بقلم الدكتور خالد علمي
صاغ المفكر الأمريكي “ألفين توفلر” في كتابه “صدمة المستقبل” لأول مرة مصطلح “فرط الاختيارات”، ويصفه بأنه عملية إدراكية يعاني فيها الأفراد من صعوبة تكوين رأي أو تحديد قرار عندما يكون أمامهم أكثر من خيار مناسب. فتتحول وفرة الإختيارات، التي يفترض بها أن تكون إيجابية، إلى نقمة تجعل المرء مرتبكا وعاجزا عن اتخاذ أي قرار من أي نوع. وقد دفعت هذه الظاهرة١ بعالم النفس الأمريكي “باري شوارتز” أن يكتب حولها كتابا حمل عنوان “مفارقة الاختيار”، والذي قال فيه: «عندما يكون الاختيار واسعا، هذا يؤدي إلى شللنا، وإلى اقتناعنا بتأجيل اتخاذ القرار، ويزيد من عطالتنا ويجعلنا نخاف من اتخاذ القرار غير الصائب، وقد يؤدي هذا إلى اتخاذ قرارات سيئة». هذا ويحكم اتخاذ قرار الاختيار عدة عوامل تجعل منه متعبا وهاجسا مؤرقا. فالإنسان يميل إلى اختيار ما تعوٌد عليه ويميل إلى اختيار أسهل ما هو متاح له، وكل تركيزه بكون على عامل الوقت الذي يداهمه.
هذا بالضبط ما عانيت منه مؤخرا حين عرض علي فرصتين عمل ذهبيتين “بالمقابيس المهنية”، لكل واحدة منهما مزايا خاصة بالنسبة لي، وبدون الدخول في التفاصيل، فالأولى هي وظيفة ستجبرني على البقاء في النسق المهني الذي يشتغل فيه أقراني من المهنيين وتتيح لي البقاء في خضم الحضن الأسري والاجتماعي الذي أعيش فيه لسنوات طوال “منطقة الراحة”، اما الثانية فهي وظيفة ستخرجني تماما من عالمي المهني والاجتماعي إلى عالم جديد، قد ييدو للبعض أقل “بريستيج” ومجهول النتائج “مخاطرة”، لكنه يضعني في سياق مهني جديد وسياق ثقافي مغاير ومجال طبيعي جذاب يلبي ميولاتي وتطلعاتي الوجدانية ويتيح لي فرصة لبناء شيء ما وتطويره وقد أحقق بنتائجه ذاتي الشخصية، حينها طرحت السؤال : ما العمل إذن؟ فكان علي التفكير جيدا ماذا أريد قبل أن أنظر في العروض المتاحة، دون الالتزام بمعايير تحت أي ظرف، والانطلاق من حقيقة أنني لن أصل أبدا إلى الإختيار المثالي، وان أعود نفسي على الرضا بما سأختاره، وأن أقارن جوهر كل خيار بجوهر الخيار الآخر.
تختلف قدرات البشر على اتخاذ القرارات. بعضهم يحسم قراره بسرعة كبيرة، بينما يحتاج آخرون إلى مزيد من الوقت، وهناك من يواجه صعوبة في اتخاذ القرار أمام خيارات متاحة أمامه، وهو ما يمكن وصفه بـ”شلل القرار”، والذي يعني عدم قدرة الفرد على اتخاذ القرار، خشية وقوعه في الخيار الخاطئ، وقد ينتج عنه عواقب عديدة خصوصا من الناحية الصحية النفسية، ويمكن ربط الأسباب لذلك بتعدد الخيارات، لكن كذلك، بعدم امتلاك الفرد لعدد من المهارات بسبب الأنماط التربوية، مثل: التفكير الإبداعي والناقد، اتخاذ القرارات، حل المشكلات، الخبرات المهنية، العلاقات الاجتماعية، وفي بعض الحالات، الخوف من النتائج، وأحيانا تكون عدم الرغبة في التميز عن الآخرين، والاستناد إلى ما يفعله الآخرون من الأسباب التي قد تجعل الأشخاص يتخذون قرارات مصيرية في حياتهم بشكل خاطئ.
والحقيقة تفرض علينا أن نعرف أنفسنا وماذا نريد وأن نجعل تركيزنا على ما يُسعدنا فنقدم عليه، وأن نبتعد عما يحزننا، ثم نرتّب أولوياتنا، ونصدُق في تعاملاتنا، ونقوم بما يعطي معنى لحياتنا،ثم نتوكل على الله لأنه على كل شيء قدير.
وقد.ساعدني في الجواب على ذلك السؤال الشاق المرتبط بالاختبار والحسم فيه معشوقي “الجبل” الذي تعودت للإلتجاء إلى أمانه عند الحاجة.، فكان ان وقع اختياري على “المخاطرة” والخروج من “منطقة الراحة”.
توكلت على الله.





