في تحقيق الردع الخاص والعام: بين تهاون القانون وخطورة “المُجنَّح بالسيف”

إيطاليا تلغراف

 

 

 

* الدُّكتُور عَبْدُ اللَّهِ شَنْفَار

 

 

 

من خلال تجربة عمر وحوادث السير في الحياة العمليّة في مواجهة مباشرة مع الجانحين في الشارع العام؛ ومن تحليل عميق وصريح، يتقاطع فيه البعد الواقعي العملي بالبعد القانوني والأمني، ويطرح إشكالية جوهريّة في فلسفة الردع: هل ننتظر وقوع الضرر حتى نتحرك؟ أم نستبق الخطر بحسمٍ قانوني يحمي المجتمع؟
إن من مقاصد الشريعة الإسلامية، كما من غايات القانون الوضعي، هي حفظ النفوس وصيانة الأمن العام من عبث الجانحين والمجرمين، وقد أجمعت المدارس الفقهيّة على أن درء المفاسد، مقدم على جلب المصالح، وأن الضرر يُزال قبل وقوعه إذا أمكن ولا يُنتظر حتى يقع.
وهذا المبدأ لا يختلف في جوهره عن القاعدة القانونيّة الحديثة التي تقول: بأن “الحق في الدفاع الشرعي لا يشترط أن يُصاب المدافع فعلًا، بل يكفي قيام واستشعار الخطر حالًا وواقعيًا”.
ومن هذا المنطلق، فإن التدخل الاستباقي لتحييد الخطر الذي يهدد سلامة الناس في الفضاء العمومي، لا يُعدّ فقط حقًا، بل واجبًا، تتحمّل مسؤوليته الدولة ومؤسساتها الأمنية.
في زمن بات فيه الفضاء العام مسرحًا مفتوحًا لتجلّيات الاضطراب الاجتماعي والنفسي، تطرح بعض المشاهد اليوميّة أسئلة ملحّة على ضمير القانون وجرأة المشرّع: ماذا نفعل حين يصادفنا مهووسٌ أو مدمن حبوب مهلوسة يلوّح بسكين أو سيف في وجه المارة؟ هل ننتظر سقوط الضحايا كي نتحدث عن “التكييف القانوني”؟ أم نتحرك بمنطق تحقيق الردع الذي لا يُفَرِّق بين التهديد والاعتداء؟
تجارب الدول الديمقراطيّه المتحضّرة تُقدِّم لنا دروسًا عملية في فلسفة الأمن وفعالية تحقيق الردع: فمجرّد أن يُشهر الجانح سلاحًا أبيض أو ناريًّا في الفضاء العام، فإن تدخل الأمن يكون تلقائياً وحاسمًا وفوريًّا. ولا يُنتظر وقوع الجريمة، بل يُستبَق الفعل الإجرامي بتحييد الخطر. لأن هيبة الأمن العام لا تحتمل المجازفة.
ونحن في هذا السياق لا نتحدث عن “عقوبة ميدانيّة” كما قد يتوهّم البعض، بل عن تدخل شرعي وضروري لحماية الأرواح، وفق قاعدة: “الخطر الذي يُدفع قبل وقوعه، لا يُنتظر أن يُزهق الأرواح لشرعنته”.
لقد أدرك الخليفة عمر بن الخطاب رضي الله عنه، هذا المعنى بدقة حين قال: “لو أن أحدًا رفع سيفًا في السوق؛ لقطعنا يده ولو لم يضرب به أحدًا”.
إنها سياسة وقائيّة تُغلّب مصلحة الجماعة على تردّد الفرد.
رجل الأمن، حين يصادف مجنونًا أو مدمناً يحمل سكيناً أو سيفاً يلوّح به في الفضاء العام، لا يجب أن يتردد لحظة في إطلاق النار لتعطيل وشل حركته فورًا، دون أن ينتظر أن يُصاب أو يُصاب غيره لكي يُبرر الفعل أمام النيابة العامة أو أمام رؤسائه. التهديد العلني بالقتل هو جريمة قائمة بذاتها. فالمخاطرة بالانتظار ليست بطولة، بل إخلال جسيم بواجب الوظيفة.
أما المواطن العادي، فالموقف مختلف: يبقى الفرار هو الحل. لا يُطلب من المدني أن يتصدى لجنون لا يرحم. هذا النوع من الهيجان، كما أثبتت التجربة، لا توقفه الكلمات ولا يُجدي معه التفاوض أو النصح أو محاولة الإقناع، بل قد لا يتذكّر في لحظة الغضب حتى والديه.
في هذا الإطار، يحتاج الإطار التشريعي المغربي إلى مراجعة دقيقة لمنح عناصر الأمن غطاءً قانونيًا واقعيًا لا يُقيِّد أيديهم باسم “التناسب” حين يكون الخطر غير قابل للضبط.
* خلاصة:
إن تحقيق الردع بنوعيه: العام والخاص، لا يتحقق بمجرد إصدار العقوبات في نصوص جامدة، بل بتحقيق فاعلية تلك النصوص على أرض الواقع. وإن ترك رجل الأمن في حالة ارتباك قانوني أو نفسي عند مواجهة خطر مباشر، هو إخلال بهيبة القانون ذاتها. بل إن الاجتهاد الشرعي والقانوني السليم يقرّ بأن دفع الصائل ولو بالقتل، جائز بل واجب، إذا تعذّر دفعه بغير ذلك، فكيف إذا كان هذا الصائل لا يدرك فعله، وقد يُزهق أرواحًا بريئة في لحظة جنون؟
حماية الأرواح يجب أن تكون أولى من الشكليّات الإجرائيّة. وكرامة الحياة الوُجوديّة العامة أولى بالرعاية من تردّد النص أمام الواقع المتحوّل.

إيطاليا تلغراف


شاهد أيضا
تعليقات
الآراء الواردة في التعليقات تعبر عن آراء اصحابها وليس عن رأي جريدة إيطاليا تلغراف.
تعليقات الزوار
Loading...