طقوس الأعْبانْ وأشْظاظْ في الثقافة السياسيّة المغربيّة: من صناعة الولاء إلى تزييف الفعل التواصلي في الحملات الانتخابيّة:
* الدُّكتُور عَبْدُ اللَّهِ شَنْفَار
– طقوس الأعْبانْ وأشْظاظْ: وظائف رمزيّة في نظام الولاء: سيكولوجيا المنتخب وسوسيولوجيا الحملات الانتخابيّة بالمغرب: من الطقوس الرمزيّة إلى اختلالات في الفعل التواصلي:
تُعَدّ الحملات الانتخابيّة لحظة سياسيّة واجتماعية فارقة، تعكس بوضوح طبيعة العلاقة بين النخبة السياسية والناخبين، وتكشف عن أنماط التمثلات الجماعية، وآليات اشتغال المخيال الشعبي، كما تفضح حدود التواصل السياسي. وفي السياق المغربي، تتخذ هذه الحملات طابعًا مركبًا تتداخل فيه الأبعاد النفسية والثقافية والاجتماعية والدينية، بشكل يعكس أزمة مزدوجة: أزمة تواصل حديث، وأزمة شرعية تمثيلية.
تحاول هذه المقالة تحليل بعض المظاهر السيكولوجية والسوسيولوجية التي تميز الحملات الانتخابية في المغرب، من خلال الوقوف عند الطقوس الرمزية التي توظفها النخبة السياسية لاكتساب القبول الشعبي، وتفسيرها في ضوء نظرية الفعل التواصلي عند هابرماس. كما نسعى إلى مساءلة مدى قدرة النخبة السياسية المغربية على تجاوز أنماط التواصل التقليدي، والانخراط في دينامية سياسية حديثة تُؤسِّس لعلاقة تعاقدية مع المواطن.
– سيكولوجيا المنتخب: الهوس الانتخابي في لحظة اللايقين؛
عند اقتراب الاستحقاقات الانتخابية، يدخل المرشح في حالة من التوتر والانفعال، تجعل من سلوكياته انعكاسًا لقلق وجودي، يغذي لديه التعلّق بالخوارق وتمني المعجزات. وتتحول الحملة إلى طقس نفسي جماعي، يسعى فيه المرشح إلى استباق نتائج لا يملك أدوات عقلانية لضبطها، فيلجأ إلى رمزية القسم، أو “رمي العار”، أو “التبريك”، في محاولة لاكتساب نوع من الحظ أو الحماية الرمزية.
يتحول المنتخب إلى كائن يعيش حالة من الهستيريا، يتذبذب بين الثقة المفرطة والخوف من الفشل، وقد يتماهى مع صورة “المنقذ” أو “المخلّص”، لا باعتباره فاعلًا عقلانيًا، بل “محظوظًا”، أو “مختارًا” بتدبير قدَري.
* عقلية المنتخب بين التقاليد الثقافية وتمثلات السلطة:
تُظهر الثقافة الشفوية المغربية أن العقلية ليست فقط نمطًا من التفكير، بل نظامًا من التصورات الجمعية، يعيد إنتاج نفسه عبر طقوس يومية وشعارات خطابية. فالمرشح غالبًا ما يُقدَّم باعتباره امتدادًا لأعيان القبيلة أو ممثلًا لهيئة حزبية تتغذى على الولاء، أو حتى كخيار “فوقي” بإيعاز من السلطة.
هذه العقلية التقليدية تعيد إنتاج النخبة من خلال أدواتها الرمزية، كالتبجيل والتقديس وتقديم “الأعْبانْ” أو أداء القسم على المصحف، وكلها أشكال تؤسس لما يمكن تسميته الشرعية الرمزية في غياب التنافس البرنامجي. ويصبح الفعل الانتخابي شكلًا من أشكال “المبارزة الشفوية”، حيث يتقدم المرشح لا بأفكاره، بل ببلاغته، ومقدرته على دغدغة العواطف واستحضار الأمجاد القبلية.
