التقاط الرسائل الواضحة في إحالات الخطاب الملكي في حمولتها وحجمها وقوتها

إيطاليا تلغراف

 

 

 

• الدُّكتُور عَبْدُ اللَّهِ شَنْفَار

 

 

 

حَتَّى القضايا العادلة تحتاج لِمحامٍ بارِع، وفي جدلية الاعتماد المتبادل بين تحقيق العدالة، وتحقيق القانون؛ في معادلة الظلم والباطل الذي حاق بقضيتنا الترابية من ذوي القربى، والإنصاف والقسط والحق؛ من أصدقاء المغرب وأشقائه، كثيرة هي القضايا العادلة؛ وكثيرة هي المؤسسات؛ والدُّول؛ الظَّالِمِ أَهْلُهَا؛ والتي تتطلب تنصيب وتوكيل محامٍ بارعٍ؛ يكون وَلِيًّا ونَصِيرًا؛ مرافعًا من أجل الوقوف في وجه الباطل، والظلم والتصدي له.

لكن؛ في نفس الوقت؛ كثيرة هي القضايا العادلة؛ التي تخسر ويتضاعف الظلم على أصحابها؛ وذلك بسبب المرافعة الرديئة، وسوء الإلمام بحيثيات القضية، وآليات الدفاع، وعدم التفكير في مسلسل ومسارات الرَّد، وتوقيته، وآلياته، وأدواته، ولغته. فالعقلاء يختارون المحامي؛ والمُفاوض؛ الدَّاهية؛ الذكي الماكِر والبارع؛ الذي لديه قدرة على العمل؛ ويحسن الصنع، وكفاءة على الفعل وردة الفعل؛ ليترافع عن قضاياهم العادلة؛ لأن عدالة القضية وحدها؛ ليست كافية لانتصارها وربحها؛ ولكن حسن التدبير والنظر؛ “ووضع هياكل داخلية ملائمة، بموارد بشرية مؤهلة، مع اعتماد معايير الكفاءة والاختصاص، في اختيار الوفود، سواء في اللقاءات الثنائية، أو في المحافل الجهوية والدولية.” وهو ما تحتاجه أية قضية.
ومعروف أيضًا؛ أن الباطل ينتصر حين يُواجه ويتصدى للقضايا الحقة: الجهلة والمرضى؛ وضعاف النفوس؛ والنظر؛ وبالتالي تتضاعف الخسائر وتتوالى وتتوالد وتتناسل؛ التنازلات والتراجعات. وهي مسألة؛ (لَعَلَّ بَعْضَكُمْ يَكُونَ أَلْحَنَ بحُجَّتِهِ مِنْ أخِيه.) هو إحدى الدروس العظيمة في أن القضايا العادلة؛ قد تخسر أمام المحاكم والمحافل الدولية؛ إذا عجز أصحابها عن تعيين كبار وأبرع المحامين؛ والمفاوضين؛ الدُّهاة للترافع عنها! حينها تكون القضية عادلة؛ لكن المحامي فاشل وضعيف المرافعة؛ أو المفاوض صاحب دعاية ترويجية رديئة…!

