عائشة بلحاج
كاتبة وصحافية وشاعرة مغربية
تحاول الأنظمة العربية اللعب مرّة أخرى على الدرس السوري في فوضى الدولة وانقسام المجتمع، لتخويف الشعوب، وبأيدِي الأنصار والأتباع على غزارتهم؛ فهي ليست شجاعة بما يكفي لتشمت في شعبٍ دفع ثمناً غالياً لجبروت الديكتاتورية. بينما الدرس السوري الحقيقي أنّ الأنظمة السلطوية ستنتهي مهما طال الزمن، بعد أن تُخلّف كثيراً من الدمار، وأنّ دماء شعوبها على عاتقها وحدها، لا على تداعيات سقوطها، فالدّماء والحرّياتُ كلّها تُسأل عنها أجهزة الأنظمة التي داست الجميع من أجل بقائها وتجذرّها في الأرض، معتقدةً أن هذا كلّه سيمنع انهيارها.
منذ 2011، جُعلت تداعيات الثورة السورية بعبعاً يُخوّف الناس به في كلّ الدول العربية: هل تريدون أن نصبح مثل سورية؟… إذاً الكلّ يخرس ويحني رأسه، وكأنّ الثورة سبب الفوضى، لا الديكتاتور الذي أراق الدم السوري بيده وبيد غيره. وكانت المجازر أخيراً في الساحل السوري فرصةً أخرى لمواصلة ذبح السّوريين تحت شعارات أخرى. ولكن المسؤول الأول هو بشّار الأسد الذي دفع سورية إلى دوّامة العنف الطائفي.
هكذا ركّز كثير من ردود فعل الرأي العام في المنطقة على المرجعية الإسلامية لفئة من مرتكبي مجازر الساحل السوري، وذكّرتنا مجدّداً أن الأنظمة السلطوية “دام عزّها” عامل استقرار يُجنّب بلدان المنطقة المصير السوري، فصار المصريون يحمدون الله على سقوط محمّد مرسي، ومجيء عبد الفتّاح السيسي لتخليصهم من “الإرهاب الإسلامي”.
والمغاربة والتونسيون والأردنيون والجزائريون والآخرون… قد لا يملكون بعبعاً إسلامياً في بلدانهم، لكنّ الإسلام السياسي مُذنبٌ في جميع الحالات، رغم أنّ التونسيين كانوا الأكثر ترويجاً لـ”الدرس الإسلامي الإرهابي”، الذي كان يمكن أن تجد تونس نفسها فيه لو حكم الإسلاميون. رغم أن أيّ مقاربة موضوعية تدرك أن ارتكابات الفصائل الإسلامية في سورية لا تختلف عن ارتكابات بقية المذنبين القتلة تحت ألوية شِعاراتية أخرى. القتل والحقد والطائفية هي الدافع الحقيقي، والباقي تفاصيل. ففلول النظام البعثي لم يقصّروا غير أنهم لم يصوّروا مجازرهم، ولو فعلوا فهم لا يملكون لحىً، وهذه تبدو أكثر إرعاباً من فعل القتل بحد ذاته.
يختلف كثيرون منا جذريّاً مع الإسلام السياسي أيديولوجيا تستغلّ الدين لأغراض سياسية، مع احتفاظها بعيوب الأحزاب والجماعات السياسية كافّة، وأيديولوجيا قابلة للاستغلال من أطراف خارجية، كما ثبت ذلك، بسبب قدرتها على الحشد، لكنّ لوم الأيديولوجيا هنا مقاربة قاصرة، فالدم السوري تريقه المصالح والولاءات السّياسية، لا الأيدولوجيا.
الدرس السّوري يعني أنّ على الأنظمة مراجعة نفسها، وإلا فهي المسؤولة الوحيدة عن دماء شعوبها، إن واصلت التضييق على الحرّيات، واعتقال كلّ الأصوات المعارضة ولو برفّة فراشة، مع وجود احتقان اجتماعي شديد بسبب التضخّم وسياسات اقتصادية فاشلة خضعت لإملاءات المؤسّسات الدولية التي لا تكترث للطبقة الأقلّ حظاً، التي صار معظم أفرادها تحت درجة الفقر.
الدرس السوري يعني هل يستحقّ الأمر العناء؟ هل يستحقّ بقاء شخص أو أشخاص في السلطة رغم أنف الجميع وإهدار دم الشعب كاملاً؟ هل يستحقّ تخريب المجتمع لدوام الكرسي؟… وفي النهاية، يقع الكرسي ويهرب صاحبه في أحسن الحالات. فالجهات الأجنبية بقدر ما يخدمها رأس السلطة، سيأتي يوم ستلفظه كأنّه لم يكن، وقوة الدول تأتي من الداخل لا من جهة خارجية قد تقلب وجهها لها في أيّ وقت.
الدرس السوري يا جارة.. أنت وهي، العودة إلى الرشد ومنح الناس بعض الأكسجين. وإذا هبّت العاصفة، وكنت مصرّة على تطليق الديمقراطية جملة وتفصيلاً، لن يفيدك تكرار تجربة الانحناء لعاصفتها. فإذا لم تدركي أن الديمقراطية هي السبيل الوحيد لحفظ دم الشعوب مجازاً وحقيقة. وأنها الوسيلة الوحيدة لحكم لا يريق دماء ولا يهرب صاحبه في النهاية منبوذاً حتى من أقرب مقرّبيه. فالرحمة للجميع. أفراداً وجماعات، وحتى القادة الأشاوس لن يسلموا مهما قتلوا، ومصير بشار لا يجب أن ننساه، فحتى روسيا لولا الخوف من فقدان ثقة حلفائها الآخرين بها لتخلّت عنه بلا أدنى تردّد، فهو صار عبئاً ولا أحد يحب الأعباء.





