سياسة الصفار والبيضة: تحليل استراتيجي لعلاقة السلطة بالمجتمع وتداعيات انهيار الطبقات الوسيطة..

إيطاليا تلغراف

 

 

 

* الدُّكتُور عَبْدُ اللَّهِ شَنْفَار

 

 

 

هل تملك الأنظمة الإداريّة، القدرة على إدارة وتدبير الغضب الشعبي دون الانزلاق إلى المواجهة المباشرة؟
في عالم السياسة والإدارة، تبرز إشكاليّة مركزية تتعلق بكيفيّة إدارة وتدبير وممارسة السلطة في علاقتها بالمجتمع دون أن تتعرض للاهتزازات العنيفة أو المواجهات المباشرة. فهل يمكن للنظام السياسي والإداري أن يحافظ على وجوده وأمنه واستقراره واستمراره وتنميته وعمرانه، من خلال طبقات عازلة تمتص الضغوط؟ أم أن تفكيك وتجفيف هذه الطبقات يؤدي إلى كشف رأس السلطة أمام الاحتجاجات والحراك الاجتماعي، مما يجعل التصادم أمرًا حتميًا؟
هنا تأتي “سياسة الصفار والبيضة” كنموذج تحليلي يعكس طبيعة ممارسة السلطة وعلاقتها بالمجتمع. وتقوم الفكرة على تشبيه النظام السياسي والإداري بالبيضة.
* الفكرة الأساسية:
1. الصفار (Le jaune d’œuf) → الحاكم أو القائد أو النخبة الحاكمة.
2. البياض السميك المحيط بالصفار (Le blanc d’œuf) → أي الطبقة العازلة (البيروقراطيّة والإعلام والنخب السياسيّة والأحزاب والهيئات وجمعيات المجتمع المدني وشبكة العلاقات وغيرها…) التي تمتص الصدمات وتعيد توجيه وتأطير مختلف الضغوطات.
3. القشرة السميكة والغشاء المطاطي (Membrane de coquille d’œuf) → وهو مختلف الأجهزة الأمنيّة والإطار القانوني والدستوري والتنظيمي الذي ينظم العلاقات ويمنع الانفلات وحفظ النظام العام.
فهل يؤدي ضعف الطبقات العازلة إلى سقوط الأنظمة السياسيّة أو الإداريّة؟
* تفكيك الحواجز: حين يصبح الصفار مكشوفًا!
عندما يتم إضعاف المؤسسات الوسيطة، سواء عن طريق التهميش أو الإضعاف المتعمد، يصبح مركز السلطة مكشوفًا أمام التوترات الاجتماعية، مما يزيد من احتمالية المواجهة المباشرة. فهل كان انهيار بعض الأنظمة خلال الربيع العربي نتيجة مباشرة لغياب “البياض السميك” الذي يمتص الصدمات ويوجّه الغضب؟ وهل يؤدّي تفكيك الأحزاب وتهميش الإعلام وإضعاف المجتمع المدني إلى تفريغ الأنظمة من أدواتها في إعادة تأطير وتأجيل الانفجارات الاجتماعية؟
* حراس البوابة: بين الاستقرار والاضطراب:
تلعب النخب السياسية، الإعلام، البيروقراطية، والأحزاب دور “حراس البوابة” (Les gatekeepers) في أي نظام سياسي، حيث يعيدون توجيه الغضب الشعبي عبر قنوات منظمة. لكن في بعض الأنظمة، تم استبدال هذه النخب ببيروقراطية أمنية صارمة تعتمد على القمع المباشر بدل الإدارة الذكية للأزمات. فهل يؤدي الاعتماد المطلق على الأمن دون وجود وسطاء اجتماعيين إلى استقرار هشّ لا يصمد أمام أزمات كبرى؟
لكن هل القمع الأمني بديل ناجع عن الإدارة والتدبير الذكي للأزمات؟
عند دراسة حالات الانهيار السياسي، نجد أن الأنظمة التي فقدت “البياض السميك” وجدت نفسها في مواجهة مباشرة مع الجماهير، وهو ما عجّل بسقوطها. فهل يمكن اعتبار الأنظمة الديمقراطية الغربية أكثر استقرارًا لأنها تحتفظ بطبقات عازلة قوية من خلال الإعلام، الأحزاب، والنقابات؟ وهل الأنظمة السلطوية التي تعتمد فقط على القبضة الأمنية معرضة لمخاطر انفجارات مفاجئة عند غياب هذه الطبقات؟
* إسقاطات على الواقع: لماذا يتعرض بعض رجال السلطة للعنف؟
يمكن إسقاط هذا النموذج على أحداث معاصرة، مثل تعرض بعض المسؤولين الحكوميين للاعتداءات. هل يعود ذلك إلى تآكل الطبقات العازلة التي تحميهم من الاحتكاك المباشر مع المواطنين؟ وهل أصبحت بعض الأنظمة تفتقر إلى شبكات الوساطة، مما جعل المسؤولين في الخطوط الأمامية عرضة لغضب شعبي متزايد؟
* نحو إعادة بناء “البياض السميك”: هل الإصلاح ممكن؟
إذا كان تآكل الطبقات العازلة يؤدي إلى كشف مركز السلطة أمام العاصفة، فهل يمكن للأنظمة السياسية إعادة بناء “البياض السميك” والقشرة الواقية عبر إصلاحات سياسية تعيد التوازن بين النخب الحاكمة، المؤسسات الوسيطة، والمجتمع؟ أم أن الاتجاه نحو تهميش هذه الطبقات سيؤدي إلى تصعيد المواجهة وزيادة احتمالات الانفجار السياسي والاجتماعي؟
* الخلاصة: هل ستنجح الأنظمة في تفادي المواجهة المباشرة؟
تعكس “سياسة الصفار والبيضة” ديناميكيّة السلطة في مواجهة الضغوط الاجتماعيّة. وكلما استطاعت الأنظمة الإدارية تقوّية الطبقات العازلة وإعادة تأطير الغضب الشعبي، زادت فرصها في الاستمرار. ولكن إذا استمرت في تفكيك هذه الطبقات، فإن المواجهة المباشرة تصبح مسألة وقت.
فهل ستتجه الأنظمة الإدارية إلى بناء طبقات جديدة وتكتبيها لتمتص مختلف الأزمات، أم أنها ستستمر في تجفيف هذه الطبقات حتى تجد نفسها في مواجهة مفتوحة مع الشارع؟

إيطاليا تلغراف


شاهد أيضا
تعليقات
الآراء الواردة في التعليقات تعبر عن آراء اصحابها وليس عن رأي جريدة إيطاليا تلغراف.
تعليقات الزوار
Loading...