على هامش خطاب جلالة الملك محمد السادس يوم الجمعة الثانية من شهر أكتوبر، من العام 2024 بمناسبة افتتاح الدورة الأولى من السنة التشريعية الرابعة من الولاية التشريعية الحادية عشر؛ طبقا لمقتضيات الدستور؛ خطاب يحمل خارطة طريق في كيفية المرور في قضية وحدتنا الترابية، من مرحلة التدبير، إلى مرحلة التغيير، داخليا وخارجيا، وفي كل أبعاد هذا الملف. ودعوت كذلك للانتقال من مقاربة رد الفعل، إلى أخذ المبادرة، والتحلي بالحزم والاستباقية والقدرة على الفعل، وبرؤية واضحة، واستعمال كل الوسائل والإمكانات المتاحة، للتعريف بعدالة القضية، وبالحقوق التاريخية والمشروعة في صحرائنا، والتصدي لمناورات الخصوم؛ على الغم من السياق العام الدولي الصعب والمعقد.
شرح أسس الموقف المغربي، للدول القليلة، التي ما زالت تسير ضد منطق الحق والتاريخ، والعمل على إقناعها، بالحجج والأدلة القانونية والسياسية والتاريخية والروحية، التي تؤكد شرعية مغربية الصحراء. وما يقتضي من تضافر جهود كل المؤسسات والهيآت الوطنية، الرسمية والحزبية والمدنية، وتعزيز التنسيق بينها، بما يضفي النجاعة اللازمة على أدائها وتحركاتها، من خلال توظيف الدور الفاعل للدبلوماسية الحزبية والبرلمانية، في كسب المزيد من الاعتراف بمغربية الصحراء، كل ذلك يتطلب عناصر تتجلى في المرافعة، والمناصرة وكسب التأييد.
توجد ثلاث مفاتيح رئيسية لفهم قضية الصحراء المغربية:
1. توظيف المقاربة التاريخية: المقاربة التاريخية؛ تتيح لنا رؤية تاريخيّة متكاملة عن مسلسل ومسارات الأحداث والوقائع بصفة عامة، ويمكننا من رصد التطور التاريخي للقضايا المطروحة. لأن قضية الصحراء هي قضية وجود تاريخي، واستمرار.
2. ومفتاح الجغرافية السياسية؛ (الجيوبوليتيك) الذي يمكننا من الوعي بمواقعها وطبيعة مواطنها، فقضية الصحراء هي أيضا قضية حدود.
3. مفتاح علم الاجتماع لتفكيك مختلف النظم السياسية والاقتصادية والاجتماعية؛ بما فيها قضية الصحراء المغربية؛ وإعادة تركيبها؛ لفهم كيفية تشكلها. وهذا المفتاح المهم جداً؛ يفيدنا في تفكيك المجتمعات؛ وإعادة التركيب لفهم طبيعة قضايا المجتمعات وانعكاساتها على الدولة؛ وشبكة العلاقات الاقتصادية والاجتماعية والسياسية. لأن الصحراء هي قضية تنمية وعمران واستقرار.
إعمال مناصرة وتأييد القضايا العادلة: مفهوم المناصرة أو المرافعة يحيل إلى فهم في القانون، والذي يعني الدفاع عن شخص أو قضية محددة، ويعني ممثل الدفاع أو المحامي، نيابة عن شخص آخر صاحب القضية.
وقد يحيل مفهوم المناصرة والمرافعة إلى فهم في السياسة، من خلال إعمال أسلوب الحملات الانتخابية وتنظيم الخطب الحزبية لكسب التأييد والحشد الجماهيري والشعبي لمناصرة قضية سياسية أو اجتماعية أو اقتصادية أو برنامج حزبي إلى غير ذلك.

ومفهوم المناصرة يحيل أيضا إلى فهم في التنمية وذلك عن طريق إعمال أسلوب المناصرة من خلال إحداث تغييرات في السياسات العامة والعمومية والترابية، ولفت الانتباه الى مختلف الطلبات والقضايا الاجتماعية، من أجل تجاوز التهميش والإقصاء وتحقيق المطالب ووسائل العيش من تجهيزات أساسية وخدمات جماعية وصحية ومؤسسات تعليمية وغيرها.
فالمناصرة والمرافعة مصطلحان تستعملهما منظمات الأمم المتحدة لجلب الانتباه والدفاع عن وضعية معينة أو طلبات اجتماعية أو قضايا سياسية محددة. وإعمال أسلوب المناصرة أو المرافعة في التعريف والدفاع عن الطلبات والقضايا الاجتماعية المشروعة يتخذ عدة أساليب ومنها: إعمال المناصرة الفردية. إعمال المناصرة الشعبية. واتباع المناصرة والمرافعة القانونية، وانتهاج اعتماد اسلوب الإشباع والإقناع. وبالتالي فثقافة السهولة والبساطة والدقة والاقتناع والتشبع بالقضية والتأييد، يحيل إلى تجاوز السطحية والارتجالية والعشوائية والازعاج الفكري لإيصال رسائل حول القضية.

