– الدكتور عبدالله شنفار
* قراءة سوسيولوجية وأنثروبولوجية في تقاطع الماء مع الذاكرة والهندسة والهيمنة داخل مجتمع الواحات:
كيف يتحول الماء من عنصر طبيعي إلى أداة للتحكم والضبط والتنظيم الاجتماعي وكيف تتقاطع السوسيولوجيا مع الأنثربولوجيا والسياسة والهندسة والذاكرة، عبر دراسة وتحليل الماء، والتحولات العميقة في المجتمع المغربي؟
شهد المجتمع المغربي، وخاصة في مجتمعات الواحات، تحولًا عميقًا في علاقته بالماء، حيث انتقل فيه من الاعتماد الكلي على “ماء السماء” إلى الاعتماد على “ماء الدولة”، مما أدى إلى خلخلة في البنيات الاجتماعية والثقافيّة والذهنيّة، هذه التحولات التي حاول بعض الباحثين تحليلها من خلال مقاربات سوسيولوجية لموضوع الماء وجمعت بين الأنثروبولوجيا والتاريخ وعلم السياسة.
أين ذهبت البركة؟ بركة المكان، وبركة الفقيه وبركة السيد وبركة الضريح والزاوية؟ هل كان هناك فعلًا وجود للبركة؟ ما الفرق بين بركة الماضي وبركة الحاضر في التمثلات والتخرصات والمتخيل الاجتماعي؟ هل كانت بالفعل بركة في الماضي؟ هل فعلًا ذهبت بذهاب أصحابها؟ أين ذهبت بركة الفقيه والسيد؟
– الماء والمجتمع التقليدي في الواحات:
* نظام السقي التقليدي وانتظار غيث السماء:
في سؤال أين وكيف؛ ومتى ولماذا ذهبت البركة التي كانت بكْرِي؛ توجد مجموعة من المؤسسات الاجتماعيّة التقليديّة التي أنتجها المجتمع المغربي منذ القدم؛ فيها من التضامن والتآزر والتكامل والتعايش والتمازج الاجتماعي؛ الخير الكثير.
فقد كانت المنافسة على أشدها بين المغاربة من خلال الإكثار من الوقْف والحوَالات الحبْسِية على سبيل التباهي والتفاخر؛ وذلك في سبيل التخفيف من حِدة الاحتقان والحقد الاجتماعي، وتفادي الحقد الاجتماعي والكراهيّة والصراع الطبقي، ومطاردة الفقر والهشاشة والجوع والمرض والحاجة.
في عصرنا هذا؛ أصبح التفاخر ومصاريف الأبهة والمنافسة شديدة جدًا من أجل الاحتفال ببلوغ تكديس المليار الثالث والرابع والخامس والعاشر..!
كان مجتمع الواحات، عبر قرون طويلة، خاضعًا لدورة اعتباط الطبيعة، حيث يُنتظر المطر كنعمة إلهية، تُحيي الأرض وتضمن استمرار الحياة. وقد عرفت المجتمعات المحليّة في الواحات نظمًا دقيقة في إدارة وتدبير السقي والري، بواسطة السواقي والآبار وتوزيع الماء حسب أعراف متجذرة في العائلة والفخذة والقبيلة، تعكس نظامًا ديمقراطيًا محليًا فريدًا من نوعه.
* الماء شبكة علاقات تضامن وتعاون؛
يُعتبر تدبير الماء مناسبة لتكثيف التضامن الاجتماعي، حيث تنخرط كل الأسر في عمليات إصلاح وصيانة السواقي، وتقسيم العمل وتوفير الطعام ويتحول تدبير الماء إلى لحظة اجتماعيّة بامتياز، تتداخل فيها الأبعاد الاقتصاديّة والرمزيّة.