* من التواصل الرمزي إلى فعل تواصلي مغشوش:
تُظهِر نظرية الفعل التواصلي عند الفيلسوف الألماني (هابرماس) أن كل تواصل حقيقي يجب أن ينطلق من “نية تفاهم” خالصة بين الفاعلين. غير أن الواقع الانتخابي المغربي يكشف تواصلاً مفعمًا بالخداع والتضليل، تُستعمل فيه اللغة كوسيلة للتمويه لا للإقناع، ويتم فيه تسويق وعود غير قابلة للتحقق، بهدف استمالة المصوتين لا احترام عقولهم.
فالفعل الانتخابي يتحول إلى أداة في يد النخبة لخدمة مصلحة ذاتية، داخل نسق من العلاقات الزبونية، يكرّس منطق الاستمالة بدل الاقتناع، والرمزية بدل العقلانية، مما يضع التواصل الانتخابي في خانة “الفعل الاستراتيجي” لا “الفعل التواصلي” كما يصطلح عليه هابرماس.
* طقوس الأعْبانْ وأشْظاظْ: وظائف رمزيّة في نظام الولاء:
إن استخدام طقوس مثل “الأعْبانْ” و”الشِّظاظْ” ليس مجرد عادة فولكلورية، بل يحمل دلالة سيميائية عميقة، تحيل إلى شكل من “العقد الاجتماعي التقليدي”، يُفرض فيه الولاء تحت طائلة اللعنة الرمزية والاجتماعية. فالرافض لتلك الطقوس يُتَّهم بالخيانة أو كسر العُروة الوثقى، وتُنسج حوله روايات اجتماعية تُحمّله مسؤولية أي مصاب مستقبلي.
تُوظّف هذه الطقوس كآلية رمزية لإخضاع الجماعة، وتثبيت نوع من الولاء الجماعي المستند إلى سلطة الرموز التقليدية، بما فيها الأضرحة، والزوايا، والشرفاء. وضمن هذا السياق، يتحوّل الدعم الانتخابي إلى شكل من أشكال المبايعة الرمزيّة، لا يختلف في بنيته العاطفية والطقسية عمّا تمارسه الجماعات المتطرفة عند إعلان الولاء لقياداتها، حيث يتم تجريد الفعل السياسي من مضمونه الديمقراطي العقلاني القائم على التنافس بين البرامج، لصالح فعل انفعالي مؤسس على الولاء الشخصي والانصياع الجماعي.
– التحدي: كيف ننتقل من انتخاب الأشخاص إلى مناصرة المؤسسات؟:
كيف نُعيد بناء علاقة عقلانية بين المنتخب والناخب؟ هل يمكن تجاوز منطق التواصل التقليدي نحو تواصل مؤسساتي، يُدار من خلال منصات حزبية واضحة المعالم، وتحالفات اجتماعية مدنية، كجمعيات، ونقابات، ولوبيات ضغط تترافع باسم مصالح جماعية لا ولاءات شخصية؟
إن الجواب يتطلب شروطًا بنيوية: تعزيز الوعي السياسي، عقلنة المجال العمومي، ربط المسؤولية بالمحاسبة، وتحرير الفعل الانتخابي من ثقافة التقديس الرمزي، التي تمنح المنتخب سلطة تفوق تمثيليته الواقعية.
* خلاصة:
إن سيكولوجيا المنتخب، كما سوسيولوجيا الحملات الانتخابيّة في المغرب، تشكّل مجالًا غنيًا لفهم تحولات المجتمع السياسي، وتداخل الأسطورة بالدين، والرمز بالعقل، والتقليد بالمصلحة. وإذا كانت الدولة قد خطت خطوات مهمة في عقلنة الحقل الديني بعد أحداث 2003، فإن العقلنة السياسية ما تزال رهينة تمثلات تقليدية تجعل من الفعل الانتخابي طقسًا من طقوس الولاء، لا تعاقدًا ديمقراطيًا.
يبقى الرهان قائمًا: هل يمكن استبدال الولاء الشخصي بالالتزام المؤسساتي؟ وهل تستطيع الحملات الانتخابيّة المغربيّة الانتقال من مرحلة التأثير العاطفي إلى مستوى الإقناع العقلاني؟ ذلك هو الامتحان الحقيقي للديمقراطية.