الدفاع عن القضية وهذا يتطلب معرفة دقيقة وشاملة لمكونات القضية. فالسهولة والدقة، هو أسلوب تسويق ودعاية تعتمد البساطة في التأثير على الخصوم والغير لكسب تأييدهم وهذا الأسلوب قريب جدا من دعاية الأحزاب في التعريف ببرامجها السياسية والاقتصادية والاجتماعية.
استعمال أسلوب الذكاء والدهاء في التواصل لإيصال حقيقة القضية، وتفادي الأساليب الملتوية، من خلال نهج أسلوب الليونة في التواصل من خلال تحديد الاختيار، وتفادي التواصل من موقع الضعف من خلال تحديد أسلوب الإجبار، وبأسلوب آخر فاستعمال الليونة ينبع من الاختيار، في حين توظيف أساليب الضعف فهي ناتجة عن الإجبار.
استعمال أساليب الحوار في الفعل التواصلي والإيمان بالفكر المغاير والآراء المغايرة والسماح للآخرين ببسط آراءهم، والذي يقابله العناد والتعصب للآراء وعدم السماح بآراء آخرين. ونهج أسلوب اللباقة في التعامل، التي لا تعني السذاجة أو الغباء، وهنا نميز بين خلو النفس وخلو العقل. واستعمال أساليب المصارحة والحقيقة دون إحراج الآخر، والذي يقابله الوقاحة الجارحة والمحرجة التي تقابل برفض القضايا.

التحلي بالهدوء من خلال رؤية ثاقبة وإلمام بالمشكلة المطروحة من جميع الجوانب، وإعمال أسلوب التفكير والعقل والمروءة في التواصل والذي يقابله التهور واللامبالاة مما يضيع ربح الرهان أو ما نسميه خسران المناصرة أو المرافعة أو التأييد. ففي عملية الفعل التواصلي نميز أيضا بين التواضع في تقديم وتأييد الطلبات والقضايا، وبين التذلل المؤدي إلى الإهانة والاحتقار من قبل الغير.
لأن الجبناء لا يصنعون التاريخ أبدا، وبالتالي يجب التحلي بالشجاعة والجرأة في تقديم القضية، وفي عملية التواصل لا تحيد عنها إلى التهور أو الانحناء أو التذلل. والدفع في اتجاه التأييد وتوجيه الآخرين ولفت انتباههم وكسب تعاطفهم والتأثير فيهم لاتخاذ قرار التأييد، الذي لا يصل إلى درجة التوبيخ للاقتناع بالصواب من خلال العقاب أو النزوع إلى العنف الفكري أو الرمزي؛ وبالتالي نسمح لأنفسنا بما لا نقبله لغيرنا، مما يفضي إلى النفور من التأييد للطلبات والقضايا الاجتماعية.
إعمال هذه المقاربة يهدف إلى استقطاب المنتظم الدولي لينخرط معنا في قضيتنا العادلة. وبالتالي فاستراتيجية التواصل تقوم على آليات علمية وعلمية من شأن إتقانها تحقيق الأهداف مضمون القضية الوطنية. من خلال استراتيجية الفعل التواصلي والدفع في اتجاه المناصرة والتأييد وليس العبث والعشوائية والارتجالية.

والخلاصة:
قضية الصحراء المغربية، هي قضية وجود، وقضية استمرار، وقضية أمن واستقرار، وقضية تنمية وعمران.

إيطاليا تلغراف

 


شاهد أيضا
تعليقات
الآراء الواردة في التعليقات تعبر عن آراء اصحابها وليس عن رأي جريدة إيطاليا تلغراف.
تعليقات الزوار
Loading...