المبدأ في التجارب السياسية السودانية بعد الاستقلال، لكن كان على “الإسلاميين” أن يحلّوا كمّا هائلا من المشكلات حتى يمكن تطبيق النماذج النظرية الجديدة على الأرض، وستنضاف مشكلة خطيرة أخرى على رأس تلك المشكلات، وهي الانقسامات العمودية والأفقية في النظام السياسي كنتيجة منطقية للانشقاق الذي حصل في الحركة الإسلامية السودانية نفسها.
ومن بين الأخطاء القاتلة التي ارتكبها النظام الشمولي أساليب إدارته لمشكلات التمرد العسكري والتوجهات الانفصالية. لقد طالت هذه المشكلات عدة مناطق في غرب السودان (دارفور التي تبلغ مساحة ولاياته الثلاث مساحة فرنسا) وقلبه الجغرافي في ولايتي كردفان (111 ألف كلم مربع). لقد رأيت الطائرات العسكرية في مطار نيالا عاصمة ولاية جنوب دارفور، ورأيت في أبريل 2004 نتائج أسلوب الأرض المحروقة عبر عدد كبير من القرى المحروقة عن آخرها ولنا أن نتصور نتائجها البشعة على أرواح وممتلكات القرويين البسطاء التي كانت الطائرات العسكرية تمطرها بالقنابل. الأسوء من ذلك تأسيس النظام الشمولي لمليشيا من سكان ولاية دارفور الشمالي التي عرفت أولا باسم “جنجويد” بقيادة حميدتي التي أوكل إليها مهمة مواجهة الميليشيات المتمردة والانفصالية فارتكبت جرائم وحشية في حق الأهالي بدعوى أنها حاضنات للتمرد وانتهكت فيها الأعراض وسلب الممتلكات على نطاق واسع. هذا كان يعني استعداء جزء من الشعب السوداني على جزء آخر وإشعال نيران الكراهية والحقد بين أبناء الشعب الواحد وهذه جريمة كبيرة وكفي بهذا إثما مبينا.
لقد أمعن النظام الشمولي في أخطاءه الكارثية أكثر من ذلك عندما وسّع وقوّى تلك الميليشيات بشكل كبير وألحق بها عديدا من ضباط الجيش صارت لها قواعد وثكنات في عموم السودان، ورفّع قائدها حميدتي إلى رتبة جنرال وهو أصلا شبه أمي ولا علاقة له بالتكوين العسكري وأعطي لها إسما رسميا (قوات التدخل السريع)، وأطلق يده في مناجم الذهب شمال البلاد يهرّب كميات كبيرة جدا منه إلى الخارج، وتدفق عليه السلاح وفتحت له أبواب العلاقات الخارجية على أعلى المستويات وقد صارت علاقاته بالموساد والمخابرات الأمريكية معروفة بالعلن. وقبل أن يحاول قائد هذه الميليشيات الاستيلاء على السلطة بالقوة مؤخرا، واجهت قواته ثورة السودانيين في نهاية 2018 بالقتل ذهب ضحيته أكثر من 200 قتيل ومئات الجرحى.
في الوضع الحالي، أحسب أن هناك ثلاثة احتمالات مرجّحة: الأول أن يتمكن الجيش من إنهاء التمرد والسيطرة على العاصمة وانتقال السلطة إلى قوى مدنية بالتوافق العقلاني حفظا للبلد والدولة. الثاني أن تستعزّ الحرب في العاصمة وتستمر لفترة دون أن يتمكن الجيش السوداني من إلحاق الهزيمة بميليشيات الدعم السريع، وفي هذه الحالة سيضطران إلى التفاوض بإشراف خارجي (أمريكي إسرائيلي وسعودي) وتراجع فرص التوافق الانتقال السياسي إلى الصفر واندلاع الحرب من جديد في العاصمة والأقاليم وانزلاق السودان نحو حرب أهلية طويلة الأمد لأن فرص تغذيتها داخليا وخارجيا تبقى قائمة. الثالث حسم الجيش للمعركة في العاصمة وانكفاء المتمردين إلى دارفور والتحصن فيها تمهيدا لإعلان الانفصال في وقت ما.
لكنني أحسب أن أن أهم عوامل فشل “الإسلاميين” في التنمية وحل المشكلات الداخلية تعود إلى أن النظام والحركة الإسلامية اهتما أيما اهتمام بتمكينهما من الحكم بكل قدرات الدولة الممكنة مقابل إهمال تمكين المجتمعات المحلية بأدوات التمكين التعليمي والصحي والثقافي والاقتصادي، وبناء القدرات على أوسع النطاقات لملايين الشباب وتمليكهم قدرات البناء المجتمعي وقد أصبحت متاحة عبر تجارب غنية في الكسب الإنساني المعاصر.
*خبير في الشؤون الأفريقية





