حقوق المرأة المهضومة في ظل الاستبداد والفساد

إيطاليا تلغراف

 

 

 

 

الدكتور محمد عوام
باحث في أصول الفقه ومقاصد الشريعة.

 

 

 

لا يخفى أن قضية المرأة من القضايا المهمة، فهي نصف المجتمع، تكد مع أخيها الرجل من أجل استقرار أسرتهما، غير أن وضعهما معا في ظل الاستبداد والفساد قد ازداد سوءا، أمام موجة الغلاء الفاحش التي ظلت الحكومة صماء خرساء، لا تريد أن تغير شيئا. لأن علة الإخفاق الأسري، لم يأت من اعتساف الرجل على المرأة بنسبة كبيرة، كما يريد المأدلجون والدماغوجيون المتاجرون بقضية المرأة في المحافل الدولية أن يفهموننا، بقدر ما أتت من الداء العضال، الجاثم بكلكله على الشعوب، إنه الاستبداد والفساد، فهو أصل الداء كما ألمع إلى ذلك شهيد الرأي والحرية عبد الرحمن الكواكبي رحمه الله في كتابه الماتع (طبائع الاستبداد ومصارع الاستعباد)، وكم وددت لو أنه أفرد فصلا لبيان الاستبداد والمرأة، وكيف يستغلها استغلالا فاحشا، فيهدر كرامتها باسم التمدن، ويهتك عرضها باسم الحرية، وينهك قدرتها ويقضي على صحتها باسم الخروج للعمل، حيث يحسها أنها لا قيمة لها بدون عمل، وغيرها من الاستغلال، فهكذا يصنع الاستبداد، يقضي على المرأة لأنها لب المجتمع، فيقضي من خلالها على الأسرة.

ولذلك يوهمون المرأة أنه بتغيير مدونة الأسرة ستتغير أحوالها وتتحسن، وهذا مجرد تخدير وعبث، فبدل تغيير الأوضاع الاجتماعية والسياسية المزرية، والقضاء على الاستبداد والفساد والطبقية الفاحشة والمتغوّلة والمتنفذة، يريدون تغيير المدونة في الاتجاه غير الصحيح. والحق أننا لسنا في حاجة لتغيير مدونة الأسرة، بقدر ما نحن في حاجة لتغيير العقول التي تدبر الشأن العام، لتنخرط في إصلاح حقيقي وفعال وذا مصداقية، وبه ستنصلح أوضاع المرأة والرجل، لأن الرجل اليوم لم يعد قادرا البتة على تحمل تكاليف البيت، مما يؤثر سلبا على علاقته بزوجته وأولاده وأسرته. مما يؤكد أن الأسرة المغربية ليس لها مشكل مع مدونة الأسرة، وإنما مشكلتها مع الفقر الذي ينخر جسمها، والبطالة التي تأكل حياة شبابها، والتعليم الذي ينهك كاهلها، ولم تعد قادرة على تحمل تعليم أبنائها وتكاليف دراستهم، والتطبيب الذي فقدوه، بالمماطلة والخوصصة، وغيرها من المشاكل المتفاقمة، فأين هذه المشاكل النحساء من إصلاح المدونة، التي أريد منها خلق صراع بين الرجل وشريكته في الحياة.