* البركة والمقدس في علاقته بالماء:
يحضر الماء في المخيال الجمعي كعطية إلهية مرتبطة بالبركة، ويُستحضر البُعد الديني في لحظات الشدة عبر طقوس الاستسقاء، وزيارة الأولياء والزوايا والأضرحة وتقديم القرابين، مما يجعل للماء بعدًا روحيًا قويًا في الثقافة المحليّة، حيث يُنظر إلى الجفاف كعقاب إلهي والمطر كرحمة تستحق الطاعة والامتثال.
– الماء والهجرة وتحولات الهوية:
* ظاهرة الهجرة كاستجابة لأزمة الماء:
تسبب توالي سنوات الجفاف المتكررة في دفع عدد كبير من سكان الواحات إلى الهجرة نحو المدن أو مناطق أخرى بحثًا عن مورد للعيش. فكانت الهجرة أداة لاستمرار الحياة لكنها في نفس الوقت شكلت تهديدًا للهياكل الاجتماعية والاقتصاديّة التقليديّة.
* المغرب بلد للهجرات وثقافة مركبة:
عبر التاريخ، شكل المغرب في جوهره بلد هجرات وهوية مركبة، تضم عدة روافد: عربية وأمازيغية وإسلامية وحسانية وأندلسية ويهودية وومتوسطية. وقد أعادت الهجرة تشكيل هذه الهوية، لكنها أيضًا أدت إلى استنزاف للعقول والطاقات، خاصة في ظل ظروف اقتصادية وسياسية غير مستقرة.
– بناء السدود وتغير البنيات الذهنية والاجتماعية:
* منطق جديد لتنظيم وتدبير الماء:
أدى بناء السدود إلى إدخال منطق جديد في تنظيم وتدبير الماء، تتولاه الدولة والمؤسسات وأصبح الفلاحون يعرفون مسبقًا أوقات السقي، من خلال برمجة طلقات السد، بدلًا من انتظار المطر، مما حول علاقتهم بالماء من علاقة روحيّة إلى علاقة تقنيّة ومؤسساتية.
* السد واختلال البنيات التقليديّة:
أدى بناء السدود إلى اختلالات وتفكك كبير في البنيات التقليديّة، حيث انتقل الفلاحون من نمط معيشي قائم على الاكتفاء الذاتي، إلى نمط إنتاجي فلاحي وزراعي موجه للسوق. مما أدى إلى تحولات في أنماط العيش وخلق تفاوتات طبقيّة جديدة.
* فترة الأشغال وتغير النظام الاجتماعي:
تميزت فترة بناء السدود بمراقبة صارمة من طرف الدولة وتم تجميع المعطيات عن السكان بشكل منهجي، لكن مقابل ذلك تم تهميش السكان في اتخاذ القرار، بل وتم نزع ملكياتهم بشكل غير مباشر (في إطار الاعتداء المادي)، مما أدى إلى نشوء علاقات جديدة بين الدولة والفلاح، قائمة على التبعيّة أكثر من الشراكة.
* بناء السد كأداة للهيمنة ونزع الأراضي:
رغم ما قد يبدو من فوائد، فإن السد كان أيضًا وسيلة لمصادرة أراضي السكان، وإدماجهم في منطق الدولة الحديثة، من خلال تعويض الرمزي بالرقمي، وتحويل الأسماء إلى أرقام، وتغيير العادات الغذائيّة والاستهلاكيّة، مما أثر على الذاكرة الجماعيّة للسكان.
استنتاجات عامّة:
لقد كان الماء في مجتمع الواحات أكثر من مجرد مورد طبيعي، بل شكل نواة أساسيّة في بناء النظام الاجتماعي ورافعة للتنظيم والديمقراطيّة المحليّة، كما كان له بعد رمزي وروحي عميق. غير أن التحولات التي عرفها المغرب، خاصة مع بناء السدود، أعادت تشكيل علاقة الإنسان بالماء، وأدخلته في منطق جديد يهيمن عليه البُعد التقني والمؤسساتي.