فإذا لم يكن هناك إصلاح حقيقي وفعال، فلا جرم أننا مقبلون على المجهول، وهذا لا يمكن أن يكون بدون قرار سياسي صادق ومخلص. غير أن بعض الاتجاهات المتغربة العلمانية، لا يهمها أوضاع الشعب المزرية، ومكابدته للحياة، والنكد الذي تعيشه المرأة في حياتها، فبدل أن تعمل على تغيير الواقع السياسي والاقتصادي، وتواجه الاستبداد والفساد، فهي توجه بنادقها الخاسرة إلى كل ما هو إسلامي، وإلى ثوابت الدين وقواطعه، كأن ذلك هو سبب تعاسة المرأة، لا الواقع السياسي المتسم بالفساد والاستبداد، وهذا لعمري أكبر تخدير يسوق له، ويراد له أن يستقر في العقول والقلوب، وهذا مكر وخداع. فلم يكن الإسلام في يوم من الأيام مصدر تعاسة للمرأة أو الرجل، وإنما سبب ذلك هو الفساد والاستبداد والطغيان.
فلو كان أولئك العلمانيون صادقون لناضلوا في الاتجاه الصائب، ولكن حقدهم على الشريعة أعمى أبصارهم، وطمس بصيرتهم، فلا يرون إلا ثوابت الدين وقطعياته سبب التعاسة. ومع الأسف تبعهم في ذلك بعض الإسلاميين، فطفقوا يرددون مقولاتهم، من غير تمحيص في مآلاتها وأبعادها، والتمسوا أن يجدوا لها ما يمكن أن يكون مخرجا من الفقه، ولو كان قولا شاذا أو مهجورا، يمجه عوامّ الناس قبل علمائهم، ومثال ذلك تثمين العمل المنزلي الذي دندن حوله الإسلاميات قبل العلمانيات، وكلهن يلتمسن من الشريعة أن تختم عليه وتصدّق.
وهذا أكبر شر يراد لهذا البلد وغيره من بلدان المسلمين، وهو القضاء على الأسرة، وتفتيت وحدتها، والعمل على اندثار تماسكها. وفق أجندة غربية خبيثة، سموها زورا وظلما “المواثيق الدولية”، وإنما هي مواثيق غربية شيطانية. فالأسرة في حاجة إلى من يرفع عنها معاناتها في معيشتها، وصحتها، وتعليمها،… وغير ذلك، هذا هو بيت الداء، لا من يُطنبها خطابات سفسطائية، وشعارات براقة خداعة، لكن الحال هو الحال، دائما منصوب، فكأنما كتب على حال المرأة النصب والخفض، أفلا تعقلون.

وإذا ما تأملنا خطاب المناضلين والمناضلات من أجل المرأة، وما يطمحون إليه من تعديل في المدونة الجديدة للأسرة، فيمكن رصده فيما يلي:
أولا: هناك طائفة تستغل المرأة وما تكابده في حياتها من مشاق وعناء، لتمرر أجنداتها الجهنمية، تريد أن تزج بالمرأة في أتون الفساد والخلاعة والزنا باسم العلاقات الرضائية، والتمرد على القيم والأسرة، والعيش في صراع مع شريكها الرجل في الحياة، حتى تصير الحياة الزوجية جحيما لا يطاق. وهذا مخطط عالمي كبير، للقضاء على الأسرة، لا سيما في عالمنا الإسلامي، لأنها الحاضنة لقيمنا الإسلامية والحضارية والاجتماعية. (انظر كتاب الحرب على الأسرة للكاتبة الأمريكية برجيت بريت، والأسرة والحرب الناعمة لمجموعة من الكتاب).
وهذه الطائفة المتغربة العلمانية لم يرقها ما أعطاه الإسلام للمرأة، فما زالت ترفع صوتها بمحاربة ما تبقى من الإسلام في مدونة الأسرة، ففي كل مرة تجدهم يثيرون قضية مفتعلة، أو قضية حقيقية ولكن يبتغون علاجها في غير هدي الإسلام.
ثانيا: وطائفة أخرى لا يهمها كرامة المرأة التي تمتهن، حتى صارت مشَيَّئة، تستغل جنسيا، كما تستغل عمليا في المصانع والحقول والمزارع والشركات، بأجر زهيد، وعمل شديد، مهضومة الحقوق، بلا محاسبة ولا مراقبة، ولا أحد يتحدث عن ذلك، وإن تحدثوا فباحتشام وتملق، خشية أرباب الاستبداد والفساد، الذين زاوجوا بين المال والسلطة، حتى أصبحوا ينظرون إلى من دونهم كالأنعام بل هم أقل.
ثالثا: وطائفة أضحكتنا حتى صرنا نبكي كمدا على حالها، حين أثارت العنف الجنسي الزوجي، بكل وقاحة وخزي، فهي طائفة ممن تؤيد العلاقات الرضائية غير الشرعية، وتبارك الخيانة الزوجية، حتى أدى الحال ببعض دعاتها المقبوحين أن يطالبوا برفع تجريم الخيانة الزوجية، فهذه الطائفة لا تهمها أوضاع الأسرة، وما تعيشه المرأة من ويلات ونكد، ولكن عنايتها الفائقة بما تحت سرة المرأة، يزينون لها الفساد، فيريحون بذلك الاستبداد.

وهكذا صارت المرأة المسكينة التي تعاني من ويلات اجتماعية، وتعاسة وهضم لحقوقها وكرامة أسرتها وضيق حال زوجها، ألعوبة في أيدي الاستبداد وأعوانه وخدامه. أما أختها كالمرأة السورية، والعراقية، واليمنية، وأختهن الصابرة المحتسبة المجاهدة الفلسطينية، المحاصرة في بيتها، المحبوسة في سجون الصهاينة المجرمين، والكل تخلى عن نصرتها، وبخاصة الأنظمة المتكلسة، المتصهينة والعميلة الخائنة، فحدث عن هذه النساء ولا حرج.
لقد سبق لي أن قلت مرات: “إن المرأة ليست بحاجة إلى ورود تقدم لها في عيدها، بالرغم ما لها من دلالة رمزية، وإنما هي في حاجة ماسة إلى من يرفع عنها معاناتها اليومية طوال السنة، وطوال حياتها كلها، ويقدرها وينزلها المنزلة اللائقة بها، ولا يتاجر بقضيتها، وهذا هو عيدها الحقيقي والواقعي.
وإليكم بعض الحقوق التي يغفل عنها المدافعون عن حقوق المرأة، ولعلهم لا يرغبون فيها، لأن لهم أجندات مسطرة من أسيادهم، منمقة يشنفون بها الأسماع، ويجلبون بها الأرباح.

من هذه الحقوق:
ينبغي أن تمتع المرأة بالزيادة في العطل، بحيث تمنح خاصة في الأعياد الدينية قبل العطلة الرسمية، أياما وبعدها، نظرا لما تكون عليه المرأة من الاهتمام بالأعياد الدينية ذات الطابع الاجتماعي.
تقليص مدة عمل المرأة، لأن لها أعمالا منزلية أخرى ذات أهمية في الحياة الاجتماعية، فيحتسب لها العمل المنزل، أو تدفع لها الدولة مكافأة عن عملها المنزلي كما هو الشأن في بعض البلدان الأوروبي كألمانيا مثلا، لأن المرأة ليست عاطلة عن العمل وإنما تربي أجيالا، وتقوم بوظيفة صعبة وهي التربية، فهذا هو تثمين العمل المنزلي الرشيد والسديد، وليس المطالبة بتثمينه على حساب ذلك الزوج الفقير المتعوس.
أن تتمتع المرأة بسنة كاملة عند الولادة، حتى تستريح وتعنى بوليدها، ولا تتركه من الشهور الثلاثة الأولى في رياض الأطفال، وهي مشغولة البال حائرة مضطربة، وكم من امرأة تذهب إلى العمل وهي مشغولة البال مهمومة بوليدها، فأين هي الرحمة وحقوق الطفل التي يتشدقون بها؟ غابت مع هذه القوانين الجائرة.
حفظ كرامة المرأة والدفاع عن هذه الكرامة من الامتهان، وذلك بمحاربة جميع أشكال الدعارة والمتاجرة بعرض المرأة في الإعلام والإشهار، فينبغي سن قوانين تجرم ذلك.
حق العدة للمتوفى عنها زوجها كاملة كما نصت عليه الشريعة، ولا تلتحق بعملها بعد ثلاثة أيام من وفاة زوجها، فهذا قانون مخالف للشريعة.
حفظ مال الزوجة الموظفة عند وفاتها حتى يبقى لورثتها منهم الزوج وأبناؤها. فبأي حق يحرم الزوج والأبناء من معاش زوجته بعد وفاتها؟
أن تمتع المرأة بثلاثة أيام عطلة من كل شهر، حفظا على نفسيتها وأنوثتها، لا سيما عند الحيض الذي تصحبه توترات نفسية.

إن كل دفاع عن المرأة لا يراعي حقوقها الفطرية والطبيعية التي خولها لها الإسلام، فهو دفاع منكوس معكوس، ونتائجه وخيمة منحوس. ولا تنصلح أحوال المرأة إلا بإصلاح الأسرة والاهتمام بها، ورفع كل ما يضرها، ومن جملة ما يضرها ويسبب لها الشقاء والنكد هو الفساد والاستبداد، وليعلم الجميع أن استقرار الدولة من استقرار المجتمع، واستقرار المجتمع من استقرار الأسرة، واستقرار الأسرة من صلاح أحوالها المادية والمعنوية والتربوية والأخلاقية والإيمانية، فالأسرة جزء داخل كل، ويستحيل انصلاح الجزء مع فساد الكل، فبذلك لا بد من الإصلاح الشمولي. والله المستعان.

إيطاليا تلغراف

 

 


شاهد أيضا
تعليقات
الآراء الواردة في التعليقات تعبر عن آراء اصحابها وليس عن رأي جريدة إيطاليا تلغراف.
تعليقات الزوار
Loading...